زدني معرفة

السلطان العثماني عبد الحميد الثاني.. ظالم ام مظلوم

هو وبلا شك أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل، فهو عند البعض بطل وآخر الحكام الفعليين للدولة العثمانية، وقد ساعدت الدراما التركية التي عرضت مسلسل جعل منه أيقونة للإيمان والعدل في تكوين هذا الرأي عنه، وخصوصا على المستوي الشعبي.

عبد الحميد الثاني، سلطان الدولة العثمانية، صورة إخذت له في قلعة بالمورال في اسكتلندا، By Unknown Photographer / Library of Congress. License:  (Public domain). 


وهو لدي آخرين رمزا للاستبداد بل وحتى من مهد الطريق لإحتلال بعضا من بلدان العرب... عن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني نتحدث.

هو عبد الحميد الثاني، ابن السلطان عبد المجيد والسيدة تيريموجان قادين. ستموت والدته بمرض السل، وهو لايزال صبيا في العاشرة من عمره، وبعدها بتسعة أعوام سيلحق بها والده السلطان عبد المجيد عن عمر يناهز ٣٨ عامًا.

وقد حرصنا في المعرفة للدراسات، أن نجمع في المصادر التي اعتمدنا عليها لإعداد هذه المادة عن السلطان عبد الحميد الثاني، بين هذا الرأي وذاك، وبين المصادر العربية والتركية والإنجليزية والألمانية، في محاولة منا لكشف القصة الحقيقية لهذا الرجل.

الصعود لعرش السلطنة العثمانية:

عند تقييم أي شخصية حاكمة عبر التاريخ، لابد من النظر للظروف والأحوال التي صاحبته في لحظة الوصول للحكم.

بتطبيق هذه القاعدة على السلطان عبد الحميد الثاني، نجد أن الرجل الذي صعد لعرش السلطنة العثمانية في عام ١٨٧٦ قد وصل على أنقاض سلطانين من قبله لم ينتهي حكمهما بالطريقة الطبيعية لتلك الفترة (الوفاة). وإنما بالإنقلاب عليهما.

الأول هو السلطان عبد العزيز الذي قيل الكثير عن إسرافه، وانتهت حياة هذا السلطان بتعاسة في السجن.

الثاني كان السلطان (مراد الرابع).. والذي صدرت فتوى شرعية بعزله لعدم أهليته، إذ تورد المصادر أنه كان ذو آفة عقلية.

أما أزمة الدولة العثمانية الحقيقية في ذلك الوقت فلم تكن طريقة تغير الحكام فيها، وإنما فقدان الهوية. لقد اثمرت الهزائم العسكرية والأحوال الاقتصادية الصعبة شعورا بضرورة تغيير نظام الحكم، والقيام بإصلاحات وتبني نظم حكم جديدة، وكانت الأفكار والقوميات تتصارع.

عبد الحميد الثاني نفسه، ولد في عهد يسمي "التنظيمات" ، وهي فترة ابتغي العثمانيين -وبالتحديد والده السلطان عبد المجيد- فيها إجراء إصلاحات على النمط الأوروبي، وخصوصا في تشكيلات الجيش وتسليحه وتدريبه، وكذلك في نظم الإدارة والحكم.

لوحة للسلطان عبد الحميد الثاني، حاليا بحوزة وكالة محفوظات الدولة في بلغاريا، Public domain. 


لكن صعوبة الظروف المحيطة بحاكم ما في لحظة توليه السلطة، لا تعني بالضرورة حتمية الهزيمة -في حالة عبد الحميد الثاني ذهبت الدولة كلها أدراج الرياح-، والتاريخ يعج بالأمثلة عن قادة حكموا دولهم في أوقات حرجة ومريرة، لكنهم استطاعوا تحقيق الانتصار في نهاية المطاف.

بإختصار، فعندما صعد عبد الحميد الثاني عرش إمبراطورية آل عثمان، كانت أحوال الإمبراطورية غاية في السوء، بحيث لا يقبل حكمها إلا رجل غاية في الشجاعة أو علي قدر كبير من البلاهة.

وسيمر عبد الحميد خلال السنوات الثلاثة والثلاثين التي حكم فيها (١٨٧٦ - ١٩٠٩)، وسط أمواج السياسة والحرب الهادرة في كل أنحاء ملكه، أمور لم تكن تحتاج إلي سلطانا شجاعا فحسب، بل في أعلي درجات الكفاءة السياسية أيضًا.

وبما أن عبد الحميد الثاني من مواليد القسطنطينية (إسطنبول حاليا) يوم الأربعاء (١٦ شعبان ١٢٥٨ هـ = ٢٢ سبتمبر ١٨٤٢)، فقد كان شابا في الرابعة والثلاثين من عمره يوم أعتلى العرش.

لكن الشاب الذي كان يجيد الفرنسية والعربية والفارسية، كان على موعد ذات يوم مع السقوط، ليس سقوطه هو من فوق العرش كسابقيه، بل سقوط العرش نفسه، وفي الطريق كان هناك الكثير من الألم والعوسج والعليق والمتاعب.

مرجل نيران:

أما إذا نقلنا النظر إلي فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني نفسها لوجدنا الدولة العثمانية وكأنها كالقدر الذي وضع فوق مرجل نيران، إذ عصفت بها الحروب والاضطرابات والمشاكل.

ففي عهده تطور ونما بشكل كبير التيار القومي التركي الذي كان يري في أساسياته الفكرية أن الأتراك شعب متميز عن كل الشعوب التي تحكمها السلطة العثمانية، وكنتيجة طبيعية مضادة، نما الشعور القومي لدي الشعوب التي كان يحكمها الأتراك في ظل علم السلطنة. 

وفي عهده حدثت ثورة الأرمن، وكذلك بدأ النشاط الصهيوني من أجل السيطرة على فلسطين، كما فقدت الدولة في عصره وأوانه المديد الكثير من أراضيها وأقاليمها التي ورثها عبد الحميد عن من سبقوه.

إننا لو نظرنا إلي اليوم الذي تولي فيه الحكم، لوجدنا حربا ضد صربيا والجبل الأسود الساعيان للاستقلال عن الدولة العثمانية، وثورة في بلغاريا، وأخرى في البوسنة والهرسك.

رسم كاريكاتير ساخر على غلاف صحيفة لو بوتي جورنال الفرنسية، نري فيه الإمبراطور فرانز جوزيف (على اليسار) يقتطع البوسنة والهرسك، والأمير البلغاري فرديناند (في الوسط) يعلن نفسه ملكًا على بلغاريا المستقلة، بينما يقف السلطان العثماني عبد الحميد الثاني مكتوف اليدين ويراقب فقدانه أجزاء كبيرة من مملكته، By Unknown artist .
License: (Public domain)

 

ومع ذلك فلم يمر العام الأول لتوليه ١٨٧٦ ، إلا وكان السلطان قد أصدر في ٢٣ ديسمبر من ذلك العام ما سمي (القانون الأساسي) الذي يعادل الدستور حاليا، كما سمح بوجود مجلس للنواب ينتخبه الناس، ومجلس آخر يعينه السلطان يسمي مجلس الأعيان. 

خطوات كتلك، جعلت المتتبعين لخطوات السلطان الجديد يومها يرون فيه تجسيدًا لدولة عثمانية ليبرالية، مختلفة عن التوجهات العسكرية لأسلافه.

فلقد ذهب دستور ١٨٧٦ إلى حد السماح حتى لغير المسلمين بالوصول إلى أعلى منصب في السلطنة، منصب (الصدر الأعظم).

لكن لم تمر سوى ٤ شهور فحسب من إقرار القانون الأساسي، لتضيف السلطنة العثمانية إلي قائمة مشاكلها، خوض حرب ضد روسيا.

فعلي أرض المعارك على الجبهة الصربية، نجحت القوات العثمانية في اكتساح الأراضي الصربية، وكان الأمر مجرد وقت لدخول العاصمة بلغراد.. وهنا تتدخل روسيا وتهدد بشن الحرب ضد الدولة العثمانية إن لم يتم فرض الهدنة.. يوافق السلطان وتجتمع الدول الأوروبية مع السلطنة العثمانية وروسيا لمناقشة القضية، ولم يتم التوصل لأي حل. 

دعا الرفض العثماني لطلبات أوروبا التي كانت مجحفة، إلي اجتماع آخر بدون الوفد العثماني في العاصمة البريطانية لندن، وتم توجيه ما عرف حينها باسم إنذار لندن بالمطالب التي رفضها العثمانيين من قبل. 

وعندما تمت مناقشة (بروتوكول لندن)، والذي كان يتضمن مقترحات الروس في ٣١ مارس ١٨٧٧ ، في البرلمان العثماني (مجلس النواب) بناءً على طلب السلطان عبد الحميد الثاني ورُفض، أعلنت روسيا رسميًا الحرب على الإمبراطورية العثمانية في ٢٤ أبريل ١٨٧٧.

تسمي هذه الحرب، بالحرب الروسية التركية وكذلك بحرب ٩٣، 'War of ’93' لانها اندلعت عام ١٢٩٣ه‍‍ بالتقويم الهجري... وخاض العثمانيين فيها قتالا ليس ضد روسيا فحسب بل الحقيقة أنها كانت حربا ضد تحالف من المسيحيين الأرثوذكس الشرقيين بقيادة الإمبراطورية الروسية ويتألف من بلغاريا ورومانيا وصربيا والجبل الأسود.

فقدت السلطنة العثمانية أجزاء من أقاليمها في هذه الحرب، كما عطل السلطان عبد الحميد الثاني العمل بالدستور بعد بداية الحرب، وظل معطلا طيلة فترة حكمه. 

خليفة المسلمين:

لوحة للسلطان عبد الحميد الثاني يركب العربة السلطانية ومن خلفه حشد غفير من جيشه، صورة حوالى عام ١٩٠٨.


من الأخطاء التاريخية الشهيرة التي قد يقع فيها البعض تسمية سلاطين الدولة العثمانية باسم (الخليفة).

والحقيقة أن سلاطين الدولة العثمانية لم يجرؤ أحد منهم على تسمية نفسه بالخليفة وإنما كان اللقب الرسمي (السلطان).

فبحسب الأراء الفقهية، يشترط في الخليفة أن يكون قرشيا (أي من قبيلة قريش) وهو ما كان منطبقا على العباسيين ومن قبلهم الأمويين، لكن العثمانيين قادمين من وسط آسيا عند حشائش الاستبس، ومن ثم اعتنقوا الإسلام.

عبد الحميد الثاني ، ومعه مستشاروه، اعتقدوا أن إعلانه خليفة على المسلمين قد يشكل حلا لتوحيد هذه الإمبراطورية التي علت الروح القومية في كل أرجائها، وصار كل جزء طامعا في الاستقلال، لكن السلطان عبد الحميد الثاني لم يختلف وضعه أو وضع بلاده كثيرا حينما أصبح الخليفة عبد الحميد الثاني.

هدوء ما قبل العاصفة:

لم يكن عهد عبد الحميد الثاني كله على هذا المنوال، فهناك فترة يسميها المؤرخ الإسلامي الدكتور (راغب السرجاني) باسم فترة (الهدوء النسبي والإصلاحات).

ويحددها المؤرخ المصري بداية منذ عام ١٨٨٥، مبينا أن سببها الرئيسي تمثل في أن الدول الأوروبية الكبرى ركزت جل اهتمامها في ذلك الوقت على القارة الافريقية، كما كانت بريطانيا مشغولة علاوة على ذلك في مستعمراتها الأهم ((الهند)).

هذا الانشغال الأوروبي، منح السلطان عبد الحميد الثاني فسحة من الوقت ليتحرك.

في هذه الفترة لايمكن إنكار محاولات وجهود السلطان في تطوير الجيش، وهو الملف الذي خطا فيه خطوات هامة بالتعاون مع ألمانيا. 

وكذا إدخال التحديثات على نظم الإدارة، وتشكيل قوات الدرك لحفظ الأمن.

الزائر اليوم للعاصمة الأردنية عمان، يمكنه زيارة محطة سكة حديد الحجاز والقطارات القديمة التي لاتزال الأردن تحتفظ بها كمعلم سياحي، صورة لمحطة عمان من خط سكك حديد الحجاز، Bashar Tabbah، (CC BY-SA 4.0)، via Wikimedia commons. 


كما اهتم عبد الحميد الثاني بتطوير أنظمة الإتصالات والنقل، ولاسيما التلغراف والسكك الحديدية -يعد خط سكك حديد الحجاز الذي كان يصل بين دمشق والمدينة المنورة أبرز هذه السكك، وقد بني بمساهمات ومساعدات من المسلمين في مختلف أنحاء السلطنة-، وكذلك خط آخر في آسيا الصغري.

وبرغم الأزمة الاقتصادية المستعرة معظم مدة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، فإن نجاحه في جذب أموال ومستثمرين من الخارج مكنه من تنفيذ عددا من المشاريع الكبرى.

حقق السلطان عبد الحميد الثاني كذلك تقدمًا إيجابيًا في مجال التعليم، ففي عهده تم تجديد جامعة أسطنبول عام ١٩٠٠.

كما يعد السلطان عبد الحميد الثاني الأب الشرعي لجهاز تجسس متطور مكّنه من احتكار السلطة وسحق المعارضين، وكان ذلك عيبا خطيرا في فلسفة عمل هذا الجهاز، أنه ركز جهوده داخليا أكثر من التصدي للمؤامرات الخارجية.

في حين يري البعض أن الداخل العثماني وقتها أصلا كان يعج بالمؤامرات القادمة أصلا من الخارج، فكان أولى بالنظر إليه، وهنا نقطة خلاف هامة حول (فلسفة أجهزة المخابرات ودورها)، والذي نعتبره في "المعرفة للدراسات" كما هو لدي كل أهم أجهزة المخابرات عالميا، حماية أمن الوطن من التهديدات الخارجية أولا.

نعود للإصلاحات مجددا، فنجد أيضا أنه وتحت إشراف صدره الأعظم (محمد سعيد باشا)، تحققت نهضة قانونية بتطوير عدد من التشريعات.

الأزمة الأرمينية:

حتى يومنا هذا لايزال ما وقع إبان ثورة الأرمن حدثا تتشاجر حوله الروايات التاريخية.

أوروبا والأرمن بالطبع من قبلها تعتبر ما حدث بمثابة مذابح وإبادة جماعية ارتكبتها جيوش عبد الحميد الثاني في حق الأرمن، أما الدولة التركية وحتى يومنا هذا فتنفي وبشدة هذه الروايات بل وتتهم الأرمن أنفسهم بإرتكاب هذه التهم في حق العثمانيين.

شكلت حينها قوات من الأكراد عرفت باسم ((أفواج الفرسان الحميديَّة)) نسبةً إلى عبد الحميد الثاني، وقامت هذه الكتائب بقمع حركات التمرُّد الأرمينية. لكن على الجهة الأخرى فإن ما فجر الوضع بشكل كارثي كان مذبحة قام بها الأرمن عام ١٨٩٤ في مدينة ساسون بولاية بدليس شرق الأناضول، وردَّت عليها أفواج الفرسان الحميديَّة بمذابح مماثلة. 

في تلك الأيام، والتي كانت الصحافة الورقية بمثابة وسائل التواصل الاجتماعي في يومنا هذا، شنت الصحافة الأوروبية ضد السلطان عبد الحميد الثاني هجوما كاسحا، ووصفت ما حدث بأنه قمع وحشي للأرمن. أكسبه ذلك لقب "السلطان الأحمر" red sultan.

فلسطين والحركة الصهيونية:

تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية حاول بكل الطرق التقرب من السلطان عبد الحميد الثاني، By Carl Pietzner . License: (Public domain) 


تعد مقولة (أخبروا الدكتور هرتزل أنني لا أستطيع أن اتخلي عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني بل ملك الأمة الإسلامية) واحدة من أكثر المقولات المنسوبة للسلطان عبد الحميد الثاني شهرة، وأكثرها استخداما من قبل مؤيديه ومحبيه.

هذه المقولة الأدبية، كانت ردا على عرض قدمه تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية للحصول على تسهيلات للهجرة اليهودية لفلسطين، وتملك الأراضي فيها.

وبالنظر للتعامل الفعلي للسلطان في مسألة السماح لليهود بالوصول لفلسطين، فقد كان أقصى ما قدمه في هذه القضية هو السماح لهم بالحج، مع عدم جواز بقائهم في فلسطين لأكثر من ٣ شهور.

في يوليو من عام ٢٠١٥، نشرت جامعة كامبريدج البريطانية العريقة ورقة بحثية بعنوان ((السلطان عبد الحميد الثاني وفلسطين: الأراضي الخاصة والسياسة الإمبراطورية)).

ذهبت الورقة لنتيجة مفادها أن السلطان استخدم أساليب متنوعة بعضها كان تقليديا والبعض الآخر كان حديثا من أجل زيادة التماسك الداخلي للإمبراطورية وتقويتها في مواجهة التهديدات الخارجية، وعلى وجه الخصوص في فلسطين.

تهمة تسهيل الاحتلال الإنجليزي لمصر:

لم تكن مصر هي المكان الوحيد الذي خسره السلطان من إمبراطوريته المترامية الأطراف يوم تولاها.

لقد نجح البلقان في الانفصال نهائيا عن الدولة العثمانية، كما احتلت قوى أجنبية تونس، وقبرص، وكريت.

لكن طريقة فقدان مصر بالتحديد كان إحدي كوارث عبد الحميد الثاني الكبرى ، من وجهة نظر معارضيه.

فأن تفقد البلقان وأنت تقاتل فهذا يمكن فهمه، لكن كيف يمكن تصديق أن تسلم مصر وهي واحدة من أهم ولايات السلطنة، بل وقد تكون الأهم على الإطلاق، من منطلق أنها التي قد تستطيع إحياء قوتك من جديد، بخلاف وجود قناة السويس فيها، وهي القناة التي كانت نصب عيون العالم كله يومها، وبرغم كل هذا تسلمها للبريطانيين ببساطة.

الدمار في كل مكان، هذه صورة لمدينة الإسكندرية المصرية عقب قصفها بمدافع الأسطول الانجليزي، Unknown author, public domain. 


في البداية ، فإن السلطان عبد الحميد الثاني، وبموجب اتفاق مع بريطانيا منحهم جزيرة قبرص في البحر المتوسط. ما منحهم قاعدة عسكرية تمكنهم من شن هجومهم على مصر.

لكن الأخطر من هذا هو الفرمان الذي أصدره باعتبار (أحمد عرابي) عاصيا وخارجا وقد شق عصا الطاعة، فرمانا مثل هذا يصدر متي؟.. في الوقت الذي كانت فيه القوات المصرية بقيادة عرابي تقاتل جيوش الإنجليز الغازية.

الثورة على عبد الحميد الثاني:

في مطلع يوليو عام ١٩٠٨، انطلقت الثورة ضد السلطان عبد الحميد الثاني، وكانت بدايتها من الجيش، وبالتحديد من أحد قادة الجيش الثالث العثماني بمقدونيا، وكان يدعي (أحمد نيازي).

حدد نيازي مطلبه بالعمل بالدستور، وعودة البرلمان الذي كان السلطان قد قام بحله.

وراء هذين المطلبين كانت حالة السخط على السلطان عارمة، وظل الخلاف حول عبد الحميد الثاني حتى في أسباب الثورة عليه.

فالمؤيدين له يرون أن الثورة جاءت بعد سنين من الحروب والثروات التي حركتها القوى المعادية للعثمانين، وحتى عوامل الطقس السيئة التي كانت تهلك المحاصيل، ما تسبب في أزمة اقتصادية طحنت الناس.

والمعارضين، يتحدثون عن أسباب أخرى شملت حنق الناس من حالة إنتشار الجواسيس الذين كانوا يوشون بأي معارض لحكم السلطان، وبلغ عددهم عشرات الألوف في مختلف أرجاء السلطنة، والقمع الشديد الذي أطبق على الصدور، والفتك بأي معارض له جمهور مثل جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي.

الغريب في الأمر أن كل القوات التي أرسلها السلطان لقمع هذا التمرد، انضمت إلي التمرد وإلي الناس الغاضبين في الشوارع، ومنذ ذلك التاريخ بدأ المؤيدين للسلطان والمعارضين له في حركات غاضبة واشتباكات دموية. 

لكن الأمور حسمت في النهاية باستصدار فتوى شرعية بعزل السلطان عبد الحميد الثاني. 

الوفد الذي عزل السلطان عبد الحميد الثاني، public domain. 


في ٢٧ أبريل ١٩٠٩، وصل الوفد المكلف إلى السلطان عبد الحميد الثاني ليُخبرونه بأمر العزل، وأن يحل محله، أخوه الأصغر، محمد رشاد. 

الفريق بحري عارف حكمت باشا الجورجي، وهو في الوقت نفسه عضوٌ في مجلس النوَّاب، واللواء أسعد طوبتاني باشا الألباني، بالإضافة إلى اثنين من غير المسلمين؛ آرام أفندي الأرمني، وقرة صو اليهودي، هم أعضاء الوفد الذي عزل عبد الحميد الثاني، والذي خلا من أي تركي. 

الرحيل:

في العاشر من فبراير عام ١٩١٨، وفي القسطنطينية التي أصبحت إسطنبول، مات السلطان الرابع والثلاثين وما قبل الأخير للدولة العثمانية، السلطان عبد الحميد الثاني ابن السلطان عبد المجيد، عن عمر يناهز ٧٨ عاما.

رحل عبد الحميد الثاني، وترك مسيرة حافلة، لايمكن لعاقل أن ينكر ما فيها من إنجازات، ومافيها كذلك من هزائم وخيبات كبرى.

إن حالة السلطان عبد الحميد الثاني، تحتاج للمزيد من البحث والتدقيق، ففيها الكثير من الدروس المستفادة التي يمكن تطبيقها حتى اليوم، خصوصا أن أحداث فترة حكمه لاتزال تلقي بظلالها على العالمين العربي والإسلامي حتى اليوم.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -