زدني معرفة

ظلم الأخت في الميراث.. جريمة أكل ميراث الأخت وعقوبتها في الدنيا والآخرة

من الأمور القميئة التي نراها بكثرة في العديد من الدول و المجتمعات العربية، مسألة ظلم الأخت في الميراث، وأكل ميراث البنات ظلما وعدوانا.

تنتشر حالة أكل ميراث الأخت في كثير من الدول العربية والإسلامية، بسبب الطمع والظلم. 


فبرغم أن المواريث الشرعية بين الأخوة محددة تماما تحديدا واضحا، إلا أن الإخوة الذكور، يعتدون حدود ﷲ، ويمنعون البنات من الميراث، سواء كان منعا كليا، أو جزئيا بمحاولة ابتزازهن، وشراء حقهن في ميراث الاب أو الام بثمن بخس لا يتناسب أبدا مع ثمنه الحقيقي، أو حتى اعطائهن حقهن على سنوات طويلة، مقسما إلي مبالغ صغيرة، فلا يتحصلن على قيمته الحقيقية، وهذا أيضا أكل لميراث الأخت ولو كان بشكل مستتر.


الطمع أصل البلاء:


أصل البلوى التي يجب أن يعترف بها مانعو الميراث أنهم طامعين فيما ليس لهم.

فالحق واضح، ومع ذلك تجدهم يخرجون عليك بحجج تشبه ما كان يقال في زمن الجاهلية قبل الإسلام.

فتسمع من يقول أنه لا يصح أن يذهب ميراث عائلة كذا إلي اختهم التي تزوجت من عائلة كذا، وسيصير الميراث لزوجها أو لأبنائها من بعدها، وهكذا ينتقل ملك عائلتنا إلي هذه العائلة.

وهذا القول بغض النظر -وهو لا يغض- عن جاهليته، قول فيه تحدي لحكم ﷲ عز وجل، ورفض صريح لتشريعه الذي أنزله ليحكم بين عباده.

كما أنه يتجاهل واقع آخر، واقع أن الذكر الذي يمنع اخته من ميراثها، يكون له بنات، وبرغم هذا نجده في هذه الحالة حريص للغاية على أن ترثه بناته، فلما لا يمانع هنا أن ينتقل الميراث إلي بنته التي تزوجت من عائلة أخرى.

ثم أنه وفي معظم الحالات تباع هذه الممتلكات أصلا، وتنتقل لملاك جدد، فلماذا لا يمانع هنا أيضا؟.

وبعيدا عن كل هذا، فهذا مجرد رد على حجة فارغة تخفي من ورائها الطمع لا غير، فإنه لا يجوز لمسلم أن يحتج على حكم شرعي ثابت في كتاب ﷲ، وسنة رسوله صلى ﷲ عليه وسلم، يقول تعالى: ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، {النساء : الآية ٦٥}.

ويقول تعالى: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)) ، {الأحزاب : الآية ٣٦}.

فعندما يقول ﷲ عز وجل في مطلع الآية ١١ من سورة النساء : ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ)) ، ويقول أعز من قال: ((لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا)) {النساء : الآية ٧}.

عندما تكون النصوص واضحة، والأحكام ثابتة، فإن مخالفتها بعد ذلك بتحريض الطمع، له العقوبة في الدنيا والآخرة، خصوصا أن جريمة أكل ميراث الأخت، تجر ورائها ذنب عظيم وهو قطع الأرحام، وزرع البغضاء والحقد والغل في النفوس بين الأخوة.

إن هؤلاء الذين يقولون أنهم يحرصون على مال عائلتهم، وأنهم يفعلون هذا كما فعل أبائهم وأجدادهم، يتحقق فيهم ما نزل في القرآن الكريم من قوله تعالى:﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [المائدة: 104] وقال تعالى ﴿ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ [الشعراء: 74] وقال جل ذكره ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ [لقمان: 21].

ومن المستغرب والمثير للدهشة هنا، أن الموازين تختل، ونسمع الذكور يتهمون أخواتهم البنات بالطمع والجشع، لأنهن طالبن بحقهن في الميراث، فيصبح صاحب الحق طماعا، وربما سمعتم جميعا بهذا الكلام في محيطكم، فبلوى أكل الميراث أصبحت عامة، لا يكاد بيت من بيوت المسلمين إلا ويتعرض لها، إلا من رحم ربي.

يسأل الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، من يأكلون ميراث الأخت، هل هم من المسلمين ام من عصر الجاهلية؟. 


يقول الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، أن كثيرات يشتكين من عدم حصولهن على ميراثها من أبيها، وأن المشكلة أن الأخوة الذين يحرمون شقيقاتهم من الميراث يكونون مستريحين لما يفعلونه، ويجدون لأنفسهم تبريرا أنهم لا يريدون انتقال الميراث من أخته إلي أبنائها أو زوجها الذين يعتبرهم غرباء.

ويتسائل شيخ الأزهر، هل من يحرمون الأخت من الميراث بهذه الحجة مسلمون ام ينتمون لعرب الجاهلية؟. فإن كانوا مسلمين، فللأخت فرضا معلوما في الميراث تستحقه ويجب أن يسلم إليها، فهل يضرب هؤلاء بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية عرض الحائط؟.


الابناء والزوجات عدو:


هنا نقطة هامة جدا أيضا ينبغي أن نوضحها خصوصا لمن يقرأ هذا الكلام، ويكون من الذكور الذين عطلوا ميراث الأخت، أو منعوه تماما، أو حاولوا إنقاصه أو بخسه.

ففي كثير من الحالات، يكون التحريض على جريمة أكل ميراث الأخت نابعا من تحريض الزوجة أو الأبناء، وفي الغالبية الكاسحة من الأحوال تكون الزوجة هي السبب.

وإننا لنري في هذه الحالات، التطبيق العملي لقوله تعالي: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) ، {التغابن : الآية ١٤}.

نعم تكون زوجتك وابنائك أعدائك عندما يحرضونك على عصيان أمر ﷲ، عندما يزرعون الكراهية تجاه شقيقاتك لمجرد أنهن رفضوا الظلم، وطالبوا بحقهن في ميراث والدهم أو والدتهم.

فالله عز وجل، عليم بعباده فهم خلقه، ويعلم أن البعض قد يستغل حب الزوج أو الأب لزوجته وأبنائه، فيحرضونه على تعدى حدود ﷲ، وأكل الميراث، لذا نجد أنه سبحانه وتعالى، أكد على هذا المعني في قوله: ((آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)) {النساء : الآية ١١}.

وأعلم، أنك محاسب، وأنك مسؤول في قبرك، وبين يدي ﷲ عز وجل عما فعلت، فاسأل نفسك قبل أن تحاسب، بماذا ستجيب؟.

وأعلم أنه لن يدافع عنك أحد، لا زوجتك التي حرضتك ولا غيرها، وتذكر قوله عز وجل: ((فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)) ، الآيات من سورة عبس.

هذا هو مصيرك مع من دافعت عنهم، وحرضوك فمنعت حق شقيقتك في الميراث، وأعلم أنه حتى ولو لم يحرضك أحد، وكان دافعك الوحيد هو طمعك فحسب، فإن لحظة واحدة في عذاب النار، تفوق كل ما تحصلت عليه، وأن ملء الأرض ذهبا لن يساوي عذاب جهنم، فأعمل عقلك، واعد حساباتك، وسلم شقيقتك ميراثها.


من حالات أكل ميراث الأخت:

نص القرآن الكريم على نصيب كل وارث بدقة وتحديد، وحذر ﷲ عز وجل فيه من تخطي تلك الحدود، إلا أن الكثير من الذكور الآن يحرمون الأخت من ميراثها. 


بينما تظل حالة منع الأخت من ميراثها كاملا هي الحالة الأشهر، إلا أن هناك حالات أخرى، يقع فيها أكل ميراث الأخت.

فمثلا أن يكون الميراث به أشياء مميزة، ولنفرض مثلا قطعة أرض، فيأتي الذكر ويقول سأعطي شقيقتي حقها، لكنه يعطيها في الجزء قليل القيمة، ويستأثر لنفسه بالجزء المميز، فهذا حرام وظلم وأكل للميراث، بل يجب أن تقسم الأرض بالأنصبة الشرعية فيها كلها لا أن يميز نفسه.


وظلم ذوي القربي أشد مضاضة : على النفس من وقع الحسام المهند.
الشاعر العربي طرفة بن العبد، وكان هذا البيت من المعلقات السبع وهي سبع قصائد شعرية كان العرب يعلقونها على الكعبة قبل الإسلام، ومعني الحسام المهند: السيف المصنوع من حديد الهند وكان يعرف بقوته وصلابته.


ولابد هنا من الإشارة أيضا إلي أن وضع اليد على الميراث، كما نراه في الكثير من الحالات، كأن يضع اخ يده على عقار مملوك لوالده المتوفي، أو أرضا كان يملكها، ويتحجج ويماطل لمنع بيعها، هو أيضا صورة من صور أكل الميراث، حتى ولو قال لشقيقاته أن حقهن كذا وكذا، وأن حقهن محفوظ لديه.

فالعدل أنه إذا أردن بيعه فهذا حقهن، فليشتريه بسعره كما الغريب، وإلا فليبيع معهن ويأخذ حقه الشرعي.

وهناك حالة شهيرة، تتمثل في الاب الذي يموت تاركا خلفه تجارة كبيرة ورابحة، ويكون أحد أبناءه الذكور هو من يعاونه فيها، ويعلم أسرارها، وكل ما تركه والده من أموال وحقوق لدي الآخرين.

فنرى هؤلاء أحيانا يمنعون ميراث الأخت في هذه التركة بشكل كلي، ونسمع منهم أقوال عجيبة مثل أنهم هم السبب في نماء هذه التجارة (رغم أن الرزق كله بيد ﷲ .. وهذا الحكم في الميراث الذي يعطي لشقيقته حقها في تركة والدها، من ﷲ أيضا !!).

ونراهم في أحيان أخرى يحجبون جزءا من التركة، ويحاولون منع بقية الورثة من معرفة أنه موجود أصلا، وقد عرفت في حالة من الحالات، سيدة اكتشفت أن لوالدها عددا من المحلات خارج مدينتهم بعد توزيع التركة بسنوات، ولم يكن أخيها قد أخبرها بها، ولم تدخل في التركة.


دفع الثمن:


قد لا أنسي ما حييت، تلك المحاضرة للأستاذ الدكتور عبد المنعم سلطان، رئيس قسم الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة المنوفية في مصر، وقد توقف فجأة عن شرح إحدي حالات الميراث ليقول بنبرة صوت حنونة أبوية ((احذروا، وأنا أحدث هنا الشباب منكم، احذروا أيها الشباب أن تأكلوا ميراث شقيقاتكم، احذروا فإن العذاب في الدنيا وفي الآخرة)).

وقد كثرت الأحداث والقصص والوقائع التي يتناقلها الناس في كل زمان ومكان عن المصائر السوداء التي واجهها من منعوا شقيقاتهم من الميراث، وأكلوا حق البنت في ميراث أبيها وأمها، فكيف بعد كل هذا لا تعقل أيها الغافل؟.

لقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» أخرجه ابن ماجه.

فأين أنت يا من أكلت ميراث أختك؟.. انت الآن تنتظر أن يعجل ﷲ لك العقوبة في الدنيا، ومعها عقوبتك التي تنتظرك كذلك في الآخرة، بعدما قطعت رحمك بأكلك ميراث شقيقتك. 


التوبة وإعادة الحقوق:


لا سبيل للتوبة في أكل ميراث الأخت إلا بإعادة الحق لها، كاملا غير منتقص أو مؤجل، أن تذهب لها معتذرا، وتتأسف قائلا أن الشيطان كان قد نزغ بينكم، وتسلمها حقها، طالبا منها السماح على ما فات.

وأعلم جيدا أن ما سيصحبك في قبرك لن يكون المال أو الأرض أو الماشية أو السيارات أو البيوت، وإنما سيصحبك عملك، وعليه ستحاسب، فأرحم نفسك أيها المسكين، وتذكر قوله تعالى عن المواريث: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) {النساء: الآيتين ١٣ : ١٤}.

وهذه أمانة على الأبناء الذين مات أبوهم وهو قد أكل ميراث عمتهم، فليعلموا أن أباهم لن يرتاح في قبره ولا في آخرته إلا برد هذه الحقوق، فليتذكروا حرصه عليهم وكل معروف أداه لهم، وأولهم أنه كان سببا في قدومهم للحياة أصلا، ويردوا المظالم إلي أهلها.

وفي النهاية، فإن المواريث في العموم أيها الأخوة الكرام، قد حددها ﷲ عز وجل ، وجعلها من حدوده التي لا ينبغي للمسلم تخطيها، وفي النهاية فإننا كلنا راحلون، ولن يأخذ منا أحدا معه جنيها ولا دينارا ولا درهما، بل سيأخذ معه عمله، فبادروا يا من أكلتم الميراث برد الحقوق.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -