زدني معرفة

عدنان مندريس .. القصة التراجيدية لأول رئيس وزراء تركي يتم إعدامه بعد الانقلاب عليه

ربما لا يوجد الكثير من القصص المليئة بالتراجيديا مثل قصة عدنان مندريس، رئيس الوزراء التركي الراحل.

إعدام عدنان مندريس.

فالرجل الذي إطيح به من الحكم عقب انقلاب عسكري، ثم سيق إلي حبل المشنقة ليتم إعدامه، هو نفسه الرجل الذي يتم تكريمه اليوم في تركيا، بل ويطلق اسمه على الجامعات والمطارات فيها.

من هو عدنان مندريس:

عدنان مندريس، اسمه بالكامل (علي عدنان إرتكين مندريس)، من مواليد أيطن بتركيا (تنطق أيدين أو أضنة كذلك) في عام ١٨٩٩ .. أي في عصر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني.

ولد مندريس لعائلة ميسورة الحال، لكن التراجيديا التي ستصاحبه في الكثير من محطات حياته بدأت فصولها مبكرا عندما فقد كلا والديه وهو لم يكن قد أكمل التاسعة من عمره (وجدنا مصدر آخر يشير إلي أن والدته قد توفيت وهو لايزال في الرابعة من عمره، وقد لحق بها والدها في نفس العام).

صحيح أنه قد ورث عن والده الثري أرضا زراعية، ما جعل منه أحد ملاك الأراضي الزراعية، إلا أنه صار يتيم الأبوين، وسيظل طيلة حياته لا يتذكر إلا القليل من الذكريات التي جمعته بهما.

تلقي عدنان مندريس تعليمه أولا في المعهد الأمريكي في أزمير حيث انتقل هو وشقيقته مليكة للعيش في منزل جدتهما بعد وفاة والديهما، لكن تراجيديا الألم ظلت تطارده في أزمير كذلك، ففيها عاجله القدر بفاجعة وفاة أخته الوحيدة.

وسط هذه الحوادث المتعاقبة، واصل عدنان مندريس دراسته حتى تخرج من كلية الحقوق بجامعة أنقرة، وقبل وصوله لرئاسة الوزراء، عمل عدنان مندريس كمحامي وهي المهنة التي تكسب صاحبها الكثير من المهارات والعلوم، كما اشتغل بالسياسة، وبسبب قتاله في الجيش التركي ضد القوات التي حاولت احتلال تركيا في نهاية الحرب العالمية الأولى، حصل مندريس على (وسام حرب الاستقلال التركية)، وهو اسم الحرب التي قادها مصطفى كمال أتاتورك ضد فرنسا وبريطانيا واليونان.

تأسيس الحزب الديمقراطي والوصول للحكم:

ولاتزال المفارقات مصاحبة لقصة عدنان مندريس، فالرجل الذي كان ينعم برغد العيش لما تركه له والده من ثروة كان يحجم في الأصل عن الاشتغال بالسياسة، وزد على ذلك أن السيدة زوجته أيضًا كانت لا تريد له العمل بها، في النهاية ستقود الأقدار عدنان مندريس إلي ما هو مقدر له أن يلاقيه.

في بداية عهد عدنان مندريس بالسياسة، سيلتحق بالحزب الذي سيصير فيما بعد عدوه اللدود (حزب الشعب الجمهوري)، الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك، بل وسيفوز بالانتخابات ويدخل البرلمان التركي لأول مرة نائبا عن الحزب في العام ١٩٣٠، وهو لايزال ابن الحادية والثلاثين من عمره.

في كتابه "انقلاب في تركيا" يحدد الكاتب البريطاني (جيريمي سيل) أسباب انفصال مندريس عن حزب الشعب الجمهوري، وهو أن الحزب لم يكن مهتما بإصلاح أحوال الفلاحين في تركيا، وإخراجهم من الفقر الذي كانوا يعيشون فيه.

رئيس الوزراء التركي الراحل عدنان مندريس، CCC aga، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons. 

لذا، فإن عدنان مندريس والذي يعرف الفلاحين جيدا، فهو صاحب مزرعة قطن ورثها عن والده كما أشرنا، أخذ يدعو للقيام بإصلاحات جذرية، وهو الأمر الذي لم يلقي ترحيبا من مراكز القوة داخل الحزب، فكان جزاءه الطرد منه.

إذا نظرنا مثلا لما ورثه مندريس من والده من أراضي زراعية، سنجده أنه باع أو وزع معظمها على صغار الفلاحين، ولم يبق لنفسه إلا مزرعة واحدة، جعل منها نموذجا لاستخدام أساليب الزراعة الحديثة، كان مندريس يريد تعميم تجربته الشخصية على تركيا كدولة.

كانت خطوة عدنان مندريس التالية هي اشتراكه مع ثلاثة من رفاقه في تأسيس الحزب الديمقراطي، فطالما لم يتسع حزب الشعب الجمهوري لأفكاره، فليصنع لنفسه حزبا، خصوصا مع إلغاء نظام الحزب الواحد الذي اتبعته تركيا كنظام للحكم على مدار أكثر من ثلاثة عقود.

وفي وقت الحملات الانتخابية، قدم عدنان مندريس نفسه بصفة رجل الشعب أو خادم الشعب، كما لم يخفي دعوته لإعادة بعض مظاهر الشعائر الإسلامية في المجتمع.

حقق مندريس ورفاقه في الحزب، الفوز بصورة ساحقة في انتخابات صيف عام ١٩٥٠ (مايو ١٩٥٠)، على منافسهم الرئيسي فيها (حزب الشعب الجمهوري)، وهي الانتخابات التي ينظر إليها باعتبارها أول انتخابات ديمقراطية حقيقية وحرة في تاريخ تركيا، والتي أبعدت حزب الشعب الجمهوري عن حكم تركيا لأول مرة منذ عام ١٩٢٣.

وأصبح عدنان مندريس أول رئيس وزراء تركي من خارج حزب الشعب الجمهوري، وأصبح حليفه في الحزب الديمقراطي (جلال بايار) رئيسا للجمهورية، وهو منصب كان ثانوي الأهمية قبل تعديلات الدستور التركي الأخيرة التي أجراها أردوغان ليزيد من بقاءه على رأس السلطة في تركيا.

كرر الحزب الديمقراطي بزعامه مندريس نجاحًا ساحقًا في انتخابات عام ١٩٥٤ و ١٩٥٧.

ستضمن تلك الانتخابات المتعاقبة التي فاز فيها الحزب الديمقراطي، وصول عدنان مندريس لرئاسة الوزراء لعشر سنوات كاملة في الفترة ما بين ١٩٥٠ : ١٩٦٠.

سرعان ما أثبت عدنان مندريس أنه يمثل تحديًا خطيرًا لاحتكار حرس أتاتورك القديم للدولة والمجتمع، وفي العديد من المجالات.

الإنضمام لحلف الناتو:

مندريس (الثاني من اليمين) مع رئيس الوزراء اليوناني كونستانتينوس كارامانليس (يسار) ووزير الخارجية التركي فاتين روشتو زورلو (الثاني من اليسار) ووزير الخارجية اليوناني إيفانجيلوس أفيروف (على اليمين) خلال مباحثات الاتفاق اليوناني التركي عام ١٩٥٩ حول قبرص، Karamanlis, Zorlu, Menderes og Averoff، Av Herbert Behrens/Anefo، Lisens: CC BY SA 4.0.

من النقاط الهامة في فترة حكم عدنان مندريس، أنه وفي عهده انضمت تركيا إلي حلف شمال الأطلسي (الناتو).

فمندريس الذي كان من الناحية الفكرية معاديا للشيوعية، ومن الناحية العملية كان أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، اتخذ هذا القرار الذي لايزال إلي يومنا هذا أهم محركات السياسة الخارجية لتركيا.

ومن أبرز الملفات الخارجية التي تعامل معها عدنان مندريس كذلك، كان ملف أزمة قبرص، والصراع الممتد لقرون بين اليونان وتركيا عليها.

وفي فبراير ١٩٥٩، وفي لقاءات استمرت ١١ يوم في زيورخ بسويسرا، اجتمع عدنان مندريس مع رئيس الوزراء اليوناني كونستانتينوس كارامانليس، ووزير الخارجية التركي فاتين روشتو زورلو، ووزير الخارجية اليوناني إيفانجيلوس أفيروف، حيث اتفقوا كممثلين عن الدولتين على قيام دولة قبرص كدولة مستقلة.

بين الاقتصاد والدين:

إذا قرأنا رواية المنتمين للإسلام السياسي عن الأسباب التي قادت لحدوث الانقلاب العسكري على عدنان مندريس، فإننا لن نجد فيها إلا مجرد الحديث عن كون مندريس كان يحاول إعادة الكثير من الشعائر الإسلامية للحياة في تركيا بعدما قمعها أتاتورك الذي اتجه لنظام حكم علماني متوحش، فجاء مندريس ليعيدها للحياة من جديد.

بالتأكيد، كان لعدنان مندريس اتجاه نحو ذلك، بل إن الاتهام الرئيسي ضده في محاكمته كان السعي نحو تأسيس دولة دينية، لكن البعض يري ذلك باعتبار أن مندريس كان يحاول استغلال الدين في لعبة السياسة.

بشكل عام، تورد المصادر التاريخية أن عدنان مندريس إعاد رفع الأذان للصلاة باللغة العربية بعدما كان يرفع باللغة التركية منذ عهد عصمت إينونو (هذا القرار ما جعل الكثيرين يلقبونه بشهيد الأذان)، كما إعيد في عهده تدريس المواد الإسلامية في المدارس التركية، وشهدت تركيا بناءا للمساجد من جديد بعد انقطاع، كما وفتحت أبواب المعاهد الدينية بعد إغلاقها.

لكن هذه النظرة غير مكتملة لوقائع الأمور في تركيا في تلك الحقبة، لقد كان الاقتصاد التركي يأن بشدة.

فبرغم أن سنوات حكم عدنان مندريس الأولى شهدت نموا وتطويرا اقتصاديا ملحوظا، مع تطبيق مندريس لأفكاره حول التنمية الزراعية والصناعية، وتمثل ذلك في مد القري بمياه الري وكذلك مياه الشرب النقية عبر الأنابيب، واستصلاح الأراضي الزراعية، ورفع مستويات القروض الممنوحة للمزارعين (أمن ذلك لعدنان مندريس شعبية جارفة في الريف على وجه الخصوص).

عدنان مندريس الرجل الذي حكم تركيا عشر سنوات ثم مات مشنوقا، ثم عادت تركيا لتكريمه بعد قتله، Unknown author، No Copyright.

كما شرع رئيس الوزراء في العديد من مشاريع البنية التحتية مثل شق الطرق وإقامة محطات لتوليد الكهرباء وتوسيع نطاق حافلات النقل الجماعي وأعدادها.

برغم ذلك فإن الفترة الأخيرة من حكم عدنان مندريس شهدت تدهورا إقتصاديا حادا لا يمكن إنكاره أو غض النظر عنه.

بجانب الأزمة الاقتصادية، يشير بعض المؤرخين إلي أن عدنان مندريس بدا غير متسامح مع الإنتقادات التي توجه إليه، كما وقع حدث جلل في عام ١٩٥٥، إنها مذبحة الطائفة الأرثوذكسية اليونانية والتي شملت أعمال عنف وقتل وسلب ونهب لعدة أيام ضد المسيحيين اليونانيين في تركيا، وقد اتهمت الحكومة التركية حينها بأنها كانت تقف وراء تأجيج الغضب ضد اليونانيين بالشائعات، ثم وجدت الأمور تخرج تماما عن سيطرتها.

كما بدا الاحتقان واضحا أيضا في العام التالي ١٩٥٦، حينما صدر قانون قاسي للغاية ينظم الصحافة التركية.

الانقلاب على عدنان مندريس:

في السابع والعشرين من شهر مايو / آيار من العام ١٩٦٠، وقع الانقلاب العسكري على عدنان مندريس.

٣٨ ضابط من مختلف الرتب، بقيادة الجنرال جمال جورسيل (تنطق أيضًا جمال كورسل)، قاموا بتنفيذ الانقلاب الذي نجح في الإطاحة بمندريس.

كان ذلك هو أول انقلاب عسكري تشهده الجمهورية التركية منذ تأسيسها على يد (مصطفى كمال أتاتورك) عام ١٩٢٣، بعد إنهيار الدولة العثمانية.

وفي ذلك الوقت الذي كان الراديو هو وسيلة الإعلام الرئيسية بالأخبار العاجلة، كان هذا الجهاز "الراديو" هو نفسه الذي أعلنت من خلاله عن العديد من الانقلابات العسكرية في العديد من الدول حول العالم وليس في تركيا فحسب.

يومها، عرف المواطنين الأتراك بنبأ الانقلاب من الراديو، الذي أذاع هذا البيان:

الجنرال جمال كورسل قائد الانقلاب العسكري على عدنان مندريس، سيتولى فيما بعد منصب رئيس الوزراء التركي، استعمال عادل للصورة بموجب قانون حقوق التأليف والنشر في الولايات المتحدة، صورة لشخصية متوفاة.

((أعزائي المواطنين ، اعتبارا من الساعة الثالثة صباح اليوم، وفي جميع أنحاء تركيا، تولت القوات المسلحة التركية، إدارة شؤون البلاد، هذه العملية قد نجحت بدون خسائر في الأرواح ، وذلك بفضل التعاون الوثيق بين المواطنين وقوات الأمن، ولهذا قد تم فرض حظر التجوال إلي إشعار آخر، ويعفي منه فقط أفراد القوات المسلحة، ونطلب من مواطنينا مساعدتنا في تيسير مهمة قواتنا المسلحة، والمساعدة في إعادة تأسيس النظام المدني الديمقراطي على الصعيد الوطني)).

سيشكل الضباط ما عرف باسم (مجلس الوحدة الوطني) لإدارة تركيا في الفترة الانتقالية التي أعقبت عزل عدنان مندريس.

محاكمة عدنان مندريس:

دائما ما تنتقد المحاكمة العسكرية التي عقدت لعدنان مندريس ومعه عددا من وزراء حكومته، وتوصف بأنها كانت غير عادلة، بل مجرد محاكمة صورية، إذ كان حكم الإعدام في أدراج القضاة قبل بدايتها.

حوكم عدنان مندريس بتهمة اعتزام قلب نظام الحكم العلماني وتأسيس دولة دينية، وجرت وقائع المحاكمة في جزيرة (ياسي أدا) التي ستشهد كذلك تنفيذ حكم الإعدام بحقه هو و وزرائه.

إعدام عدنان مندريس:

في ١٧ سبتمبر / أيلول ١٩٦١، وبعد نحو سنة وأربعة شهور من الانقلاب، تم تنفيذ حكم الإعدام في عدنان مندريس، ليموت رئيس الوزراء التركي شنقا عن عمر ٦٢ عاما.

تكريم عدنان مندريس:

الحقيقة أنه قد تعددت صور تكريم عدنان مندريس في تركيا اليوم.

في مايو / آيار ٢٠٢٠، وفي الذكري الستين لإعدامه، تم تغيير اسم جزيرة "ياسي أدا" التي أُعدم مندريس فيها، ليصبح اسمها "جزيرة الديمقراطية والحريات".

وفي يناير من العام ٢٠٢٢، تم افتتاح متحف (عدنان مندريس للديمقراطية) في محافظة أيدن التركية مسقط رأسه.

اليوم أيضا، وفي العديد من المدن التركية، تنتصب تماثيل ونصب تذكارية لعدنان مندريس، ذلك الشخص نفسه الذي أعدمته تركيا ذات يوم.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -