زدني معرفة

مشير النصر.. مذكرات المشير أحمد إسماعيل على.. وزير الحربية المصري في حرب أكتوبر ١٩٧٣.. الجزء الثاني

تزامنا مع الذكري ٤٨ لحرب أكتوبر ١٩٧٣، تقدم المعرفة للدراسات عرضا لكتاب "مشير النصر" مذكرات المشير أحمد إسماعيل على.. وزير الحربية المصري في حرب أكتوبر ١٩٧٣.

المشير أحمد إسماعيل علي في حوار باسم مع الفريق أول سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة. 


هذا ويمكنكم الاطلاع علي الجزء الأول من قرائتنا للمذكرات عبر هذا الرابط.


فالمشير الذي رحل سريعا بعد الحرب متأثرا بمرض السرطان الخبيث، لم يترك مذكرات من الحجم الضخم، وإن ترك الكثير مما يستحق القراءة والدرس والفحص والتمحيص، ونعرض لكم الكتاب الوحيد الذي وصلنا بخط قلم المشير أحمد إسماعيل على.


المذكرات من إصدارات "دار نهضة مصر"، وقد تواصلت المعرفة للدراسات مع نهضة مصر، وحصلت علي موافقتها بشأن نشر هذا المقال، فلهم جزيل الشكر.


سنحرص في المعرفة للدراسات كما فعلنا في (الجزء الأول) أن لا نعلق علي المذكرات، وأن لا نحلل النقاط التي أوردناها منها، وأن نتركها للقارئ الكريم كما وردت بنصها الأصلي الذي كتبه المشير أحمد إسماعيل علي، وسنقوم فقط بإجمال بعض النقاط اختصارا لبعض الأحداث.


التكليف والاستعداد:

جلسة بين السادات وأحمد إسماعيل في منزل الرئيس أنور السادات


التاريخ: ٢٦ أكتوبر عام ١٩٧٢ - ١٩ رمضان ١٣٩٢، الساعة الثالثة بعد الظهر.


المكان: منزل الرئيس محمد أنور السادات في الجيزة.


كنا نسير سيادته وأنا في حديقة المنزل، ولم أكن أدري سبب استدعائي، لكنني توقعت أن يكون لأمر هام وخطير، من عادة السيد الرئيس في شهر رمضان ألاةيقابل مسئولا إلا بعد الإفطار.


وبعد حوار قصير عن الموقف، حدث ما توقعته، حيث أبلغني سيادته بقرار تعييني وزيرا للحربية اعتبارا من ذلك اليوم.


ها أنا أعود مرة أخرى لأرتدي ملابسي العسكرية.


وبدأت تنفيذ الخطة في ظل الإمكانيات الموجودة في الجيش، وتطورت الفكرة، وعرضت علي القوات المسلحة، وأصررت علي الحصول علي تصريح مكتوب من الرئيس السادات، وعندما ذهبت إلي الجيش واجتمعت بكل القادة قلت لهم: ((با جماعة، نحن الآن نريد أن نحارب، ماذا نفعل لكم من أصغر عسكري لأكبر ضابط؟)).


وطفت علي الجبهة، وقلت لهم: ((السلاح بالرجل، وليس الرجل بالسلاح)).


ثم بدأنا نجتمع علي مستوى الكتيبة وعلي مستوى الجيش، ومستوى القادة، واستمعت لجميع القيادات.


وكانت وجهة نظر القادة المصريين أن يضربوا أكبر ضربة ممكنة، وعندما نتلقى منهم ضربة نكون كبدناهم بضربات مبرحة، ثم ندخل علي السلام، وأننا نستطيع أن نعبر ونحرر أرضنا علي مراحل.


وعملت تدريبات علي الجبهة بشكل عملي، فأخذت مكانا خارج القاهرة، وأخذت الناس لتدريبهم عمليا علي الخطة، وكانت أولى جلساتي مع قادة الجيش في ٢٨ أكتوبر عام ١٩٧٢.


وفي هذا المجال، أؤكد علي الأبتكار وعدم النمطية والعناية الكاملة بالأسلحة والمعدات، ويجب أن تتأكدوا أن قرار إنهاء عمل المستشارين السوفييت كان علي أساس أن القوات المسلحة المصرية قادرة بقادتها ورجالها علي التخطيط وإدارة المعركة المقبلة، ويجب أن يكون أهلا لهذه الثقة.


وخلال الفترة ما بين تعييني وزيرا للحربية، وبين حرب أكتوبر ، زرت سوريا ٥ مرات، بهدف تنسيق جهود القوات المسلحة في البلدين للقيام بعمل عسكري مشترك في إطار الاتفاق السياسي بين كل من الرئيس محمد أنور السادات والرئيس حافظ الأسد.


كانت الزيارة الأولى من ١٠ إلي فبراير ١٩٧٢، واسنقبلني الرئيس حافظ الأسد، وتبادلنا وجهات النظر في الموقف، ثم تبادلت الآراء مع اللواء مصطفي طلاس والقادة العسكريين السوريين، وذلك علي ضوء الاقتناع الكامل بعدم جدية الحل السلمي، وخصصت بعض المهام للقوات المسلحة السورية، وهي نفس المهام التي أصدرت بها أوامر للقوات المسلحة المصرية في أولى جلساتي مع القادة.


زيارة أخرى في ١٠ نوفمبر عام ١٩٧٢، وقضينا في سوريا ٣ أيام اجتمعت فيها مع الرئيس حافظ الأسد لمدة ٣ ساعات منفردين، وطلب حافظ الأسد أن نكون بمفردنا، وأمر الجميع أن يتركوا المكتب بمن فيهم وزير الدفاع السوري، وتحدث معي عن الحرب التي نخطط لها.


وبعد هذه المقابلة، وافق الأسد علي دخول سوريا الحرب مع مصر، وظللنا خلال ثلاث ساعات نتناقش في كيفية التنسيق بين البلدين، وعدم تخل أي منهما عن الآخر، واتفقت معه علي ذلك، وهو ما يفسر تطوير مصر للهجوم علي إسرائيل أثناء الحرب يوم ١٤ أكتوبر عام ١٩٧٣ ، لتخفيف الضغط علي الجبهة السورية التي كانت إسرائيل قاربت السيطرة عليها.


وفي الأول من أكتوبر عام ١٩٧٣، أصدر الرئيس السادات توجيه الحرب، وأرسله لي.


وفي الخامس من أكتوبر، كان ابني سيف ينتظر شقيقه في مطار القاهرة، ووجد حالة من الهرج والمرج في المطار، وتواجد عدد كبير من الناس، وشعر ((سيف)) بشيء غير مطمئن، فتوجه إلي الشرطة العسكرية، وسأل ضابط مصر للطيران الذي أخبره أن جميع الرحلات من وإلي مصر متوقفة.


عاد سيف علي الفور إلي المنزل، واتصل بالسكرتارية، وأبلغني بوقف حركة الطيران، فاتصلت باللواء أحمد نوح، وكان وقتها وزيرا للطيران، وطلبت عودة الطيران المدني إلي حركته الطبيعية، ورغم هدوئي المعتاد، فإنني غضبت فور علمي بإيقاف حركة الطيران في ذلك اليوم، والتي عادت إلي طبيعتها مرة ثانية بعد ساعة.


ضرب نظرية الحدود الآمنة:

اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث في حرب أكتوبر ١٩٧٣، والمشير أحمد إسماعيل. 


يشرح المشير أحمد إسماعيل علي في ذلك الفصل نظرية الحدود الآمنة الإسرائيلية ويقول أن هذه النظرية من المفترض أن يتم عكسها، لأن الفلسطينين هم أصحاب الأرض الشرعيين، ولأن إسرائيل هي من بدأت الهجوم في ١٩٤٨، ١٩٥٦، ١٩٦٧، وبالتالي فمن حق العرب أنهم هم من يطلبوا تأمين حدودهم.


إن مفاجأة الضربة الأولى سواء كانت جوية أو برية يمكن تحقيقها، لكن العبرة بتلقي الضربة وامتصاصها، ثم توجيه الضربة المضادة، ولم تمنع سيناء ورمالها وجبالها إسرائيل من القيام بالعمليات الهجومية، وعلي العكس أيضا لن تمنع سيناء قواتنا من القيام بالعمليات الهجومية في الوقت المناسب.


طالبت إسرائيل بوجود عسكري لها في شرم الشيخ لتأمين الملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة، (كما جاء في تصريح جولدا مائير، وفي تصريحات موشي ديان)، فهل تأمين الملاحة يحتاج إلي شرم الشيخ وخليج العقبة؟.


بنظرة عسكرية مبسطة، نستطيع أن نقول: إذا احتل العدو هذه المنطقة يمكن تعطيل الملاحة من أماكن أخرى، وإذا احتل العدو الشاطئ المصري يمكن تعطيل الملاحة من الشاطئ السعودي المقابل، كما يمكن تعطيل الملاحة من ميناء العقبة نفسه، وإذا كانت منطقة تيران هي أضيق منطقة في الخليج enterprise ، فهناك الآن الأسلحة الساحلية سواء كانت مدفعية ساحلية أو صواريخ ((أرض / أرض)) ، وهي أسلحة بعيدة المدى، وتتميز بالدقة في إصابة الهدف، مما يمكنها من غلق الخليج من الشاطئ، إضافة إلي وجود الغواصات وقدرتها علي إغراق أي قطعة بحرية في المضيق فتتعطل الملاحة في الخليج المغلق في نهايته، فضلا عن إمكانية استخدام الطيران في إغراق بعض القطع البحرية في المضيق.


أما مرتفعات الجولان، فإذا كانت القوات الإسرائيلية قد أمكنها الاستيلاء عليها بالرغم من مناعتها كهضبة مرتفعة حاكمة، فإن القوات العربية يمكنها أن تستولي علي المرتفعات بالأسلوب نفسه، أما بالنسبة لإدعاء إسرائيل بأنها تحتل قمم الجولان حتى تمنع ضرب المستعمرات الإسرائيلية، فالأسلحة الحديثة لا تحتاج لأن توضع علي المرتفعات، إذ أن معظم الأسلحة يمكنها الضرب من خلف الهضاب، ويمكن توجيه النيران بالطائرات، ومعظم المدفعية البعيدة المدى لا تحتاج إلي تصحيح النيران بالنظر، إذن فمطالبة إسرائيل بضم الجولان لحمايتها من الجيوش العربية، أو لحماية مستعمراتها من ضربات المدفعية السورية يعتبر حجة للتوسع علي حساب سوريا.


وفي حالة وجود بوليس دولي تابع لهيئة الأمم المتحدة في المنطقة، وهناك نية من إحدى الدول لانتهاك حيادها، فإن البوليس الدولي كقوة معنوية غير مسلحة لن يتمكن من وقف إحتلال هذه الأرض، وقد كان لنا تجربتان مع إسرائيل في هذا المجال، الأولى هي إعتداء اليهود أنفسهم علي منطقة العوجة منزوعة السلاح عام ١٩٥٥، رغم وجود ممثلي الأمم المتحدة بعد أن طردتهم مع المندوبين المصريين، واحتلالها العوجة وفرض سيطرتها عليها، ولم تتحرك هيئة الأمم المتحدة.


والتجربة الثانية في حرب يونيو ١٩٦٧، حين قتلت القوات الإسرائيلية قوات الأمم المتحدة الهنود في غزة، وهي تعلم أنهم جنود الأمم المتحدة متحدية بذلك الأمم المتحدة غير عابئة بقراراتها.


حسابات النصر والهزيمة:


لقد هالني ما قيل عن عدم إمكانية تحقيق أي تعاون أو تنسيق بين سوريا ومصر، كنت أسأل نفسي وأقول لزملائي: لماذا هذا الكلام؟ إن مصر وسوريا منذ عصور التاريخ الغابرة لهما دورهما الخالد في الدفاع عن المنطقة، تقول لنا كل شواهد التاريخ المعاصر، كما يقوله لنا المنطق والحسابات العسكرية: إن البلدين يشكلان فكي كماشة تطبق علي العدو كالبندقية، وتستطيعان تحطيم ضلوعه وشل حركته، وهما دولتان عربيتان بينهما تاريخ بعيد مشترك، وتاريخ قريب ممتد، وتربطهما اليوم مصالح واحدة، ويجمعهما معا هدف واحد، والإنسان العربي في سوريا مثله مثل الإنسان العربي في مصر كفء وقادر علي البذل والعطاء، فلماذا إذن تلك الهواجس والشكوك.


كان الرئيس السادات يرأس اجتماعات المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر، ويركز علي تحذيره من اتباع النمطية في التخطيط والتنفيذ.


ولقد كانت النمطية هي ما أكرهه كرها شديدا، فهي أسلوب كلاسيكي، يضع قيدا علي الحركة، ولا يترك مجالا للابتكار والإبداع سواء في التخطيط أو في التطبيق التكتيكي، والنواحي الفنية خلال التنفيذ.


وفي الساعة ١٢ ونصف من يوم السبت السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣، خرجت من مركز ١٠، ولم أترك أي خبر لأي شخص، أين سأذهب، وتوجهت للرئيس السادات في منزله واصطحبته معي مرة أخرى إلي مركز ١٠.


مركز ١٠ عبارة عن غرفة كبيرة مربعة، ويوجد طاولة كبيرة بطول الغرفة، والرئيس السادات يجلس في النصف، وعلي يمينه أنا، وعلي الشمال رئيس أركان حرب الفريق سعد الدين الشاذلي، ويواجهنا من الناحية الأخرى اللواء حسن الجريدلي، وبجانبه ٢ من الضباط يتناوبان كتابة أي أوامر يصدرها لهم الرئيس أو أنا أو رئيس الأركان.


الساتر.. القناة.. الخط.. نكون أو لا نكون:

الرئيس السادات والمشير أحمد إسماعيل وسط رجال الجيش المصري ووسائل الإعلام، زيارة للجبهة بعد الحرب. 


كان خط بارليف والساتر الترابي هو أكثر ما يشغلني أثناء الإعداد لتخطيط مسار الحرب في أكتوبر ١٩٧٣، وكان السؤال الذي لا يفارقنا -أنا واللواء الجمسي- هو كيف سنتغلب علي تلك الحواجز التي أعلنت جولدا مائير يوم زيارتها لها، أنها رمز للذكاء الإسرائيلي، وأن أي اعتداء علي خط بارليف بمثابة إهانة لهذا الذكاء الإسرائيلي.


لقد كنا موضع إشفاق كل من يزور الجبهة من الخبراء العسكريين أو المسئولين في الدول التي حتفظنا علي علاقتنا بها، كانوا يقولون عبارة واحدة: ((إن عبور القناة مشكلة ليس لها حل، ولا يوجد لها حل، ولن يكون لها حل))، ولكن أثبت الرجال خير أجناد الأرض أن لا شيء يستحيل عليهم.


وقد ظن الكثيرون أن صيحة ﷲ أكبر التي دوت في سماء المعركة، منطلقة من قلوب جنود مصر قبل حناجرهم، كانت صيحة متفقا عليها، ولكن حقيقة الأمر لم تكن كذلك، ففي العام ١٩٧٠ اقترحت الشئون المعنوية جعل صيحة ((ﷲ أكبر)) هي الهتاف الذي يردده الجنود أثناء التدريب بدلا من صيحة ((ها)) المعتادة.


ولكن وفي زحام الإعداد للحرب والغوص في التفاصيل، نسينا الأمر، حتى كانت حرب أكتوبر حينما بدأ الجنود العبور للضفة الشرقية، فأنطلقت الصيحة مدوية بعفوية تامة، ودونما إعداد مسبق، لقد كان ﷲ عز وجل حاضرا في المعركة في قلوب وأذهان الجنود، كانوا يعلمون أنه معهم وهم يدافعون عن الحق والوطن.


أتذكر هنا مقولة رددها رئيس الأركان الإسرائيلي دافيد إليعازر، بعد حرب أكتوبر حينما قال: ((كانت أكبر مفاجأة لنا في هذه الحرب، كفاءة الجندي المصري.. وإصراره، واستعداده للتضحية بروحه لتحقيق هدفه)).


قبل العاصفة:

المشير أحمد إسماعيل يزور قاعدة جوية، ويظهر اللواء محمد حسني مبارك في الصورة. 


كانت الأوامر قد صدرت بتدمير محطة المحولات الكهربائية الإسرائيلية الواقعة خلف جسر وادي العريش، وذلك لمنع إمداد معسكرات العدو في سيناء وثلاجات حفظ طعامه وأجهزة التكييف في غرفة العمليات بالطاقة الكهربائية، إلي جانب تدمير مركز التنصت الذي أقامته إسرائيل في تلك المنطقة.. وكان السؤال الملح كيف نفعل هذا؟.


ولكن رجال المخابرات المصرية كانوا قد حددوا الوسيلة، وموعد التنفيذ الذي بدأ صباح الخميس ٤ أكتوبر، ولذلك قصة لابد من روايتها، حيث تعبر عن معدن المصري الأصيل، واستعداده لبذل الغالي والرخيص من أجل وطنه.


وما حدث أنه وفي يوم الخميس دخل رجل في الأربعين من عمره لصيدلية في شارع ٢٣ يوليو بمدينة العريش المحتلة منذ عام ١٩٦٧، وأعطى تذكرة الدواء للصيدلي محمود حمودة، الذي بدأ في قراءتها وكانت تحتوى علي نوعين من الدواء هما: ٦ حقن ڤيتامين ب المركب، و ١٢ كبسولة مضاد حيوي كلورومايسين، ولكن كان هناك خطوط صغيرة تحت رقم ٦، وحرف ب ورقم ١٢ في التذكرة.


فأدرك الصيدلي أن تلك رسالة مشفرة، سرعان ما فك رموزها وعرف المهمة المكلف بها، فمنح الرجل الدواء، وسارع لإغلاق صيدليته، والإرسال لبعض زملائه لتنفيذ مهمة تدمير محطة المحولات التي خططت لها المخابرات العامة المصرية منذ أسابيع معهم، وزودتهم بالمتفجرات والعبوات الناسفة اللازمة لذلك.


وشعرت بالأرتياح في صباح يوم الجمعة مع ورود أخبار نجاح عملية التدمير، ولا أملك هنا سوى الأنحناء لهؤلاء الأبطال الذين كتبوا بدمائهم بطولة جديدة لحماية أمن الوطن.


في صباح السادس من أكتوبر، كان اللواء حسني مبارك قائد القوات الجوية، قد نبهني إلي أن سماء مصر لا يوجد بها طائرة واحدة، بعد أن إصدار الأوامر للطيارين بأخذ وضع الاستعداد لساعة الصفر، وخشي مبارك أن يثير اختفاء طائراتنا شكوك الإسرائيليين الذين اعتادوا رؤية طائراتنا بشكل يومي أثناء التدريب، فما كان من قائد القوات الجوية إلا أن أصدر قراره لقادة بعض القواعد الجوية، بالسماح لعدد من الطائرات بالانطلاق والقيام بأعمال تدريبية معتادة علي ارتفاعات يسمح باكتشافها ليطمئن العدو، بأننا نمارس نشاطنا التدريبي المعتاد.


حرب الكرامة:

المشير أحمد إسماعيل يهبط من مروحيته


يخاطب المشير أحمد إسماعيل علي، المصريين في هذا الفصل، متحدثا لهم عن "حرب قادمة" بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣ فيقول.


ولاشك أن المعركة قادمة، إذا قدر لنا أن نقوم بها، ستكون مختلفة تماما عن الحرب السابقة، ستكون بمفهوم جديد، وبتفكير جديد، وبتخطيط علمي جديد مدروس لكل الاحتمالات المقبلة بنفس روح أكتوبر العظيمة.


أما بالنسبة لعنصر المفاجأة، فإنني أعدكم أن نحصل عليه مرة أخرى، فهناك وسائل شتى للحصول عليه، إذ أنه ليس نمطيا، واستعدادنا انتظارا لأي حرب قادمة، يسير اليوم في مجالات متعددة، منها إعداد القوات بتدريبات جيدة، ورفع الكفاءة الفنية للمعدات، وتطوير قواتنا المسلحة بوجه عام، وأحب هنا أن أسجل أن كل ذلك يتم أيضا علي الجبهة السورية وأن التنسيق كامل بين الجبهتين.


لابد هنا من التأكيد علي دعم الجبهة الداخلية للقوات المسلحة في حربها لاستعادة الكرامة، فلأول مرة تم ما يسمي بإعداد الدولة للحرب، وكان الفضل في هذا للرئيس السادات.


من الناحية العسكرية، كانا إسرائيل تبني إستراتيجيتها علي نظرية الأمن الإسرائيلية، وهذه النظرية كانت مبنية في تصوري علي الأسس التالية.


اعتمادها علي مخابرات علي درجة عالية من الكفاءة، وكانت تعاونها المخابرات الأمريكية.


حدود آمنة بعيدة عن قلب إسرائيل، والكثافة السكانية، مع الاحتفاظ بقناة السويس، ومرتفعات الجولان التي استولت عليها عام ١٩٦٧.


كفاءة عالية في تعبئة الاحتياط، وقد كانت إسرائيل تبني علي هذه السرعة أسس تكوين جيشها، من جعل القوة الصغرى هي القوة النظامية، والقوة الكبرى هي القوة الاحتياط، معتمدة في ذلك، كما قلت علي اطمئنانها التام أنه خلال ٤٨ ساعة، يمكن أن تعبئ قواتها المسلحة بالكامل.


تفوق جوي، وقوة ردع بالطيران بنوعيات طائراتها، ومداها، وأن في هذه القوة الجوية من الضمانات التي تجعل كلا من مصر وسورية لا يمكن أن تفكر في شن أي هجوم عليها، ليس خوفا فقط علي إبادة قواتها المسلحة، بل علي عمق الدولة في كل من سورية ومصر.


اعتماد مطلق علي قواتها المدرعة وكفاءتها، بالتعاون مع طيرانها القوي في شن ضربات عنيفة في الأرض الصحراوية المفتوحة ضد أي قوات يمكن أن تعبر قناة السويس.


فما بالنا، في تصورهم، إذا اعتمدت هذه الضربات المضادة علي خط بارليف الحصين، المنشأ علي أخطر وأمنع مانع مائي صناعي في التاريخ.


اعتماد إسرائيل علي أنه لا يمكن أن تشترك أي دولة، عربية مع الأخرى في أي حرب، لذا، كانت إسرائيل تضع في اعتبارها العمل ضد كل جبهة منفصلة.


كما كانت إسرائيل تعتمد علي أمرين آخرين، وهما اعتمادها دائما علي دولة عظمى، وفي السنوات الأخيرة، كانت تعتمد اعتمادا كليا على أمريكا، وهو ما ثبت صحته في هذه الحرب، ثم تفضيلها الدائم لأن تكون الحرب قصيرة وخاطفة.


لقد درست القوات المسلحة نفسية وسمات الجنود الإسرائيليين الأسرى في حرب أكتوبر ١٩٧٣، وخرجت باستنتاجات كثيرة، منها علي سبيل المثال، وليس الحصر:


  1. معظم جنود الرتب الصغيرة من اليهود الشرقيين (٨٥٪)، والرتب الكبيرة مقصورة علي الغربيين.
  2. معظمهم يقع تحت أوهام الدعاية الإسرائيلية الداخلية، مثلا، يصورون لهم مشكلة فلسطين بأنه حدث تبادل بشري بين الدول العربية وإسرائيل، ولا يوجد يهود في مصر، بل إن مصر شردتهم وحطمت معابدهم، وعندما زار عساف ياغوري أسرا مصرية يهودية في الزمالك، والمعبد اليهودي، فإنه قال بالحرف الواحد: لقد وقعنا تحت وهم المؤسسة العسكرية في إسرائيل لأكثر من ٢٠ عاما.
  3. معظم القادة والجنود من الاحتياط (٤ من كل ٥)، ويكرهون الحرب، ويفضلون وظائفهم المدنية عليها، مثلا عساف ياغوري، يعمل مدير فندق في ناتانيا، ولما زار بعض فنادق مصر (شبرد، سميراميس، مينا هاوس، إلخ) قال: هذه الفنادق لا تقارن بفنادق إسرائيل، ولكن تقارن بفنادق أوروبا.


إنني أتذكر حوارا باسما دار بين الرئيس السادات، وبيني قبل الحرب بإيام، قال لي فيه، وهو يتصنع الجدية : هي الحرب يوم ايه؟.
فقلت : يوم السبت.
فقال السادات : والنهارده ايه؟.
فقلت: الثلاثاء.
فقال السادات مازحا: أنا خايف يوم السبت الجاي تكون جثتك متعلقة في ميدان التحرير، وأنا موافق من أجل مصر.


حقيقة الثغرة:

اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث يتحدث، بينما يبدو المشير أحمد إسماعيل منصتا إليه. 


دارت معارك طاحنة شرق وغرب الدفرسوار بين قواتنا وقوات العدو، وتكبد فيها الطرفان خسائر كبيرة، إلا أن خسائر إسرائيل باعترافهم، واعتراف أمريكا في هذه المنطقة، كانت من الفداحة حتى إن إسرائيل قررت وقف هذه العملية في مرحلة معينة.


ولا أفشي لك سرا، إن قلت إن هذه الثغرة كدنا نقفلها تماما في المراحل الأولى لها بواسطة قواتنا.


وفي الوقت نفسه، فشلت هجمات العدو المضادة تماما علي طول مواجهة الجيشين في الشرق بقصد فتح ثغرات أخرى في أماكن أخرى، وفشلت في جميع الأماكن عدا الدفرسوار.


وأريد أن أنوه هنا أنه بنهاية يوم ٢٢ أكتوبر ١٩٧٣، وعند تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم ٣٣٨ بوقف إطلاق النار، كان جيب العدو غرب القناة لا يزيد في حجمه عن نصف رأس كوبري واحد، لإحدي فرقنا الخمس شرق القناة، وأنه استنفد ستة أيام من القتال الرهيب، استخدمنا فيه كل قواتنا الجوية، وكل أنواع الصواريخ والمدفعية.


ثم استمر العدو، وتحت ستار وقف إطلاق النار، في التوسع جنوبا ليحول مغامرته المحفوفة بالخطر إلي وضع أكثر أمنا لقواته.


وفي الوقت نفسه، كان يريد قطع خطوط إمداد فرقتين من الجيش الثالث موجودتين شرق القناة، وذلك للمساومة بهذا الوضع، واصعا في اعتباره أن الذي يؤمنه أولا وأخيرا، هو قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، وليس قوته من الناحية العسكرية، حيث كان وضعه حرجا للغاية غرب القناة، خصوصا بعد فشله في اقتحام مدينة السويس الباسلة.


وكان تنظيمه لقواته يبين تماما أنه كان في وضع الدفاع لا الهجوم، كما رص أمامه ٧٥٠ ألف لغم رفعناها بعد ذلك، وهي في حوزتنا سليمة الآن، ومن هذا يمكن أن تقدر مدى قلقه.


أما بالنسبة لقواتنا، فقد تم احتواء العدو بالكامل، وأحيط بالقوات من كل جانب، ومن كافة الاتجاهات، عدا ممر ضيق جدا في الدفرسوار بعرض ٦ كيلو مترات.


وفي الواقع أن وقف إطلاق النار الفعلي كان في الساعة ١١ ظهر يوم ٢٨ / ١٠ / ١٩٧٣، وأصدرت أوامري ببدء حرب استنزاف جديدة اعتبارا من يوم ٣١ / ١٠ / ١٩٧٣، أي بعد يومين من وقف إطلاق النار، ولك أن تسأل نفسك: لو أننا كنا في موقف الضعف، هل كان ممكنا أن أصدر هذا الأمر بعد يومين من وقف إطلاف النار بكل احتمالاته.


ويمكن أن يوضح البيان التالي مدى نشاط قواتنا المسلحة في الفترة من ٣١ / ١٠ / ١٩٧٣ إلي ١٨ / ١ / ١٩٧٤،أي يوم توقيع اتفاقية فصل القوات.


لقد نفذنا، طبقا لبيانات العدو، ٤٣٩ عملية، منها ٩٣ في شهر نوفمبر ٧٣، ٢١٣ في شهر ديسمبر ٧٣، ١٣٣ في شهر يناير ١٩٧٤.


كما أسفرت هذه العمليات، طبقا لبلاغات هيئة الرقابة الدولية، وبلاغات القوات الإسرائيلية نفسها، عن الخسائر الأتية في العدو: ١١ طائرة، ٤١ دبابة ومدرعة، ١٠ رشاشات ثقيلة، ٣٦ بلدوزر ومعدة هندسية ومركبة، إصابة ناقلة البترول (سيرينا) الإسرائيلية، إغراق زورق إنزال بحري، قتل ١٨٧ فردا للعدو.


علاوة علي عدد الجرحى، والذي يمكن تقديره بأضعاف خسائره في الأرواح، وللقارئ أن يستنتج أن الخسائر أضعاف ذلك بكثير، إذ كانت هذه بيانات العدو.


لم يشرب العرب بترولهم:

وزير الدفاع السعودي سلطان بن عبد العزيز في زيارة لمصر، ويستقبله الرئيس السادات والمشير أحمد إسماعيل 


قالت جولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية في تلك الفترة، ردا علي المتخوفين من قادتها وسياسييها من لجوء العرب لسلاح حظر البترول في الحرب قولها: ((لن يفعلوا شيئا، لن يستطيعوا وقف تصديره، إنهم إن فعلوا هذا، فسوف يشربون بترولهم)).


لقد سبق الإعداد للحرب عدد من الجلسات التي ضمت السادات بالعاهل السعودي الملك فيصل، للتباحث حول جدوى استخدام البترول لتحقيق مكاسب سياسية في حرب أكتوبر، وكان الاتفاق علي ضرورة توخى الحذر في فرض تلك الرؤية خوفا علي المنطقة والبلاد العربية من رد الفعل الدولي.


اتصل بي الرئيس السادات مساء يوم ١٦ أكتوبر، وطلب مني إعداد طائرة عسكرية تقل وزير البترول المهندس أحمد عز الدين إلي المملكة العربية السعودية، ومنها إلي الكويت، لحضور مؤتمر عاجل لمنظمة ((أوابك)) -منظمة الدول العربية المصدرة للبترول-، ثم تم تعديل أسلوب السفر للوزير المصري الذي تقرر أن يسافر مع وزير البترول السعودي الشيخ أحمد زكي اليماني علي متن الطائرة السعودية.


وقد شاب المؤتمر عرض رؤى متشددة كما حدث عندما عرض وزير البترول الليبي وجهة نظر القذافي، الذي كان يري تأميم مصالح الدول التي تقدم مساعدات للكيان الصهيوني، والوقف التام والكامل لشحنات البترول العربي لهذه الدول، وسحب رؤوس الأموال العربية المودعة في بنوك الدول المؤيدة لإسرائيل، وهو الأمر الذي أيدته سوريا ولكنها اقترحت تخفيض الانتاج العربي من البترول بنسبة ٥٠٪ فورا، وهو ما تحفظت عليه السعودية، لأنه لن يمكنها من تقديم الدعم المادي لمصر وسوريا والأردن، مؤكدا أنه لا يمكنها تأميم شركة أرامكو لعدم امتلاكها الخبرات والكوادر التي يمكنها إدارتها.


وتبنت السعودية ومصر ثلاث نقاط تبدأ بتوجيه إنذار لواشنطن مصحوبا بتحديد فترة معينة لنهايته يتم بعدها خفض الانتاج البترولي بنسبة ٥٪ لفترة محددة يتم الاتفاق عليها، وأخيرا زيادة نسبة الخفض إلي ١٠٪ في حال عدم حدوث استجابة للمطالب العربية.


وتم الاتفاق علي تطبيق الرؤية المصرية - السعودية، مع منح ليبيا وسوريا الحق في تحديد نسبة التخفيض الذي تراه كل منهما، شريطة الإلتزام بقرار دول المنظمة بإجراء خفض فوري قدره ٥٪، ووقع الجميع ما عدا العراق الذي رفض التوقيع علي الإعلان الختامي الصادر يوم ١٧ أكتوبر، بعد أن خشي فقد عائدات البترول، وقام بفرض حظر علي إمدادات البترول الخاص بأمريكا وهولندا، وأمم مصالح الدولتين البترولية علي أرضه.


تفاقم الأمر في الخامس من نوفمبر ١٩٧٣، حينما عاد وزراء البترول العرب للأجتماع مرة أخرى، وأعلنوا قرارهم برفع نسبة الخفض إلي ٢٥٪ مرة واحدة، ورغم ذلك لم تتأثر موارد النفط في البلاد العربية، حيث ارتفع سعر برميل البترول من ٣ إلي ١٢ دولارا، وصاحب ذلك ارتفاع في أسعار الريال والدينار، واهتزت أسعار الدولار والاسترليني والليرة الإسرائيلية، ولم يشرب العرب بترولهم.


خاتمة:

توقيع المشير أحمد إسماعيل في نهاية مذكراته


اختتم هذه المذكرات بالقول إننا عاهدنا ﷲ وصدقنا.


ماذا أريد بعد ذلك؟.


إنني أحمد ﷲ ولا أمل شكره والسجود له.


وأقف في خشوع لأحيي أرواح الذين أسهموا في صنع النصر من شهدائنا الأخيار، وللجرحي علي طريق الشفاء والأمل.


إنني لست بأفضل زملائي الذين أعطوا أرواحهم وحياتهم وعصارة فكرهم وجهدهم فداء للوطن..


لست إلا رجلا بين هؤلاء الرجال، أتاحت لي الظروف أن أتولى القيادة فوفقني ﷲ بهم.. ووفقنا جميعا إلي تحقيق أمل أمتنا فينا.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -