زدني معرفة

سر الاشتباكات المميتة بين مقاتلات اف-١٤ الإيرانية و طائرات أمريكية بدون طيار

يبدو أن إيران تعتقد حاليا أن الطائرات الغامضة التي رصدوها، ما هي إلا طائرات تجسس بدون طيار تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA، تتجسس على منشآتها النووية التي تحميها مقاتلاتها من طراز اف-١٤ F-14 Tomcat.

تشكيل من ثلاثة مقاتلات إيرانية طراز اف-١٤ F-14 Tomcat يحلق بالقرب من العاصمة طهران، Shahram Sharifi، GNU Free Documentation License, Version 1.2،via Wikimedia commons


أصل القصة يعود إلي العام ٢٠٠٤، حينما شكلت إيران (فرقة عمل) من أجل حماية المنشآت النووية.


الفريق:


تألفت هذه الفرقة من ثمانية مقاتلات F-4E فانتوم، وثمانية مقاتلات اف-١٤ F-14.


وضمت لهم طائرة بوينغ-٧٠٧ كانت تعمل سابقا في الخطوط الجوية الإيرانية، وطائرة شحن طراز سي-١٣٠ C-130، وزودت هاتين الطائرتين بأجهزة رصد واستشعار ومعدات اتصال، لتقوما بمهمة القيادة والسيطرة لفرقة العمل.


خلال تنفيذ فرقة العمل لمهامها بالطيران فوق المنشآت النووية لتوفير الحماية الدائمة لها، واجه الطيارين الإيرانيين ما اعتقدوا أنها طائرات بدون طيار UAV تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA ، وأبلغ الطيارين أنها ذات "خصائص طيران مذهلة".


أجسام غريبة تطير وكأنها مركبات للفضائيين، ووفقا لمجلة فوربس الأمريكية الشهيرة، فعلي ما يبدو فإن المقاتلات الإيرانية حاولت إسقاط الطائرات التي بدت وكأنها لا تنتمي لكوكب الأرض... لن يمضي الكثير من الوقت حتى يكتشف الإيرانيين أن ما شاهده طياريهم لم تكن سوي طائرات أمريكية.


ستبدأ من ذلك الوقت سلسلة مثيرة من المطاردات بين الفريق الإيراني الذي يقود طائرات كلها صنعت في أمريكا ذات يوم، وبين طائرات التجسس الأمريكية بدون طيار التي تحلق فوق منشآت إيران النووية.


لكن أولا وقبل كل شيء.. كيف وصلت المقاتلات الأمريكية ومنها اف-١٤ التي وصفت ذات يوم بأنها (أقوى مقاتلة اعتراضية في التاريخ) إلي يد إيران من الأصل؟.


مقاتلات القط:


دفع الإيرانيين في تلك المطاردات والاشتباكات مع الأمريكيين بمقاتلاتهم طراز اف-١٤ F-14 Tomcat، إنها في الأصل واحدة من أشهر المقاتلات الأمريكية علي مدار أربع عقود، كانت إيران قد حصلت علي ٨٠ مقاتلة من هذا الطراز في عهد حكم الشاه (محمد رضا بهلوي) حليف أمريكا الوثيق الذي قامت ضده الثورة الإيرانية، لتنهي حكمه وتتحول إيران أرض الإمبراطوريات والممالك الكبرى إلي جمهورية لأول مرة في التاريخ.


لم يكن لجوء الشاه بهلوي إلي العاصمة المصرية القاهرة بعد رفض عدة دول لاستقباله، ثم وفاته بها سريعا في ٢٧ تموز/يوليو ١٩٨٠ جراء اصابته بسرطان الغدد اللمفوية، إلا بداية لفصل جديد في قصة الاف-١٤ أو القط كما كان يقلبها الأمريكيين، فصل تحولت فيه مقاتلات صنعت في الولايات المتحدة إلي عدو لها.


فبرغم محاولات الطيارين الإيرانيين إبعاد السوفييت عنها، إلا أن النظام الثوري الجديد في إيران حينها بقيادة مرشدهم الأعلى آية ﷲ ( روح ﷲ الخميني ) ، سمح للخبراء السوفييت بالإطلاع عليها بل وإرسال عدد منها للاتحاد السوفيتي بشكل مؤقت لتجريبها وإجراء التقييمات عليها، وخصوصا إدخالها اشتباكات تدريبية في عدة سيناريوهات مع مقاتلات السوفييت.


كانت تلك فرصة للسوفييت في نهايات الحرب الباردة، خصوصا أن إيران هي الدولة الوحيدة التي امتلكت مقاتلات اف-١٤ ذات المحركين القويين، بجانب الولايات المتحدة بالطبع.


طائرة فانتوم إيرانية مدمرة علي الأرض عقب هجوم عراقي جوي على مطار مهر أباد في ٢٢ سبتمبر ١٩٨٠، أول أيام الحرب أراد العراقيين فيه تدمير سلاح الجو الإيراني على الأرض لضمان ربحها سريعا، لكن ضربتهم لم تكن مؤثرة، لتشتعل حربا ستستمر حتى ٢٠ أغسطس ١٩٨٨، لتنهك البلدين، وعندما وضعت أوزارها، كانت قد بذرت بذور الدمار والحروب لسنين قادمة في الشرق الأوسط، خبرگذاری تسنیم، via Wikimedia commons. 


ومن ناحية الإيرانيين، كانوا يريدون تقديم شيئا مغريا للسوفييت ليحصلوا منهم في المقابل علي أسلحة متطورة بكميات كبيرة خلال حرب الخليج الأولى التي كانت تستعر حينها بينهم وبين العراقيين بقيادة صدام حسين، خصوصا أن العراقيين كانوا يستعدون لشن هجوما كبيرا في شتاء ١٩٨٥ / ١٩٨٦.


خلال الحرب، زود السوفييت الطرفين بالسلاح، واستفادوا من أموال العراقيين والإيرانيين معا، وقدموا لطهران بالتحديد ذخائر متنوعة، و الأسلحة الصغيرة، و معدات الاتصالات، و المدفعية الثقيلة، و قاذفات الصواريخ، و الدبابات، و صواريخ أرض-أرض التي مكنت إيران من ضرب أهداف استراتيجية عراقية ، مما أدى إلى تصعيد الحرب.


في ذلك الوقت لم يبدى الأمريكيين انزعاجا كبيرا منا حدث، معتبرين أن تكنولوجيا المقاتلة معروفة أصلا، وأن الاتحاد السوفيتي لديه مقاتلة شبيهة هي ميج-٢٥ mig-25 Foxbat منذ عام ١٩٧٢.


بإمكانياتها القوية وخصوصا الرادار الجبار وصواريخها بعيدة المدى للقتال خلف مجال الرؤية BVR، شكلت الاف-١٤ F-14 Tomcat رأس حربة إيران جوا في الحرب ضد العراق، ونجح طياريها المدربين جيدا علي يد الأمريكيين قبل الثورة باستخدام صاروخ فينكس AIM-54 Phoenix البعيد المدى والثقيل الوزن والهائل السرعة في إسقاط الطائرات العراقية، بينما لم تتمكن أي طائرة إيرانية أخرى من أي نوع آخر في تحقيق قتل بعيد المدى خلال الحرب.


مطاردات في سماء إيران:


في شهر أكتوبر / تشرين الأول عام ٢٠١٣، نشرت مجلة الطيران العسكري المرموقة (Combat Aircraft Monthly) مقالا بقلم (باباك تغفائي)، الخبير الإستراتيجي الإيراني المعارض لنظام الحكم في طهران، كان تغفائي من أوائل من كتبوا عن الاشتباكات الجوية التي دارت حينها في سماء إيران.


كتب تغفاني أن الإيرانيين أطلقوا علي الطائرات الدخيلة اسم (الأجسام المضيئة) اعتقادا منهم أن هذه الطائرات كانت تبعث الأضواء لتتمكن من التصوير الليلي في رحلتها نحو استكشاف البرنامج النووي الإيراني الذي تشتبه أمريكا في كونه يهدف إلي إنتاج الأسلحة النووية.


لكن مقال السيد تغفاني ذكر بعض القدرات الخارقة حقا للطائرات الأمريكية بدون طيار ، إمكانيات لم تدعي أمريكا نفسها أن طائراتها تلك تمتلكها، بل لا توجد أي طائرة بدون طيار تملكها أي دولة فى العالم تملك هذه المواصفات، ما قد يقدح في مصداقية المقال، أو إنها قدرات حقيقية بالفعل يحاول الأمريكيين اخفائها عن العلن، ولا تظهر إلا عند قيام طائراتهم بمهامها فعلا.


إذ كتب يقول أنه وفقًا لمصادر إيرانية تحدثت إليه، فلقد أظهرت طائرات المخابرات الأمريكية بدون طيار خصائص طيران مذهلة، بما في ذلك القدرة على الطيران خارج الغلاف الجوي، ووصلت إلى سرعة طيران قصوى بلغت ١٠ ماخ (١٠ أضعاف سرعة الصوت)، كما كانت قادرة علي البقاء ثابتة في الجو بلا حراك، بسرعة الصفر.


الطائرات الأمريكية بدون طيار UAV، أبدت القدرة على التحليق فوق الهدف الذي تريد استطلاعه. وأخيرًا استخدمت هذه الطائرات بدون طيار قدرات ECM قوية يمكنها التشويش علي رادارات ومعدات العدو باستخدام مستويات عالية جدًا من الطاقة المغناطيسية (نبضات الطاقة الكهرومغناطيسية)، مما يؤدي إلى تعطيل أنظمة الملاحة بل وكل الأجهزة الكهربائية والإلكترونية إذ تتسبب في حرق دائرة عملها.


وبرغم قدم عمر طائرات اف-١٤ F-14 Tomcat الإيرانية الذي يطرح الشك في قدرتها على مطاردة تلك الطائرات المتطورة، فإن الإيرانيين يحاولون بشكل دائم تطويرها والحفاظ على أكبر عدد ممكن منها صالحا للطيران.


وفي تحد للحظر الذي تفرضه الحكومة الأمريكية، فإن الإيرانيين مستعدين تماما ليجوبوا العالم بحثا عن أي قطع غيار قد تصلح لها أو تكون قد تسربت من هنا أو هناك أثناء نشر أمريكا تلك المقاتلات قبل أن تحيلها للتقاعد في ٢٢ سبتمبر ٢٠٠٦.


حشد من المسؤولين العسكريين والمدنيين الإيرانيين يقفون في عرض أقامه الحرس الثوري الإيراني للطائرة الأمريكية بدون طيار طراز RQ-170 عالية التطور والتي نجح في إنزالها بشكل سليم، ١١ مايو ٢٠١٤، Fars News Agency، via Wikimedia commons. 


تقدر عدد طائرات اف-١٤ F-14 Tomcat الإيرانية الصالحة للطيران حاليا بنحو ٤٠ مقاتلة. مهمتها الرئيسية هي الدفاع عن المنشآت النووية.


(باباك تغفائي)، الخبير الإستراتيجي الإيراني وصف في مقاله إفادة أحد طياري الاف-١٤ الإيرانيين الذي نفذ اعتراضا لإحدى الطائرات الأمريكية بدون طيار في نوفمبر ٢٠٠٤ فوق منشأة آراك النووية.


الطيار الإيراني قال أنه حاول توجيه رادار مقاتلته نحو الجسم المضيء، وبرغم أن ذلك يعتبر خطوة أساسية لاسقاط الطائرة المعادية، إذ سيعتمد الصاروخ علي توجيه الرادار له نحو الطائرة المعادية، فإن الطيار قال أن هدفه لم يكن الإسقاط بل كان مضايقة عمل الطائرة بدون طيار.


وصف الطيار جسم الطائرة التي شاهدها بأنه كروي، مع وجود ما يشبه الحارق الأخضر اللاحق الذي يخلق قدرًا كبيرًا من الاضطراب خلفه (الحارق اللاحق هو جزء من المحركات التي تستطيع تخطي سرعة الصوت)، وأن الطائرة الدخيلة عندما شعرت بوجوده زادت من سرعتها و اختفت مثل النيزك.


أحد التحليلات هنا يتحدث عن أن الطائرة الأمريكية بدون طيار كانت تملك تقنية تشويش عالية القدرات، فقامت بالتشويش علي رادار المقاتلة المنتمي لحقبة السبعينيات، ما جعله يعطي الطيار بيانات غير منطقية.


لكن حكاية مطاردات الاف-١٤ والطائرات بدون طيار اتخذت منعطفا مميتا في يناير ٢٠١٢، حينما دفع الإيرانيين بواحدة من مقاتلاتهم لاعتراض طائرة بدون طيار دخيلة كانت باتجاه محطة بوشهر للطاقة النووية. بعد ثوانٍ من الإقلاع ، انفجرت الطائرة F-14 ، مما أسفر عن مقتل فردي الطاقم. لم يتم تحديد سبب المأساة ، وهل كانت نتيجة عيب فني في الطائرة العتيقة التي تحلق بقطع غيار مهربة، ام أن الطائرات الأمريكية بدون طيار أصبحت تمتلك القدرة على القتال الجوي.


الإسقاطات الإيرانية المؤكدة:


في الاشتباكات الجوية ليس من الضروري حدوث إسقاط للطائرات المعادية.


هناك عدة تكتيكات تسبق ذلك، بداية من التحدث علي موجة الطيران الدولية لتحذير الطيار إن كانت الطائرة مأهولة، مرورا بالاقتراب بشكل خطر لإجبار الطائرة المعادية علي الإبتعاد، وحتى إطلاق النيران التحذيرية، بعد كل ذلك يمكن إسقاط الطائرة المعادية.


ولا ننسي بالطبع وجود (اعتبارات سياسية).. فإسقاط طائرة أمريكية هو قرار جد خطير، قد تحجم عنه الكثير من دول العالم اتقاء لرد الفعل الأمريكي.


برغم ذلك فهناك إسقاطات إيرانية للطائرات الأمريكية بدون طيار، بعضها مؤكد، بل ومعلن... لكنها جميعها تمت بواسطة صواريخ الدفاع الجوي وليس المقاتلات.


في الرابع من ديسمبر عام ٢٠١١ ، أعلن مصدر عسكري إيراني أن وحدات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية الإيرانية أسقطت طائرة أمريكية بدون طيار شرقي البلاد، مضيفا أن الطائرة سقطت في حوزة القوات الإيرانية في حالة جيدة ولم تتعرض إلا لبعض الأضرار الطفيفة... اتضح فيما بعد أن الطائرة الأمريكية التي سقطت كانت من نوع آر كيو-١٧٠ RQ-170.


الأمريكيين حينها قالوا أن الطائرة كانت ضمن قوات التحالف الدولي الذي كان تحت قيادتهم حينها في أفغانستان قبل الإنسحاب السريع والفجائي منها، بعد دخول طالبان لكابل في منتصف أغسطس ٢٠٢١. وأن طاقم التشغيل فقد حينها السيطرة عليها، وانتهي الأمر بسقوطها في إيران الجارة لأفغانستان.


كانت إيران قد أعلنت في يناير / كانون الثاني من نفس العام ٢٠١١، أنها أسقطت طائرتين أمريكتين بدون طيار، وعلى ما يبدو لم يغير الإيرانيين من عاداتهم وتحالفهم القديم مع ورثة الاتحاد السوفيتي من الروس هذه المرة، إذ أعلنوا أنهم سيعرضوا الطائرتين علي الخبراء الروس.


احتجنا عدة أعوام تالية قبل أن يعلن الأمريكيين هذه المرة أن إيران قد أسقطت طائرة بدون طيار بواسطة صاروخ (أرض - جو) فوق مضيق هرمز من طراز تريتون إم كيو-4 سي تابعة للبحرية الأمريكية، وذلك في يونيو / حزيران ٢٠١٩.


الجيش الأمريكي وصف حينها ذلك الإسقاط بأنه (غير مبرر) كونه قد تم في "الأجواء الدولية" ، ووصف مقولة الإيرانيين أنهم اسقطوها في المجال الجوي الإيراني بالكذب.


يومها، خرج الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب ليقول: (لقد ارتكبت إيران خطأ كبيرا).

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -