زدني معرفة

بئر رومة.. قصة صحابي اشتري الجنة ببئر ما زال ينبع منذ ١٤٠٠ عام

بئر رومة.. اسم لبئر ارتبط بتاريخ الإسلام وهجرة المسلمين إلى المدينة المنورة، و بالوعد الذي وعده رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم لأصحابه بأن من اشتراها دخل الجنة.

صورة لمنطقة بئر رومة حاليا. 


إنه البئر الذي اشتراه عثمان بن عفان -رضي ﷲ عنه- ولا يزال ينبع بالمياه منذ ١٤٠٠، فما قصة بئر رومة الذي اصبح اليوم (مزرعة وبئر عثمان بن عفان)؟ ولماذا اكتسب كل تلك الأهمية؟.


قصة بئر رومة:


تخيلوا الآن أننا في مدينة رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم (يثرب) التي أصبحت المدينة المنورة بعد هجرته الشريفة إليها. وبالتحديد قبل أربعة عشر قرنا من الزمان.


المهاجرين من المسلمين القادمين إلى المدينة المنورة يحتاجون إلى المزيد من الموارد لكي تكفيهم، وعلى رأس تلك الموارد وأهمها (الماء) أصل وسر الحياة.


والماء في المدينة المنورة موجود، لكنه ليس متاحا للجميع.


إذ يضطر المسلمون اضطرارا لشرائها من أحد يهود المدينة، والذي يمتلك بئرا تفيض بالماء العذب هي (بئر رومة) والواقعة شمال غربي المسجد النبوي وبالتحديد في منطقة (العقيق الأصغر) على بعد نحو خمسة كيلو مترات من المسجد.


أهمية شراء المسلمين بئر رومة:


في تلك الظروف، أصبح من الواضح أن شراء بئر رومة، هو أحد أهم الأشياء التي ينبغي على المسلمين فعلها، ويمكن أن نحدد أهم أسباب ذلك في:


أولا: امتلاك بئر رومة سيوفر على المسلمين المبالغ الكبيرة التي يدفعونها يوميا لصاحبها اليهودي، أو ما يدفعونه إليه من طعام مقابل الماء.

ثانيا: أن في المسلمين من هم فقراء، ولا يستطيعون دفع ثمن الماء أو استبداله بالطعام، وهو الأمر الذي يشق عليهم حياتهم جدا، تخيل مثلا عزيزي القارئ أن تستيقظ كل صباح وأنت تفكر كيف ستوفر ثمن شربة الماء لنفسك ولأهلك.

ثالثا: هناك أهمية إستراتيجية تتمثل في أن امتلاك بئر رومة، سينقل ملكية أحد أهم مصادر المياه في المدينة المنورة من يد اليهود إلي يد المسلمين، وذلك يضمن للمسلمين أن اليهود لن يستغلوه ضدهم ذات يوم.

رابعا: أن امتلاك بئر رومة، لن يمكن المسلمين من استغلال مائه للشرب فحسب، بل سيمكنهم أيضا من زراعة مساحة كبيرة من الأرض، توفر لهم الطعام اللازم لمعيشتهم، وهو ما يعرف في يومنا هذا باسم (الأمن الغذائي).

خامسا: أن بئر رومة كان هو البئر الوحيد في المدينة الذي لا تجف المياه فيه.


حث رسول ﷲ للمسلمين على شراء بئر رومة:

شخص يعاين غرفة بجانب البئر، صورة من جريدة الأنباء الكويتية. 


كان شراء بئر رومة واحدة من الأمنيات لدى رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم الذي كان يدرك ويعرف معاناة الفقراء من أصحابه وتابعيه.


وكان صلى ﷲ عليه وسلم يعلم أيضا أن من بين أصحابه من هم أهل يسار وثروة، كأبو بكر الصديق و عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف و طلحة بن عبيد ﷲ و الزبير بن العوام، وغيرهم -رضي ﷲ عنهم أجمعين-.


لكن المصطفى صلى ﷲ عليه وسلم، كان واضحا منذ البداية بأن اشترط في دعوته لشراء بئر رومة على من يشتريها أنها ستكون ملك لكافة المسلمين، ففي حديث رواه عثمان بن عفان، قال صلى ﷲ عليه وسلم: (مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ).


والدلو هو وعاء يستخدم في وضع الماء، ومعني الحديث أن دلو من سيشتري بئر رومة سيكون كدلو أي مسلم آخر، فلا يسبقه ولا يتميز عليه لأنه اشتراه.


حينها، حث رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم أصحابه على شراء بئر رومة، ووعد أن من يشتريها ويهبها للمسلمين، فإن له الجنة.


يقول ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية) "بئر رومة: بضم الراء: بئر بالمدينة اشتراها عثمان رضي ﷲ عنه وسبلها: أي جعلها وقفا".


صفقة شراء بئر رومة:


والحقيقة أن صفقة شراء بئر رومة من صاحبها اليهودي لم تكن سهلة ميسرة، بل إن صاحبها كان يجني من شراء الماء منها الكثير من المال أو الطعام ما يغنيه، ويوفر له دخلا مستمرا، بخلاف ضمان سيطرته على البئر ذاته، لذا فلقد رفض في البداية أن يبيع البئر من الأساس.


وفي صفقات البيع والشراء، فإنك عندما تذهب لشراء شيء من شخص غني، وهو لا يريد بيعه، بل إنه يدر عليه الدخل المستمر، فإنك ستكون مضطرا لعرض ثمنا باهظا عليه قد يزيد بمراحل عن السعر الحقيقي للشيء المباع، وهو ما فعله عثمان بن عفان -رضي ﷲ عنه- بالفعل.


في ذلك الوقت، خطرت على ذهن ذو النورين، وهو رجل الأعمال بمسمي عصرنا هذا فكرة قد تغري اليهودي، مفادها أن يشتري منه نصف البئر، فيكون له يوما ولليهودي يوما، ويأخذ كل منهما أي كمية يريدها من الماء في يومه، فوافق اليهودي على هذا العرض بمبلغ فلكي في هذا العصر وهو ١٢ ألف درهم.


والحقيقة أيضًا أنها كانت صفقة رائعة من سيدنا عثمان بن عفان الذي وفر للمسلمين حاجاتهم من الماء، فكانوا يذهبون في يوم سيدنا عثمان ويأخذون من الماء ما يكفيهم ليومين، فيصبح اليهودي في يومه ولا يجد من يشتري منه الماء، وسرعان ما اكتشف أن البئر قد فقد قيمته السابقة.


حينها ، لم يجد اليهودي حلا أفضل من أن يبيع كامل البئر لعثمان بن عفان -رضي ﷲ عنه-، فباع له النصف الآخر بثمانية آلاف درهم، فكانت قيمة الصفقة الإجمالية ٢٠ ألف درهم، اشتري بها عثمان بن عفان ليس بئر رومة فحسب، بل اشتري الجنة ذاتها، فربح البيع، ووهب ذو النورين بئر رومة للمسلمين فأصبحت وقفا لهم حتى يومنا هذا.


لوحة بها بعض المعلومات عن بئر رومة (بئر عثمان بن عفان الآن) موضوعة على مدخل منطقة البئر حاليا. 


هناك رواية أخرى وردت في سنن الترمذي عن بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه أنه لما جاء المهاجرون إلى المدينة لم يستسيغوا طعم الماء فيها، إلا ينبوع ماء كان ينبع من الأرض ويجري، وكان يسمي (رومة).


ووفقا للرواية الواردة في سنن الترمذي أن صاحبها كان مسلما من بني غفار، فقال له النبي صلى ﷲ عليه وسلم: تبيعنيها بعين في الجنة؟، فقال الرجل: يا رسول ﷲ ليس لي ولا لعيالي غيرها.


وقد بلغ ذلك عثمان رضي ﷲ عنه، فاشتراها من الرجل بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي صلى ﷲ عليه وسلم فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ "يطلب أن يكون له الجنة كما عرض رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم على صاحبها الأول"، قال: نعم، قال عثمان: قد جعلتها للمسلمين). 


ولم يكن شراء عثمان بن عفان -رضي ﷲ عنه- لبئر رومة أمرا مستغربا على أحد أثرياء المسلمين، الذي كثيرا ما وهب ثروته لخدمة الدين، وكانت واقعة شراءه بئر رومة، وواقعة تجهيزه (جيش العسرة) الذي خاض غزوة تبوك، والتي كانت آخر غزوة شارك فيها النبي صلى ﷲ عليه وسلم قبل وفاته، من أبرز الوقائع التي بذل فيها ذو النورين ماله لتلبية نداء ﷲ ورسوله، حتى قال صلى ﷲ عليه وسلم بعدما جهز جيش العسرة: (ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم).


وقد سمي عثمان بن عفان بذي النورين لأنه تزوج رضي ﷲ عنه من ابنتي رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم (السيدة أم كلثوم، السيدة رقية -رضي ﷲ عنهما) قبل تحريم الجمع بين الاختين.


وورد في الأخبار أنه عندما حاصر الخوارج منزل عثمان بن عفان -رضي ﷲ عنه- عندما كان خليفة قبل أن يقتلوه، ذكرهم بقصة بئر رومة، لكن الخوارج كما هم في كل عصر وحين لهم قلوب كالحجارة، وآذان لا تسمع، وعيون لا تبصر.


فعن ثمامة بن حزن القشيري قال: ( شهدتُ الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: (أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة؟ فقال: من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي فجعلتُ دَلوي فيها مع دِلاءِ المُسلمين) رواه النسائي وصححه الألباني.


بئر رومة في وقتنا الحالي:


هل تعلمون ما هي البركة؟ إنها تلك المنحة الإلهية التي تكثر الشيء وتنميه، فتجد الطعام يكفي ولو قل، وتجد البيت عامرا سنوات متتالية جتى وإن قل المال فيه، وتجد ولدا بارك ﷲ لأبويه فيه بعلم وبر.. هذه هي البركة.


وقد حلت البركة من ﷲ -عز وجل- على بئر رومة فلا يزال ينبع حتى يومنا هذا، ولا يزال وقفا حتى يومنا هذا مسجلا باسم عثمان بن عفان -رضي ﷲ عنه-، يأخذ منه الثواب والأجر بعد أكثر من ١٤ قرنا على وقفه بئر رومة للمسلمين.


بئر رومة والواقعة الآن في (حي الأزهري)، لا تزال حتى يومنا هذا تسقي أهل المدينة المنورة، وشجرها ونخيلها، ببركة من ﷲ أودعها فيها، لأن العمل كان لوجهه الكريم، وطلبا لرضاه، فعندما يحسن الشخص عمله، ونيته قبل العمل، يبارك ﷲ فيه. 


البئر في يومنا هذا قد استأجرته وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية من وزارة الأوقاف، وقامت بزراعة المنطقة المحيطة به بالنخيل حتى بلغ عدد أشجار النخيل المزروعة والمروية بماء بئر رومة أكثر من ١٥،٥٠٠ نخلة على مساحة ما يقرب من ١٠٠ ألف متر، ولأن البئر وقف باسم الصحابي الجليل عثمان بن عفان، فإن ثمار النخيل توزع على الفقراء والمحتاجين.


هذا، ويقدر عمق البئر بحوالي ٣٧ متراً، في حين قطرها يصل إلى ٤ أمتار تقريباً، ويبلغ مستوى الماء ٢٩ متراً تقريباً، وقد اغلقت فتحته الأصلية ويستفاد حاليا من مياهه عبر فتحة أخرى، وهو مطوي حاليا بالحجارة، ونزعت منه في عام ١٤٣٨ه‍‍ مضخة قديمة كانت تضخ منه الماء.


وهناك مطالبات حالية بفتح موقع البئر لمن أراد من الناس زيارته وبذل المزيد من الجهد لتنميته والاستفادة منه.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -