زدني معرفة

طبقة الأوليغارشية الروسية.. أصدقاء بوتين الذين يحكمون روسيا وتستهدفهم العقوبات الغربية

الأوليغارشية الروسية.. مصطلح يتردد كثيرا هذه الأيام، وخصوصا منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في فجر الخميس ٢٤ فبراير ٢٠٢٢.

مثل السلطة، ورث الرئيس بوتين عن سلفه يلتسن، طبقة الأوليغارشية التي تتحكم في المال والنفوذ في روسيا، لكنه هذبها وأخضعها لسلطانه، صورة لبوتين في بداية حكمه، يتحدث مع ميخائيل خودوركوفسكي ، الرئيس التنفيذي لشركة النفط يوكوس، عندما عارضه خودوركوفسكي، القي به بوتين في السجن، Presidential Press and  Information Office، kremlin، (CC BY 3.0) via Wikimedia commons. 


فماذا يعني هذا المصطلح.. ومن هم رجال الأعمال وكبار المسؤولين الروس الذين يشكلون طبقة (الأوليغارشية الروسية).. وما درجة أهميتهم التي جعلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية "جو بايدن" نفسه يتوعدهم.

الأوليغارشية:

الأوليغارشية هو مصطلح يعبر عن نظام حكم سياسي، تحكم فيه مجموعة صغيرة من الأشخاص الدولة.

ويتكون مصطلح أوليغارشية أو أوليجاركية Oligarchy من كلمتين من اللغة اليونانية، الأولى هي أوليغو oligois والتي تعني "قلة غنية"، و الثانية arkhein التي تعني "يحكم"... فتصبح (حكومة القلة الغنية التي تحكم لصالحها الخاص). وقد ظهر كواحد من الأنظمة السياسية الخمسة التي حددها أفلاطون كأنظمة للحكم.

وهذا المصطلح يتماشي مع نظام حكم يسمي (كليبتوقراطية)، ويعني حُكم اللصوص، مع حكومة يستخدم قادتها الفاسدون السلطة السياسية للاستيلاء على ثروة شعوبهم، عادةً عن طريق اختلاس أو سرقة الأموال الحكومية على حساب عموم السكان. واللفظ مركب من مقطعين باللغة الإغريقية؛ أولهما "كلبتو" بمعنى لص، وثانيهما "قراط" بمعنى حُكم. 

بالفعل يوجد اليوم في روسيا قلة من الناس يسيطرون على الحكم، وعلى قدر هائل من الثروة والنفوذ التي صنعوها على مدار نحو ثلاثة عقود، وبالطبع فإن هذه الطبقة لا تري نفسها سوي رجال أعمال روس وطنيين يشاركون في نهضة بلادهم. 

فعندما انتهت قصة الاتحاد السوفيتي بالسقوط والتفكك، ظن الغرب أن روسيا عليها أن تتعلم الدرس الذي قاد إلي هزيمتها في الحرب الباردة، ومفاده من وجهة النظر الغربية ببساطة أنها لم تكن دولة ديمقراطية، لذا انتظروا أن تتحول روسيا ببساطة إلي نظام الحكم الديمقراطي.

لكن ما حدث لم يكن كما توقعته الدول الغربية. على العكس تكونت مراكز قوى في روسيا، تتمثل في قلة من مديري المؤسسات الهامة ومجموعات رجال الأعمال الأثرياء، أو ما يعرفون لدي الغرب باسم (الأوليغارشية الروسية).

اشترك هؤلاء في طابع شخصي وهو الرغبة في تجميع القوة والنفوذ، وهذا لم يكن أمرا يهم الغرب كثيرا، لا يهتم الغرب بحكام أي دولة أو المتنفذين فيها إلا إذا تضاربت مصالحه معهم. 

لكن هؤلاء كذلك كانوا مجموعة من الشباب حينما شاهدوا بلادهم (الاتحاد السوفيتي) يسقط سقوطا مدويا مطلع التسعينات، وجمعتهم المشاعر الوطنية الناقمة على الغرب وأمريكا خصوصا باعتبارها السبب الرئيسي عن تلك الكارثة، ورغبة عارمة في الإنتقام، إنهم صقور روسيا.

نتحدث عن أسماء مثل الملياردير فيكتور فيكسيلبيرغ، والملياردير يفغيني بريغوجين، الذي بدأ حياته كبائع نقانق ثم تحول إلي مالك سلسلة مطاعم شهيرة وحمل لقب (طباخ بوتين) كما اشتهر بنفوذ كبير في القارة الأفريقية حيث يعتقد أنه على صلة بقوات (فاغنر) الروسية التي تقوم بنشاطات عسكرية في عدة دول حول العالم.

لدينا كذلك الملياردير اراس اغالاروف الذي ظهر مع ترامب في عدة مناسبات وإليه يرجع كبير الفضل في تقوية اقتصاد روسيا بعد تضرره الكبير جراء سقوط الاتحاد السوفيتي.

يفغيني بريغوجين على اليمين يشرح للرئيس بوتين مصنع لإنتاج وجبات المدارس، Government of the Russian Federation، 
(CC BY 3.0) via Wikimedia commons. 


إنهم متهمون في الغرب حتى من قبل الغزو الروسي لأوكرانيا بأنهم فاسدون، موالين لبوتين.

ففي بحث للبروفيسور ستانيسلاف ماركوس، نشرته مجلة جامعة جورج تاون الأمريكية للشؤون الدولية، المجلد ١٨، العدد ٢ (صيف / خريف ٢٠١٧)، جاء أن نخبة الأوليغارشية الروسية تتلقي عائدات ضخمة بفضل الفساد الذي يسيطر على روسيا، ما يجعل أعضاء الأوليغارشية حريصين على بقاء نظام الرئيس بوتين.

وفي بحثه يقول البروفيسور ستانيسلاف أن هذا الفساد يعمل أيضا كقوة مزعزعة للاستقرار في روسيا (ذهب البعض أن المشكلات الفنية التي واجهها الجيش الروسي في أرض المعركة مثل تأخر إمدادات الوقود وتعطل معداته وإضطرار الجنود لتركها لتقع أسيرة أو ليدمرها الأوكرانيين، كان مثالا واضحا عن تأثر الجيش الروسي بفساد طبقة الأوليغارشية).

قوة هائلة:

لا يمكن لباحث أن ينكر مدى القوة والتأثير التي تمتلكها طبقة الأوليغارشية الروسية ، إنها طبقة النخبة في روسيا بلا شك.

وزارة الخزانة الأمريكية تصف طبقة الأوليغارشية الروسية بأنها تستفيد من قربها من الرئيس بوتين فيما وصفته (نهب الدولة الروسية، وإثراء أنفسهم ، ورفع أفراد عائلاتهم إلى بعض أعلى مناصب السلطة في البلاد على حساب الشعب الروسي). 

أكثر من هذا، لقد كانت الأوليغارشية الروسية محل اتهام من وسائل الإعلام الغربية بأنها كانت داعمة للرئيس الأمريكي السابق (دونالد ترامب)، كحال صحيفة (التايم) الشهيرة التي ربطت بين ترامب وبين الملياردير الروسي أوليغ ديريباسكا.

على أي حال، فبالفعل كان رجال الأعمال الروس من طبقة الأوليغارشيين، بمثابة النهر الدافق المياه الذي جرت فيه العلاقات الطيبة التي جمعت بين ترامب وبين بوتين، لدرجة اتهام الصحافة الغربية لترامب بأنه قد وصل للرئاسة بدعم من بوتين وأصدقاءه الأوليغارشيين، رجال الأعمال مثل ترامب نفسه. 

لدي هذه الطبقة ممثلين في كل المجالات وليس السياسة فحسب، فحتى في مجال الرياضة الأوروبية، هناك رومان أبراموفيتش، مالك نادي تشيلسي الإنجليزي الذي حقق دوري أبطال أوروبا وكأس العالم للأندية، إنه أحد أفراد الأوليغارشية الروسية. والذي أثرت عليه الحرب بشدة، واتخذ قرارا ببيع النادي الذي يملكه منذ سنوات طويلة.

بحسب المصادر الغربية، يعتبر أعضاء طبقة الأوليغارشية الروسية أصدقاء للرئيس بوتين، وهم جميعا يحرصون على تأييد سياساته، ليس فقط لأنه رأس نظام الحكم الذي يؤمن أعمالهم وثرواتهم. أيضًا فلقد كان لهم فيمن عارضه منهم من قبل مثالا، لقد انتقم بوتين من كل من عارضه، وأرسل الكثير منهم إلي السجن.

إنهم قديمون، لقد كانت طبقة الأوليغارشية تحكم روسيا حتى من قبل قدوم بوتين إلي سدة الحكم في آخر أيام العام ١٩٩٩، تعامل معهم بوتين وسمح لهم بالبقاء، ومكن صاعدين جدد من الإنضمام لهذه الطبقة المتحكمة، بشرط وحيد، لا أحد هنا يعارض الرئيس، وإلا سيسقط، سيسقط سريعا وبشكل مفاجئ.

رغم هذا، فلم تتوقف تقارير الصحافة الغربية التي كان في طياتها محاولات واضحة للعيان لتأليب هذه الطبقة ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كواحدة من محاولات الغرب المتتالية للتخلص من رجل روسيا القوي.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلن بدأ ما تسميه روسيا (العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا)، ٢٤ فبراير ٢٠٢٢، Presidential Executive Office of Russia، (CC BY 3.0) via Wikimedia commons. 


نجد في عام ٢٠١٤ على سبيل المثال ، أن الغرب حاول خلق ذرائع أو دوافع لسخط الأوليغارشية على بوتين، ففي هذا العام وحده، وكنتيجة لمزيج من أسعار النفط المنخفضة والعقوبات الغربية التي فرضت عليهم، خسر أغنى ٢٠ فردًا في روسيا ما مجموعه ٦٢ مليار دولار، انتظر الغرب أن تثور الأوليغارشية على بوتين.. لكن شيئا لم يحدث.

شيطنة الأوليغارشية الروسية:

الحقيقة أننا لاحظنا محاولة وسائل الإعلام الغربية شيطنة طبقة الأوليغارشية الروسية.. إذا صدقنا ما يقال عنهم فيها فهم أصل كل شر وأساس كل مصيبة في هذا العالم.

شبكة ان بي سي نيوز الأمريكية تنقل تصريحات عن سفير أمريكي سابق أنهم مجموعة من الأشخاص القريبين من "كي جي بي" الاستخبارات السوفيتية التي تفككت في ديسمبر ١٩٩١ مع سقوط الاتحاد السوفيتي!!!.

ومع افتراضنا صحة هذا الأمر، فلا يوجد ما يشين الشخص أو يعيبه أن يكون صديقا أو متعاونا مع جهاز مخابرات بلاده.

نفس السفير الأمريكي يتهم أعضاء الأوليغارشية الروسية بأن لديهم "تأثيرا كبيرا على السياسة في روسيا، وأنهم كانوا وراء قرار الغزو الروسي لأوكرانيا".

على النقيض من هذا نقرأ في صحيفة (الفايننشال تايمز) البريطانية العريقة، التي كتبت تقريرا تحت عنوان "الأوليغارشية الروسية عاجزة عن معارضة روسيا بخصوص غزو أوكرانيا".

العقوبات الأمريكية:

كان طبيعيا، أن تكون الخطوة التالية لشيطنة الأوليغارشية الروسية هي فرض عقوبات اقتصادية قوية على (حلفاء بوتين) كما أسمتهم الواشنطن بوست، والهدف هو تجميد ثروتهم الهائلة المقدرة بعشرات وربما مئات المليارات من الدولارات.

بحسب وكالة (بلومبيرغ) الأمريكية فإن الأوليغارشية الروسية خسرت ٨٣ مليار دولار أمريكي من ثرواتها منذ مطلع العام الجاري فحسب، ولاتزال الولايات المتحدة وحلفائها الغربيون تخطط لمصادرة اليخوت والطائرات والشقق الفاخرة الموجودة في هذه البلاد، والمملوكة لنخبة الأوليغارشية الروسية، على أمل تقويض موسكو.

من بين المستهدفين أيضًا بالعقوبات من أعضاء الأوليغارشية الروسية أحد نواب رئيس مجلس الوزراء الروسي، الذي يشغل في ذات الوقت مديرا تنفيذيا لأحد مناجم الماس.

في النهاية فلا دليل أكبر على مدى قوة طبقة الأوليغارشية الروسية، وعلى إدراك الغرب أنهم سيؤلمون روسيا كدولة ويؤثرون على قرارها السياسي، من تحذير الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي وجهه لهم في خطابه عن حالة الاتحاد مساء الثلاثاء ١ مارس، من أن وضعهم المالي سيزداد سوءاً مع ارتفاع مستوى العقوبات على روسيا.

وبينما تسخر وسائل الإعلام الغربية من الأوليغارشيون الروس وتتهمهم بأنهم يحاولون إثبات أنهم ليسوا قريبين من بوتين، فإن بوتين نفسه حاول جمع رجاله من حوله، دعاهم إلي قاعة سانت كاترين المزخرفة في الكرملين، لمناقشة كيف سيتحملون آثار العقوبات الاقتصادية الغربية. 

فهل تصمد الأوليغارشية الروسية والتي تمتلك الكثير من الأموال، العقارات، الاستثمارات، والتعاملات الدولية أمام عقوبات الغرب؟.. ام ستتفكك كما تفكك الاتحاد السوفيتي ذات يوم، ام تكون طبقة أصدقاء بوتين هي ذاتها حصان طروادة التي ينفذ منها الغرب إلي دوائر صنع القرار الروسي، مجبرة موسكو على التراجع. 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -