زدني معرفة

القضية ٣٠٠٠.. التحقيق مع نتنياهو بتهم الفساد في صفقة الغواصات مع ألمانيا

تقدم وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس باقتراح رسمي للحكومة ببدأ تحقيق رسمي في صفقة يلفها الغموض، حصلت إسرائيل من خلالها علي غواصات ألمانية متطورة منذ عدة سنوات، وذلك في فترة رئاسة بنيامين نتنياهو لمجلس وزراء الكيان الصهيوني.

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يمسك بمنظار الغواصة Rahav من فئة غواصات دولفين الألمانية التي كان يعتبر صفقة الحصول عليها أحد أهم إنجازاته، لكنها علي ما يبدو قد تكون اسوء نهاية لحياته السياسية، صورة عند وصول الغواصة لميناء حيفا، يظهر من خلفه قائد البحرية الإسرائيلية حينها رام روثبرج، (Kobi Gideon/GPO). 


بذلك الاقتراح، يعيد بيني غانتس رسميا فتح ملف القضية رقم ٣٠٠٠، رقم القضية الشهيرة التي قد تدين صاحب أطول مدة كرئيس وزراء إسرائيل في تاريخها منذ قامت بالقوة علي أرض فلسطين في مايو ١٩٤٨.


فساد في صفقة الغواصات:


سيتم إذن أخذ الأصوات علي بدء التحقيق الرسمي في صفقة شراء غواصات من شركة بناء السفن الألمانية تيسين كروب Thyssenkrupp، لكن بدأ التحقيقات فعليا سيأخذ مزيدا من الوقت.


ستنتظر الحكومة الإسرائيلية المشكلة من ائتلاف واسع الطيف ضم أحزاب مختلفة الاجندات والاتجاهات السياسية، حتى تقوم بإقرار ميزانية العام الجديد، ومن بعدها يتم بدأ التحقيق، خشية من أن تهدد إجراءاته ونتائجه علي استمرار الائتلاف الحاكم.


بيني غانتس قال عبر حسابه على تويتر إن لجنة تحقيق وطنية، ستتشكل للتحقيق بشأن شراء إسرائيل غواصات من طراز دولفين Dolphin-class، وسفن أخرى وصواريخ بحرية من شركة ألمانية بين عامي ٢٠٠٧ و ٢٠١٩.


إذا عدنا إلي مطلع شهر أكتوبر الماضي، سنجد أن وزير العدل الإسرائيلي (جدعون ساعر) قال إنه سيوافق على تشكيل لجنة تحقيق رسمية في "قضية الغواصات".


الفضيحة التي تسمي في إسرائيل بالقضية رقم ٣٠٠٠، تدور حول مزاعم واتهامات بوجود مخطط ضخم من الرشاوي التي دفعت لإبرام صفقة قدرت بمليارات الشيكل (العملة الإسرائيلية، ويعادل الدولار أمريكي ٣،١٣ شيكل، وقدرت قيمة الصفقة الإجمالية بحوالى ملياري دولار أمريكي) مع شركة بناء السفن الألمانية تيسين كروب Thyssenkrupp، إحدى أهم شركات صناعة الغواصات الديزل عالميا.


في أوقات سابقة، وجهت بالفعل لوائح اتهام إلي العديد من المسؤولين الإسرائيليين الذين شاركوا في إبرام الصفقة، ومن بينهم عددا من أقرب المقربين من رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، لكن نتنياهو نجا في المرات السابقة، ولم يتم توجيه اتهام مباشر إليه.


كما أنه جدير بالذكر أن ابن عم نتنياهو شغل منصب ممثل شركة تيسين كروب الألمانية في إسرائيل.


التخلص من نتنياهو:


ياتي طلب التحقيق الذي تقدم به وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس ، مدعوما من عدد من كبار الوزراء في الحكومة الحالية، بهدف التخلص النهائي سياسيا من بنيامين نتنياهو، وإلحاق العار به.


الطلب الذي تم تقديمه بالفعل إلي سكرتير مجلس الوزراء، لم يتضح بعد موقف رئيس الوزراء نفتالي بينيت منه، برغم أن بينيت سيكون من أكثر الناس سعادة، إذا ما ثبت تورط سابقه في الرشوة.


لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فنجاة نتنياهو من الاتهام سيعني عودته أشد قوة في اي انتخابات مقبلة، رافعا أسهمه ضد جميع منافسيه.


مثل بنيامين نتنياهو، جاء بيني غانتس من صفوف الجيش الإسرائيلي إلي أروقة الحياة السياسية، ويبدو أنه يريد افتراس هدفه في فرصة مثالية استطلعها كثيرا، صورة له خلال رئاسته أركان جيش الاحتلال وهو يستطلع سوريا من فوق مرتفعات الجولان المحتلة، مارس ٢٠١٢، Israeli Defence Forces Spokesperson's Unit، Wikimedia commons. 


لكن بيني غانتس هو أشد المتحمسين لإجراء التحقيق، في الأصل ليست هذه محاولته الأولى، فلقد سبق للرجل الطامح في الجلوس يوما ما علي عرش إسرائيل، أن حاول مرتين فتح أوراق القضية ٣٠٠٠.


علي عكس المحاولتين السابقتين، يبدو أن الحكومة الائتلافية قد تدفع وزير دفاعها للمضي قدما هذه المرة، من المتوقع أن توافق الحكومة على الاقتراح بإجراء التحقيق، لكن سيتعين عليها أولا أن توافق علي الميزانية التي ستطرح عليها الأسبوع الجاري، وتهدف من الموافقة علي الميزانية أولا، تحقيق الاستقرار السياسي للحكومة، ومنع المشاجرات الحزبية المتوقع حدوثها من أن تهدد بشكل مباشر استمرارها كحكومة.


الفارق الرئيسي لصالح غانتس هذه المرة، إنها المرة الأولى التي سيطرح فيها إقتراحه بدون أن يكون نتنياهو نفسه هو رئيس الوزراء، ففي ظل رئاسة نتنياهو لمجلس الوزراء كان دوما قادرا علي عرقلة اقتراحات بيني غانتس.


في تغريدته علي تويتر، كتب بيني غانتس يقول: ((لقد قدمت إلى سكرتير مجلس الوزراء اقتراحًا بتشكيل لجنة تحقيق حكومية في شراء الغواصات والسفن البحرية. إن تشكيل اللجنة أمر بالغ الأهمية لمؤسسة الدفاع ودولة إسرائيل، إذا لم نكشف الحقيقة، فلن نتمكن من تعلم الدروس للمستقبل)).


فضيحة الفساد في صفقة الغواصات دولفين Dolphin-class الألمانية لإسرائيل وصلت أصدائها إلي ألمانيا أيضا ، إذ باشرت السلطات القضائية في ألمانيا عام ٢٠١٩ التحقيق حول وجود رشاوي تتعلق بالصفقة.


ودعما لقرار وزير الدفاع، وصف وزير الخارجية ورئيس الوزراء المناوب يائير لبيد "قضية الغواصة" بـ "أخطر فضيحة أمنية في تاريخ الدولة". كما أيد التحقيق وزير المالية (أفيغدور ليبرمان)، وكلاهما وقعا على اقتراح غانتس لإجراء التحقيق.


أسلوب جديد للتحقيقات:


من المقرر فيما يتعلق بلجنة التحقيق المزمع التصويت عليها أن تتخذ منهجا جديدا في تحقيقاتها يركز علي فحص ما إذا كانت حكومة نتنياهو قد تعاملت مع الصفقة بشكل صحيح ام لا.


تأتي هذه الصفقة برغم أن إسرائيل بموجبها تمكنت من الحصول علي غواصات دولفين Dolphin-class عالية القدرة على التخفي، كما يمكن تزويدها بصواريخ تستطيع ضرب أهداف برية، بل يمكن أن تركب (رؤوس نووية) علي تلك الصواريخ، ما يعني إمتلاكها قدرة إستراتيجية علي ضرب أهداف بصواريخ نووية تنطلق من غواصات في عمق البحر.


ستدرس لجنة التحقيق هل كانت التفاصيل التي اتفق عليها نتنياهو مع الألمان بدون علم وزير الدفاع ورئيس الأركان حينها كانت صحيحة ام لا.. كما ستدرس سؤالا آخر يدور حول ما إذا كانت هذه الغواصات من طراز (دولفين) Dolphin-class ضرورية للأمن الإسرائيلي.


نتنياهو، ومناصريه سياسيا أو شعبيا، يدعون أن مثل هذا التحقيق له (أهداف سياسية) ، لكن بيني غانتس يرفض بشدة هذه الادعاءات.


كما تجدر الإشارة هنا إلي أن نتنياهو يخضع حاليا للمحاكمة فعليا في قضايا مختلفة تتعلق بالاحتيال والرشوة وخيانة الأمانة، كما تم استجوابه في قضية الغواصات في وقت سابق لكن لم يذكر اسمه كمشتبه به. ونفى نتنياهو علي الدوام ارتكاب أي خطأ في جميع القضايا المرفوعة ضده، مذكرا بأنه (خاطر بحياته من أجل إسرائيل).


نتنياهو قادم أصلا من صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي ، حيث عمل لسنوات في صفوف القوات الخاصة، وكان من أبرز ما شارك فيه خلال تلك السنوات، عملية تحت قيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق (ايهود باراك) الذي كان قائدا للوحدة التي حررت طائرة مختطفة علي يد منظمة أيلول الأسود الفلسطينية، كانت الطائرة المختطفة تابعة لشركة الخطوط الجوية الوطنية البلجيكية، المسماة الشركة البلجيكية لخدمات الملاحة الجوية أو "سابينا" اختصارا.


تمثل غواصات دولفين Dolphin-class الإسرائيلية منصة خطيرة لاطلاق صواريخ نووية، فبقدرتها العالية علي التخفي، وطبيعتها كغواصة، يمكنها العمل بصمت، ثم إطلاق صواريخها بشكل مفاجئ، صورة من Israeli Defence Forces Spokesperson's Unit، Wikimedia commons. 


يرفض بيني غانتس هذه الأقاويل، وقال في بيان صادر عنه، أن المسألة ليست شخصية، بل إنه واجب وطني علي حد وصفه. مضيفا إن هذه القضية تقع في قلب مؤسسة الدفاع الإسرائيلية، وتمثل في الدرجة الأولى حاجة من حاجات الأمن القومي، لضمان ثقة المواطنين بالمؤسسة العسكرية وبصناع القرار فيها.


لكن غانتس بالفعل قضى في السابق فترة قصيرة في حكومة ائتلافية مع نتنياهو، ويعد حاليا أبرز منافس سياسي للزعيم الإسرائيلي السابق.


لقد وضع نتنياهو مستقبل غانتس السياسي موضع شك، بعدما كان الرجلين قد اتفقا علي تقاسم السلطة ليشكلا معا الحكومة السابقة، بأن يتولي نتنياهو الحكم لعامين، ثم يتولاه هو لعامين، فيكتمل عمر الحكومة المقدر بأربع سنوات، لكن هذا الاتفاق انهار، حينها كان غانتس موضع سخرية العديد من الحلفاء السابقين لأنه وضع ثقته في رئيس الوزراء آنذاك، وهو السياسي الماكر المشهور بالمناورات مع خصومه.


لكن غانتس قال إنه قد ظهر أنه دافع عن نفسه بشكل ناجح تماما، بعد أن منع نتنياهو في البداية من الفوز في الانتخابات المتتالية، ثم ساعد في الإطاحة به. قائلا: "لقد كانت رحلة صعبة ، لكنها رحلة ناجحة".. فهل يحاول الآن إكمال الرحلة بالقضاء علي نتنياهو تماما؟.


غانتس ولمزيد من الدفاع عن نفسه، فقد أكد أن التحقيقات ستبقي تفاصيلها سرية بالكامل تقريبًا، لتأكيد حماية المعلومات الحساسة بشأن غواصات دولفين Dolphin-class القادرة علي شن هجمات بصواريخ نووية من التسرب إلي العلن.


إذ ورد في إقتراح وزير الدفاع الإسرائيلي أن اللجنة
لن تنشر  تقريرها أو البروتوكولات الخاصة باجتماعاتها كليًا أو جزئيًا، ما لم يكن المنشور لا يحتوي على معلومات سرية أو معلومات تم اعتبارها سرية، على أي مستوى من مستويات تصنيف سرية المعلومات.


بالإضافة إلى ذلك، ستُعقد الغالبية العظمى من جلسات استماع اللجنة "خلف أبواب مغلقة"، ولن يُسمح إلا للمحامين الذين لديهم تصاريح أمنية مشددة بالمثول أمامها.


ضربات صديق قديم:


علينا هنا أيضا أن نتوقف عند اسم (جدعون ساعر)، طبيب الأطفال الذي أصبخ وزير العدل الإسرائيلي، إنه ابن عائلة يهودية الاب فيها من الأرجنتين والام من بخارى في أوزبكستان، وجاءا ضمن من جاءوا لاحتلال أرض فلسطين وتهجير شعبها.


جدعون ساعر، والمولود في تل أبيب، عرف عنه أنه من أصحاب التوجهات اليمينية المتطرفة كان ذات يوم أحد أقرب مساعدين نتنياهو.


لكن ساعر أعلن الانشقاق عن نتنياهو وحزبه الليكود في ديسمبر ٢٠٢٠ ، بعدما فشل في الفوز علي نتنياهو في الانتخابات لرئاسة حزب الليكود ، معلنا بعد ذلك عن إنشاء حزب جديد سماه "تيكفا حداشا" أو الأمل الجديد باللغة العربية.


موافقة جدعون ساعر علي التحقيق الجديد والذي قد يجذب قدم نتنياهو نحو الهاوية قد يبدو به بعضا أو كثير من الانتقام الشخصي بين جدعون ساعر ونتنياهو، لكنه قد يعني أن جزءا كبيرا من اليمين الإسرائيلي المتطرف (والذي ينتمي إليه رئيس الوزراء الحالي نفتالي بينيت) قد يقبل التضحية برمز من رموزه التاريخية.


لقد ساد اعتقاد واسع في بداية عمر الحكومة الإسرائيلية الحالية أن جدعون ساعر، يعارض فتح تحقيق جديد، لكن في النهاية اتضح أن ساعر لم يعارض فكرة غانتس بقدر ما أنه يريد السيطرة على سلطات اللجنة وتشكيلها.


تأكد ذلك عندما اقترح جدعون ساعر عدة مشاريع قوانين لمنع نتنياهو من خوض اي انتخابات مقبلة. وذلك عبر اقتراح قانون يمنع أي (متهم) بالترشح لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، وبالطبع يتضح أن المتهم المقصود ليس إلا نتنياهو نفسه.


وبالنظر لتفاصيل اقتراح وزير الدفاع الإسرائيلي، نجد أنه يريد تحقيقا موسعا، بتوفير اعتمادات مالية ضخمة للجنة التحقيق لتتمكن من التوصل لنتائج هامة، إذ دعا لتخصيص ٩ ملايين شيكل كميزانية لها.


يعادل هذا المبلغ (٢،٨٥ مليون دولار أمريكي)، علي أن يتم توفير ٧ ملايين شيكل (٢،٢٢ مليون دولار) من وزارة الدفاع ومليوني شيكل (٦٣٠ ألف دولار) من وزارة العدل.


وهكذا يتضح بجلاء أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة قد تخلصت من التردد الذي اتسمت به في البداية فيما يتعلق باستخدام سلطاتها لملاحقة نتنياهو، لكن يبدو أن الائتلاف الحاكم لإسرائيل اليوم قد خلص لنتيجة مفادها أن من مصلحة الجميع التخلص من رجل إسرائيل الأكثر قوة لعقود متتالية.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -