زدني معرفة

مشير النصر.. مذكرات المشير أحمد إسماعيل على.. وزير الحربية في حرب أكتوبر ١٩٧٣.. الجزء الأول

تزامنا مع الذكري ٤٨ لحرب أكتوبر ١٩٧٣، تقدم المعرفة للدراسات عرضا لكتاب "مشير النصر" مذكرات المشير أحمد إسماعيل على.. وزير الحربية المصري في حرب أكتوبر ١٩٧٣.

غلاف الطبعة الثانية من كتاب مشير النصر.. مذكرات المشير أحمد إسماعيل علي وزير الحربية في معركة أكتوبر ١٩٧٣. 


فالمشير الذي رحل سريعا بعد الحرب متأثرا بمرض السرطان الخبيث، لم يترك مذكرات من الحجم الضخم، وإن ترك الكثير مما يستحق القراءة والدرس والفحص والتمحيص، ونعرض لكم الكتاب الوحيد الذي وصلنا بخط قلم المشير أحمد إسماعيل على.


مقدمة مجدي الجلاد:


المذكرات من إصدارات "دار نهضة مصر"، وقد تواصلت المعرفة للدراسات مع نهضة مصر، وحصلت علي موافقتها بشأن نشر هذا المقال، فلهم جزيل الشكر.


تولي الإعلامي الكبير "مجدي الجلاد"، مهمة البحث عنها، بعد عقود من وفاة المشير، وعدم وجود أي مذكرات لرأس القوات المسلحة المصرية في أحد أهم حروبها علي مر تاريخها.


يقول مجدي الجلاد في مقدمته أنه كان أحد الطلاب الذين طلب منهم مدرسيهم (لم الكراريس) في ذلك اليوم الذي أقدمت فيه مقاتلات إسرائيل علي جريمتها الشنعاء بضرب مدرسة بحر البقر الإبتدائية بمحافظة الشرقية، كانت مصر تتخذ إجراءا احترازيا لحفظ أبنائها بعد أن اثبتت الحكومة الصهيونية برئاسة جولدا مائير أنها لا رادع لها علي أي صعيد إنساني أو أخلاقي أو حتى علي صعيد قوانين الحرب.


ويصف الجلاد المشير إسماعيل بأنه مات بعد أن انتصر في الحرب بعدة شهور، نفس المصير كان سيلاقيه لو فشلت خطته في الحرب، موت مادي في محاكمة الهزيمة، أو الموت المعنوي له ولذريته من بعده، لكن المشير مات منتصرا.


مقدمة السفير محمد أحمد إسماعيل:


السفير محمد أحمد إسماعيل، وهو نجل المشير أحمد إسماعيل علي، وضع مقدمته الخاصة لمذكرات والده تحت عنوان "لماذا المذكرات الآن؟".


بطل مصر، المشير أحمد إسماعيل علي. 


أورد السفير إسماعيل عددا من الأسباب، ثم تحدث بفخر عن والده فقال أنه كان الأول في جميع الفرق التي حصل عليها بعد تخرجه من الكلية الحربية من أول مدرسة الأسلحة الصغيرة، مرورا بكلية أركان حرب، إلي دراسته في الخارج، سواء في بريطانيا أو روسيا، وفي أكاديمية ناصر العسكرية.


ويضيف السفير محمد أحمد إسماعيل أن والده هو من تمكن من إقناع سوريا بالاشتراك مع مصر في الحرب في توقيت واحد، بعد اجتماع منفرد وطويل مع الرئيس السوري حينها حافظ الأسد، استثمر فيه ثقة الرئيس السوري في قدراته ومعلوماته العسكرية.


ويتابع أن رأي المشير أحمد إسماعيل علي، في ظل المعطيات الموجودة هو تحرير سيناء على مراحل، علي أن تبدأ المرحلة الأولى بما لدينا من سلاح، وتتضمن عبور القناة، وإقامة رءوس كباري، وتدمير الساتر الترابي، واقتحام خط بارليف، وتكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة، والاستيلاء علي مواقعه الحصينة شرق القناة، والتشبث بالأرض، وهذا ما حدث بالفعل، وكان همه الأول الاحتفاظ بالجيش المصري دون أن ينكسر لاستكمال عملية التحرير على مراحل.


وتجدر الإشارة هنا، أن هذا الرأي الذي يتحدث السفير محمد أحمد إسماعيل، عن اعتناق والده له، كان هو بالضبط نفس رأي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر ١٩٧٣، الفريق سعد الدين الشاذلي.


مقدمة الناشر:


دار نهضة مصر، والتي تشرفت بنشر مذكرات المشير أحمد إسماعيل علي ، وقالت في مقدمتها أن نشر مذكراته تأتي لمنحه حقه، بعدما توفي بعد عام واحد فقط من الحرب بمرض السرطان.


وتستشهد الدار بما تقوله أن المشير أحمد إسماعيل علي ، قال في مبرراته لكتابة مذكراته -والتي بدأ في تدوينها عام ١٩٦٩، عند احالته للتقاعد بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر بعد إنزال نفذته إسرائيل في منطقة الزعفرانة المصرية-، قال أنه يرغب في أن يظهر لأسرته وزملائه وللشعب خطأ ما أشيع عنه على مدار سنوات عمله في القوات المسلحة، بعد أن اضطر لترك الجيش في وقت كان يشعر أنه قدم خدمات لوطنه قوبلت بالخيانة والغدر.


سيرة حياة:


في الفصل الأول من المذكرات والذي حمل اسم "سيرة حياة"، نتعرف علي المشير أحمد إسماعيل علي.


المشير تقدم للكلية الحربية الملكية المصرية مرتين، ورفض خلالهما، ثم عاد للتقدم مرة ثالثة عقب إبرام معاهدة ١٩٣٦ بين المملكة المصرية وبريطانيا، والتي سمحت بزيادة أعداد الجيش المصري، ففتحت أبواب الكلية الحربية الملكية أبوابها لأبناء الشعب.


تم قبول المشير أحمد إسماعيل علي في تلك الدفعة، و زامل فيها الرئيس جمال عبد الناصر، ويوسف السباعي، وأحمد مظهر، وهي الدفعة التي تخرجت عام ١٩٣٨، ومن صفوفها خرج معظم رجال الضباط الأحرار الذين نفذوا فيما بعد ثورة يوليو ١٩٥٢.


المشير أحمد إسماعيل في شبابه. 


شارك أحمد إسماعيل في حرب ١٩٤٨، وكان وقتها برتبة صاغ، وتواجد في تلك الحرب بالقرب من الحدود الفلسطينية المصرية، حيث أقام خطا دفاعيا حصينا في منطقة رفح.


في العام ١٩٥٠، التحق أحمد إسماعيل بكلية أركان حرب، وكان ترتيبه الأول بين طلبة الماجستير في العلوم العسكرية، في امتحان كان يؤدي باللغة الإنجليزية، ويتسم بشدة صعوبته، إذ تقدم له وقتها أكثر من ٢٠٠ ضابط، لم ينجح منهم سوى ٧، كان أحمد إسماعيل هو الأول عليهم.


وفي فبراير عام ١٩٥١، حصل أحمد إسماعيل علي رتبة البكباشي، وتم اختياره للعمل كمدرس بكلية أركان الحرب.


تقوم ثورة يوليو ١٩٥٢، دون مشاركة أحمد إسماعيل علي فيها، وبرغم ذلك يصدر قرارا بتعيينه ((مراقب علي الصحف)).


بعدها يطلب محمود سيف اليزل، قائد القوات في رفح، بتعيين أحمد إسماعيل معه في رفح كرئيس للفرقة المتواجدة في تلك المنطقة، فيترك الرقابة العسكرية علي الصحف ثم يتجه لرفح حيث يفاجئ بوجود ((عبد الفتاح فؤاد)) وهو ضابط زميل له في القيادة، فيرفض تولى المنصب علي حساب زميل أقدم منه، وبرغم محاولات سيف اليزل اقناع أحمد إسماعيل بالبقاء، إلا أنه أصر علي موقفه، واتصل بالرئيس جمال عبد الناصر الذي سأله عن المكان الذي يريد الخدمة فيه، فطلب منه إعادته لكلية أركان حرب مجددا.


ومن البصمات البارزة في حياة المشير أحمد إسماعيل علي العسكرية، هي مشاركته في إتمام صفقة الأسلحة التشيكية لصالح مصر عام ١٩٥٥، كما اختير ليشرف علي إنشاء أول تشكيل مقاتل وفقا للعقيدة القتالية الشرقية في الجيش المصري، والذي كانت تشكيلاته تعتمد فيما سبق علي التشكيل الغربي، وتحديدا البريطاني.


ومما يروي في هذا الفصل، أن أحمد إسماعيل رفض طلب ابنته "نرمين" التوسط لزوجها، وكان ضابطا طبيبا ، بعدم السفر للمشاركة في حرب اليمن عام ١٩٦٢، مؤكدا أنه واحد من آلاف المصريين الذاهبين لليمن، وكلهم سواء.


في العام ١٩٥٦، كان أحمد إسماعيل هو أول قائد مصري يدخل بورسعيد بعد جلاء القوات البريطانية والفرنسية عنها عقب فشل العدوان الثلاثي، ثم التحق في نهاية العام باكاديمية "فرونز" العسكرية الروسية الشهيرة.


العام ١٩٦٤، شهد الخلاف الأول بين أحمد إسماعيل وسعد الدين الشاذلي، إذ وصل إسماعيل إلي الكونغو بتكليف من الرئيس جمال عبد الناصر في محاولة لدعم الرئيس الكونغولي "لومومبا" ، الذي انقلب عليه وزير دفاعه، وهناك رفض الشاذلي تلقي تعليمات أحمد إسماعيل، معتبرا أنه قائد قوة تحت علم الأمم المتحدة.


في أعقاب نكسة ٥ يونيو ١٩٦٧، استدعاه الرئيس عبد الناصر وكلفه قيادة قوات شرق القناة، لينجح أحمد إسماعيل في إقامة أول خط دفاعي، وبدأ عملية تنظيم القوات التي تبعثرت في النكسة، وإعادة تسليحها مجددا.


عقب استشهاد الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في ٩ مارس ١٩٦٩ اثناء تواجده علي الجبهة وسط القصف المدفعي، عينه الرئيس جمال عبد الناصر في منصب رئيس الأركان، وهو المنصب الذي استمر فيه حتى ١٢ سبتمبر ١٩٦٩، بسبب حادثة إنزال الزعفرانة.


كان الإنزال الإسرائيلي في الزعفرانة، هو عملية بدأت بهجوم نفذته الضفادع البشرية الإسرائيلية اغرقت فيه لنشي طوربيد مصريين لتأمين الممر المائي لسفن إنزال إسرائيلية قامت بإنزال لعدد ١٠ دبابات علي الشاطئ الغربي لخليج السويس في منطقة صحراوية خالية من القوات المصرية، واتجهت الدبابات الإسرائيلية برا نحو الزعفرانة حيث نقطة بها خمس أفراد وقتلتهم، ثم دمرت موقعا للرادار علي بعد ١٠٠ كم جنوب السويس، واستمرت هذه الاغارة لمدة ست ساعات، تحت حماية من الطيران الإسرائيلي، ثم عادت الدبابات للشاطئ الشرقي للخليج.


في ١٥ مايو ١٩٧١، وهو أكثر أيام الصراع حدة بين الرئيس السادات ومراكز القوى المتبقيين في أهم مراكز الدولة منذ العصر الناصري، استدعاه الرئيس السادات ليتولى رئاسة المخابرات العامة، وبقي في هذا المنصب حتى ٢٦ أكتوبر ١٩٧٢، حين تولى وزارة الدفاع.


بعد الحرب، تم منحه رتبة المشير في ١٩ فبراير ١٩٧٤، اعتبارا من تاريخ ٦ أكتوبر ١٩٧٣ ، ليصبح ثاني ضابط مصري يحصل علي هذه الرتبة بعد المشير عبد الحكيم عامر.


ومما كتب عنه في الصحافة الغربية، ما ذكره الصحفي الإنجليزي ((لويس هال)) في مقال له: "لقد رافقت المشير أحمد إسماعيل، وهو يزور أنقاض خط بارليف، فوجدته يعرف كثيرا من جنوده بالأسم، ويسألهم عن زوجاتهم وأبنائهم، ويقدمهم لمرافقيه من المراسلين علي أنهم الأبطال الحقيقيون في المعركة".


في ٢٥ ديسمبر ١٩٧٤، والذي وافق ثاني أيام عيد الأضحى، توفي المشير أحمد إسماعيل بمرض سرطان الغدد الليمفاوية عن عمر يناهز ٥٧ عاما في أحد مستشفيات لندن، بعد عدة أيام فقط من اختيار (مجلة الجيش الأمريكي) له كواحد من ضمن أكثر من ٥٠ شخصية عسكرية عالمية، أضافت للحرب تكتيكا جديدا.


مذكراتي:


سنحرص في المعرفة للدراسات أن لا نعلق علي المذكرات، وأن لا نحلل النقاط التي أوردناها منها، وأن نتركها للقارئ الكريم كما وردت بنصها الأصلي الذي كتبه المشير أحمد إسماعيل علي، وسنقوم فقط بإجمال بعض النقاط اختصارا لبعض الأحداث.


خير ما أبدا به هذه المذكرات هو جزء من دعاء النبي صلى ﷲ عليه وسلم : ((اللهم اجعلني شكورا واجعلني صبورا واجعلني في عيني صغيرا وفي أعين الناس كبيرا)).


السلاح السوفيتي:

صورة من الخمسينيات، حيث يظهر الرئيس عبد الناصر لا يزال يرتدي الزي العسكري. 


حاول عبد الناصر كثيرا إقناع الولايات المتحدة ببيع السلاح لنا، ولكن كان الرفض دوما موقف واشنطن، ومن هنا جاء التفكير في الاتحاد السوفيتي، وجاءت البداية عام ١٩٥٥، عبر أحد رجال الأعمال الوطنيين ويدعى (محمد أحمد فرغلي باشا) -أممت الثورة ممتلكاته فيما بعد ووضعته تحت الحراسة-، حيث أبلغه سفير الاتحاد السوفيتي في القاهرة استعداد موسكو لبيع السلاح لمصر سرا عبر وسيط لإخفاء الأمر عن الولايات المتحدة.


وتندلع بعد ذلك معارك حرب ١٩٥٦، وأقول إن مسار الحرب أكد فشل المشير عبد الحكيم عامر كقائد عسكري، وكذلك قائد سلاح الطيران الفريق صدقي محمود، وتوقعنا كضباط إقالتهما لعدم إدراكهما حقيقة المعركة التي كنا نخوضها، وكذلك عدم فهمهما لأبسط الأمور العسكرية المتعلقة بالمعارك، ولكن الرئيس عبد الناصر لم يقل المشير عامر، والذي عارض من جانبه أيضا إقالة الفريق صدقي ومحاسبته.


لكن الأمر الذي لم أتفهمه، هو عدم قيام موسكو بتقديم أي دعم عسكري لنا بعد صدور قرار وقف إطلاق النار وإنسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية من القناة.


وعندما بدأ الاتحاد السوفيتي في إعادة دعم مصر عسكريا لتعويض خسائر الجيش المصري في تلك الحرب، كان هناك إصرار غير معلن من قبل موسكو، علي أن يقتصر ما تمنحنا إياه من سلاح علي الأسلحة الدفاعية من دون الهجومية، فلم تستجب لطلبات القاهرة بتزويد قواتنا المسلحة بأسلحة تزيد من قدراتنا الهجومية، وهو ما أستمر حتى قبل نكسة يونيو عام ١٩٦٧.


زمن المؤامرات:

الرئيس جمال عبد الناصر، ثم أحمد إسماعيل ثم المشير عبد الحكيم عامر، ويظهر يسار الصورة الشهيد عبد المنعم رياض. 


كانت مفاجأة للجميع من أول المشير عبد الحكيم عامر حتى قادة القوات المسلحة أن يحضر الرئيس جمال عبد الناصر حفل زفاف ابنتي.


ووقتها بدأ شمس بدران والمشير عبد الحكيم عامر يشعران أن هناك علاقة مستترة بيني وبين الرئيس ناصر، فكانت هناك نية مبيتة للتخلص مني، وابعادي عن القوات المسلحة.


وفي نوفمبر ٦٧ بعد النكسة، كنت قائدا للجبهة، قام الرئيس جمال عبد الناصر بزيارته الأولى للجبهة بعد النكسة، وقال لي باسما: ((هل تفهم في الزراعة؟)).. فقلت له : ((أبدا.. ولا حتى أعرف البرسيم من الذرة، ولم أكن مزارعا ولا فلاحا في يوم من الأيام)).. فقال الرئيس : ((امال ليه كانوا عايزين يعينوك في مؤسسة تعمير الصحاري.. وحياتك قرار تعيينك لسه عندي في الدرج لغاية دلوقتي)).


النكسة والتحدي:

يبدو جالسا من اليمين المشير عبد الحكيم عامر، وبجواره الشهيد عبد المنعم رياض، ثم أحمد إسماعيل 


بالنسبة لي، فقد استقبلت يوم ٥ يونيو ١٩٦٧، وأنا بصحبة الفريق عبد المحسن مرتجي قائد جبهة سيناء، وكنت وقتها رئيس أركانه، كنا نقف في الثامنة والنصف صباحا في مطار تمادا العسكري في انتظار وصول طائرة المشير عبد الحكيم عامر لتفقد أحوال الجبهة.


كان قادة التشكيلات العسكرية بسيناء متواجدين في المطار معنا ليكونوا في استقبال المشير عامر الذي لم يأت، وبدلا من هبوط طائرته، فوجئنا بالطائرات الإسرائيلية تدك المطار علي ارتفاعات منخفضة.


سارعت أنا بالعودة إلي مقري في جبل الميثان بوسط سيناء، وأنا أراجع أحداث الأشهر القليلة السابقة علي ذلك اليوم الذي تتابعت نكباته، وأدركت صدق حدسي في السابق من أننا اندفعنا في مغامرة عسكرية وسياسية غير محسوبة.


بين المشهد العسكري المرتبك في رؤيته وأهدافه، تعرض المقاتل المصري لأسوأ عملية عسكرية لم تتح له فيها حتى فرصة الدفاع عن نفسه وسمعته القتالية، والدليل ما قامت به القوات العسكرية بالعريش التي لم تتوقف عن قتال العدو إلا بعد صدور الأمر السياسي لها من القاهرة بالانسحاب أثناء عملية القتال، وكان الانسحاب ذاته كارثة أخرى.


في صباح يوم ١٤ يونيو ١٩٦٧، أي بعد النكسة بتسعة أيام، اتصلت تليفونيا من الإسماعيلية بالفريق أول محمد فوزي، القائد العام للقوات المسلحة، وسألته عن الموقف الحالي، فأجابني باقتضاب ، طالبا مني أن أتوجه إلي القاهرة لمقابلته.


طلبت اللواء محمود القاضي الذي كان قد تسلم أعمال ((كاتم السر)) ودار بيننا الحوار التالي:


-هل هناك شيء بخصوصي؟.
-نعم.
-هل صدر قرار بإحالتي إلي المعاش كباقي الضباط؟.
-نعم.
-شكرا.


انتهي الحوار القصير، وغادرت سريعا، وطلبت من سكرتيري جمع أوراقي ثم توجهت إلي منزلي 


وعلي الرغم من أنني كنت أتوقع القرار، فإنني لم أجد له تفسيرا، استرجعت جميع تصرفاتي قبل وأثناء وبعد المعركة، فلم أجد ما يشينني فيها جميعا، لكني كنت أشعر بخجل شديد أمام أسرتي وإخوتي، ولم استطع إخفاء عصبيتي حتى أنني انفجرت غاضبا في ابني أثناء حواره معي وقلت له: ((أبوك لم يخطئ ولم يكن جبانا بل أدى واجبه كاملا وأكثر وستثبت لك الأيام ذلك)).


بعد 10 ساعات من إرسال خطاب للرئيس جمال عبد الناصر أشرح له فيه موقفي وصدمتي في قرار استبعادي، وهو ما حدث، كتبت الخطاب وأرسلته ولم أنتظر طويلا.


فوجئت باتصال تليفوني من الفريق أول محمد فوزي وطلب مني أن أزوره في مكتبه، توجهت إليه بملابسي المدنية وفور دخولي عليه بادرني بالقول: ((الرئيس أمر بعودتك إلي الخدمة وستتولى رئاسة هيئة التدريب)).


كان أهم ما ركزت عليه هو إنشاء ما يسمي ((مدارس المعركة المتحركة)) وهي باختصار تعتمد علي إرسال ضباط وفنيين من إدارة التدريب المركزية إلي الجبهة لتدريب الضباط وضباط الصف في فرق تعليمية قصيرة مركزة، وكان لهذه المدارس المتحركة دور كبير في ذلك الوقت، لأن الظروف لم تكن تسمح بعودة الضباط وضباط الصف للتدريب في القاهرة وتغيبهم عن مواقعهم.


وفي يوم 25 يونيو 1967، استدعاني القائد العام وأبلغني بقرار سيصدر بتعييني قائدا للجبهة خلفا للفريق صلاح الدين محسن اعتبارا من 1 يوليو 1967.


كانت القوات مهلهلة تفتقد القيادات والتنظيم، وحالة المعدات سيئة للغاية، وكان الأسوأ من ذلك أن الجنود فقدوا الثقة في ضباط الصف، وضباط الصف فقدوا الثقة في الضباط، والضباط فقدوا الثقة في قادتهم، والقيادة فقدت الثقة في هذه القوات.


لكن يشاء الله أن يوفق الجنود المصريون في تحقيق نجاح منقطع النظير خلال معركة رأس العش، ولم تكن معركة رأس العش وحدها التي رفعت الروح المعنوية للجنود المصريين، بل توالت المعارك الصغيرة الناجحة، ففي يوم 14 يوليو طلبت من الفريق مدكور أبو العز، قائد القوات الجوية قصف العدو الإسرائيلي لرفع الروح المعنوية وتوصيل رسالة للعالم مفادها أن الجندي المصري لم يفقد القدرة علي القتال برغم تفوق العدو.


أصررت أن أكون مثل الجنود في كل شيء، حتى إنني كنت أنام في كشك من الصاج، وأمارس عملي في حجرة خشبية أسفل شجرة، وظللت هكذا حتى سقطت مريضا بفعل الرطوبة والبرد الشديد، فتم بناء حجرة لي تحت الأرض بعيدة عن نيران العدو في حال قصف الموقع الخاص بقائد الجبهة.


وكانت المعلومات قد وصلت لي من بعض البدو الوطنيين بموقع منطقة إدارية في سيناء في شمال الشط، قام العدو بتخزين ما جمعه من سلاح وذخائر وعتاد عسكري تركه الجنود المصريين دون أن يتمكنوا من العودة به من سيناء، وزاد إصراري علي تفجير الموقع لحرمان العدو من الاستفادة منه، فعهدت لمجموعة من خمسة من أبطال الصاعقة بتلك المهمة بقيادة إبراهيم الرفاعي، فعبروا القناة في قوارب صغيرة وقاموا بتلغيم المركز كله ثم عادوا سالمين إلي غرب القناة، ولن أنسي ما حييت مشهد النيران وهي تأكل المركز بالكامل.

 

كما أذكر لإبراهيم الرفاعي عملية أخرى لا تقل عن الأولى في عظمتها، حيث رصدنا عام ١٩٦٩ أنواعا جديدة من الصواريخ المثبتة علي الضفة الشرقية للقناة، فكان لابد من الحصول علي أحدها لمعاينتها وفحص إمكانياتها، فأصدرت أوامري لمجموعة من أمهر المقاتلين يتقدمهم إبراهيم الرفاعي بإحضار أحد تلك الصواريخ، فتسللوا بملابس الضفادع البشرية لموقع العدو في الشط، وهم لا يحملون سوى خناجر وقاطعات أسلاك، واستولوا علي عدد من الصواريخ التي عادوا بها رغم الحراسة الإسرائيلية الشديدة، ولكنهم رجال صدقوا ما عاهدوا ﷲ عليه. 


مشوار الحياة والحرب مع عبد المنعم رياض:


كان عبد المنعم رياض يقول دائما: ((لا أحد يستطيع أن يناقشني في عملي إلا شخص واحد هو أحمد إسماعيل)). 


كان من الصعب علي في بداية الأمر أن أدخل مكتبه، وأجلس علي نفس الكرسي الذي كان يجلس عليه منذ أيام قليلة، في الحقيقة كانت نفسيتي سيئة، وكلما دخلت المكتب شعرت بوجود عبد المنعم رياض، لم أستطع تقبل فكرة أن أدخل المكتب فلا أجده، لذلك رفضت الجلوس في مكتب الفريق رياض لفترات طويلة، واخترت بدلا منه مكتبا مجاورا احتراما لعبد المنعم رياض، وتقديرا له حتى جاء يوم فوجئت فيه بحضور شقيق عبد المنعم بنفسه إلي، وأخذني من يدي ودخل بي إلي المكتب، وقال لي: ((اجلس يا أحمد علي كرسيك))، وعندما رفضت سارع بالقول: ((خلاص.. سأجلس أنا أولا على كرسي عبد المنعم لكي توافق علي الجلوس)). 


كان صديقا أثر في رحيله بشدة، كنا كثيرا ما نتنافس في المعلومات العسكرية، وعندما كنت أكسبه، كان يقدم لي زجاجة كوكاكولا وهو يضحك قائلا بسعادة: ((لك عندي رهان)). لذا لم أتمالك دموعي وهم يخبروني باستشهاده.. كنت أبكي لأدراكي حجم خسارة مصر برحيل هذا الرجل. 


ضربات الاستنزاف:

كان أحمد إسماعيل أحد أبرز قيادات الجيش المصري في حرب الاستنزاف


اعترف موشيه ديان، وزير دفاع العدو، بقدرة قواتنا في حرب الاستنزاف، بعد أن كبدنا جيشه خسائر فادحة حين كنت في منصبي بالقوات المسلحة، وقال ديان في كلمة ألقاها في يوم ٤ أغسطس ١٩٦٩، خلال المؤتمر العام لحزب العمل الإسرائيلي (حزب الأغلبية) :


"إننا نقف أمام حرب تحاول أن تنهك قوات سلاح المشاة، وتدمر التحصينات، وتصيب خطوط المواصلات الخاصة بنا، وتضمن سيطرة جوية مصرية، حتى يتمكن المصريون من عبور القناة عندما يأتي اليوم المناسب لذلك، وهدف إسرائيل هو عبور هذا الصيف، والحصول علي نصر في معركة تلو الأخرى، حتى لا نصل إلي معركة حقيقية، وبلغ عدد أصابتنا منذ حرب الأيام الستة علي الجبهة المصرية ١٣٦٥ مصابا، و٣٢٣ شهيدا، ولكن ما يدعو للقلق أنه منذ شهر مارس ارتفع متوسط المصابين لدينا في كل شهر، فقد كان هناك ٦٥ مصابا في إبريل، ثم ٧٤ في مايو، و٩١ في يونيو، و١٤٠ في يوليو، وهذا رقم يفوق الضعف لأعداد الشهور الأكثر سخونة واشتباكات في الماضي)). 


كانت هذه شهادة العدو في فترة قيادتي، وهي خير دليل وشاهد. 


التقاعد للمرة الثانية:


كنت أدرك أن الفريق فوزي لا يطيق وجودي بجواره. 


وفي يوم ١٢ سبتمبر، طلبني الوزير في التليفون، وكان في مكتبه بمدينة نصر، بينما كنت أنا في القيادة الميدانية، ودار بيننا الحديث الأتي:


-هل ضرب العدو الزعفرانة مرة ثانية صباح اليوم؟. 

-نعم. 

-ولماذا لم تبلغني؟. 

-لسببين، الأول أن مدير المخابرات يبلغكم أولا بأول، وثانيا لأن المفروض ٱن تتواجد سيادتكم معنا هنا. 

-طيب تعال لي المكتب أنا عايزك. 


وهنا علمت من تجربتي السابقة ما سيسفر عنه الأمر، فذهبت ودار الحديث الآتي:


-لقد قرر رئيس الجمهورية تنحيتك عن وظيفتك. 

-هذا الخبر ليس مفاجأة لي، فقد كنت أتوقعه منذ عشرين يوما. 

-لماذا؟. 

-من معاملتك لي، وهذا يحتاج إلي شرح. 

-لابد أن تنحيتك لأسباب عامة، وليست لأسباب خاصة.

-لا أحد دائم في مركزه، وسيأتي اليوم الذي ينهي كل منا عمله. 

-نعم هو هذا. 

-أتمني للوطن وللقوات المسلحة النصر، ومعركة النصر آتية، وستجدني مستعد للعمل في أي وقت وأي وظيفة، حتى لو كنت قائدا لرأس العش. 

-أتمني لك التوفيق. 

-اسمح لي أن أودع زملائي بالوزارة. 

-لا داعي.. يستحسن ألا يتم ذلك. 

-المسألة ليست سرية، وستنشر بالجرائد غدا. 

-لا لن تنشر غدا، سننشرها في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة. 

-طلب لي كوبا من الليمون، ورفضت أن أشربه وقلت له: ((سأشربه في منزلك يوم النصر إن شاء ﷲ)). 


خطة في رسالة لم تذهب إلي صاحبها:


قررت بعد الشهر الأول من إحالتي إلي المعاش أن أكتب مقالات صحفية وأنشرها في جريدة الأهرام، وهو الأمر الذي شجعني عليه أبنائي وزوجتي. 


أحمد إسماعيل في زيارة للجبهة


وبالفعل بدأت في كتابة مقالي الأول، وكان بعنوان ((الحدود الآمنة)) حاولت فيه عرض كيفية تفكير إسرائيل في قناة السويس، حيث تعتبر أنها من الحدود الآمنة بالنسبة لها، لذلك فكرت في السيناريوهات الممكنة لاختراق الحدود الآمنة، ومنها مثلا ((إغلاق خليج العقبة))، ليصبح خليج السويس غير ذي قيمة، وبالتالي لو اخترقت مصر قناة السويس وخط بارليف، وأخذنا جزءا من الضفة الشرقية، سنكون قد كسرنا الحدود الآمنة التي يحتمون فيها، وبالتالي يصبح الجندي المصري في مواجهة مع الجندي الإسرائيلي وجها لوجه. 


وبعد انتهائي من كتابة المقال، وجدت أنها فكرة عسكرية، ولا يجوز أن تنشر، لكنني رأيت كتابتها بالتفاصيل وتبييضها بخط أفضل، وفي البداية كنت أعتزم إرسال هذه الخطة العسكرية إلي الرئيس جمال عبد الناصر، لكنني ترددت خوفا من أن يقال إنني وضعت تلك الخطة كمحاولة لإعادتي إلي القوات المسلحة مرة ثانية، كما خشيت أن تنفذ هذه الخطة بطريقة تختلف عن تصوراتي. 


ورحل الرئيس:


بعد علمي بخبر الوفاة في حوالى العاشرة مساء، لم أتمكن من النوم لأن جمال عبد الناصر زميلي ودفعتي وصديقي، وكان السؤال الذي يؤرقني : كيف سنعوضه، وأخذت بعض المهدئات والمنومات، الأمر الذي أثار قلق زوجتي، لأنني كنت وقتها في طور النقاهة من مرض انسداد شريان بالقلب، واتصلت بمستشفي المعادي فأخبروني أن جميع الأطباء هناك يبكون جمال عبد الناصر، ونصحوني بالبقاء بالمنزل، يومها لم أستطع وقف تداعي ذكريات تلك الأيام التي جمعتنا منذ زمن بعيد منذ تزاملنا في الكلية الحربية، ولا أملك إلا أن أقول : رحم ﷲ الأخ والصديق والرئيس الذي لم يتوان لحظة عن أن يحلم للوطن بكل خير. 


ليلة المطاردة لدخول المخابرات العامة:

اللواء ممدوح سالم وزير الداخلية، الرئيس السادات، أحمد إسماعيل، واللواء طيار حسني مبارك قائد القوات الجوية، يستمعون لخطبة الجمعة في أحد المساجد


وجدت الرئيس السادات يقول لي: ((أنت تذهب يا أحمد للمخابرات العامة، وتأخذ مجموعة من الحرس اذا اقتضي الأمر، وتتولى رئاسة المخابرات، وتخطرني تليفونيا عند إتمام هذه المهمة))، فقلت له: ((حاضر يافندم))، فقال لي الرئيس ضاحكا: ((أنت عارف المخابرات العامة فين))، فرددت : ((طبعا يافندم محمد ابني يعمل بها منذ ٥ سنوات)). 


ويحكي المشير أحمد إسماعيل علي ، أنه استعان بأبنه محمد ضابط المخابرات في دخول المبني، ولم يصطحب معه حراسة كما أخبره الرئيس السادات، كما صحبهم اللواء عادل جبريل نائب رئيس هيئة الأمن القومي بالمخابرات العامة والذي التقوا به صدفة لدي اللواء ليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري، وأيد رأيهم أن لا يصطحبوا حراسة لمبني المخابرات، ثم دخوله مكتب مدير المخابرات، وقيام السيد عادل جبريل باستدعاء قيادات الجهاز، وحضور بعضهم بنفسه دون استدعاء، خاصة أنهم كانوا يتوقعون حدوث ذلك. 


كان من بينهم الوكيل محمد ياقوت، ومنهم الشخص الذي كان يتولي التسجيل لمراكز القوى -علي صبري ومجموعته-، والذي روي لي أن أحمد كامل، رئيس الجهاز السابق، استدعاه في أحد أيام شهر أبريل ١٩٧١، بعد مقابلته للرئيس السادات، وبعد أن استشعر من خلال المقابلة أن التسجيل يتم بدون علم الرئيس، وطلب منه حرق كافة الشرائط وإعطاءه ((تمام)) بذلك، فأعطاه التمام لكنه لم يحرقها، وقدم لي الشرائط كلها عند تولي رئاسة الجهاز، وقال إنه فعل ذلك بدافع وطني، ولحرصه علي الشرعية، ولتقديره أن ما حدث كان لابد أن يحدث. 


كان القرار الأول لأحمد إسماعيل داخل الجهاز هو نقل ابنه من الجهاز، حتى لا يعمل مع والده في نفس المكان لما قد يسببه ذلك من مشكلات. 


رغم قصر الفترة التي عملت بها في المخابرات العامة، فإن الضباط الذين عملوا معي ألقوا القبض علي العديد من المتورطين في القضايا الهامة والكبيرة، والتي كان لها أثر إيجابي فيما بعد علي حرب أكتوبر. 


منها قضية هبة سليم الجاسوسة التي كلفتنا الكثير، ولو لم يتم القبض عليها قبل الحرب، كانت ستحدث فارقا في حرب أكتوبر بشكل كامل، خاصة أنه كان لديها أحد المصادر الهامة داخل الجيش، وجاءت إلي مصر بمعجزة، حيث قمت بإحضار أحد ضابط المخابرات المسئول عن قضية هبة سليم، وقلت له: ((مخول لك سلطات رئيس الجمهورية، وهبة لن تأتي إلا عن طريق والدها لأنه نقطة ضعفها الوحيدة))، فجعلنا والدها يمثل أنه مريض، وأنه في المستشفى فحضرت لرؤيته، رغم أن المخابرات الإسرائيلية حذرتها من السفر إلي مصر، وقالت لها إن مرض والدها مجرد خدعة، إلا أنها رفضت تماما، وقالت إنه أبوها ولابد من أن تذهب لرؤيته، وكان لديها من الغرور والثقة بنفسها لدرجة أن تعتقد أن السلطات المصرية لن تستطيع القبض عليها، لقد كانت المعلومات التي ترسلها هبة سليم علي مستوى عال جدا من السرية والأهمية، وكانت فارقة في مكسب أو خسارة حرب أكتوبر ١٩٧٣ حال استمرار تدفقها. 


وكان أن عرضت علي الرئيس أنور السادات أن يزور المخابرات، وكانت المرة الأولى في تاريخ مصر التي يزور رئيس الجمهورية المخابرات العامة، لرفع الروح المعنوية للضباط، ويومها قال السادات كلمة للضباط، وزار غرفة العمليات. 


ومن ضمن العمليات الهامة لجهاز المخابرات العامة تحت رئاسة أحمد إسماعيل، القبض علي (راند بولو) الذي كان يعمل لحساب السفارة الأمريكية، ومقرب من عدة مسؤولين في مصر، كما زرعت المخابرات المصرية أكثر من ١٠ عملاء قامت بتجنيدهم من بين القوات الإسرائيلية المتمركزة داخل خط بارليف. 


تم بحمد ﷲ الجزء الأول...

ويمكنكم قراءة الجزء الثاني عبر هذا الرابط

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -