زدني معرفة

ضابط صيني منشق يعترف بوجود تعذيب حتى الموت واغتصاب ممنهج ضد مسلمي الأويغور

فيما يشبه وصف لمعسكرات النازيين، اعترف ضابط شرطة صيني منشق بوجود العديد من التكتيكات الوحشية التي تستخدمها الشرطة الصينية ضد مسلمي الأويغور.

شرطي صيني يقف في ساحة تيانانمن بالعاصمة بكين، خلفه تظهر لوحة لمؤسس الحزب الشيوعي الصيني ماو تسي تونغ، Luo Shaoyang، (CC BY 2.0)، Via Wikimedia commons. 


رجال الشرطة والحراس الصينيين في ما تسميه بكين "مراكز إعادة التأهيل"، ارتكبوا تلك الممارسات بحق الأويغور بحسب الضابط الصيني، الذي وصف ما كان يحدث بقوله: ((كان أمرا طبيعيا أن يموت بعض الناس)).


تعذيب الأويغور:


الضابط الصيني الذي يعيش الآن في المنفي في أوروبا، أفاد بأنه كان يعمل في مهام التحقيقات بمكتب الأمن العام. وتحدث عن إساءات جسيمة، مقرا بأنه قد تورط فيها هو أيضا، بحق مسلمي الأويغور المحتجزين في معسكرات مترامية الأطراف أقامتها الحكومة الصينية في منطقة شينجيانغ، التي يعيش فيها أغلبية من الأويغور.


وتشير العديد من التقارير الدولية أن الصين تحتجز ما يصل إلي ٢ مليون مسلم في معسكرات ومراكز إعادة التأهيل (ذكر ضابط الشرطة الصيني أن عددها يصل إلي ١٠٠ معسكر اعتقال).


الضابط الصيني المنشق، والذي يستخدم اسم (جيانغ) للتعريف بنفسه- بسبب مخاوف من أن تنتقم الحكومة الصينية من عائلته التي لا تزال تعيش في الصين-، كشف أنه يتم نقل معتقلي الأويغور إلي المعسكرات في قطارات مزدحمة وفي ظروف شديدة الصعوبة، وكأنهم ينقلون دوابا لا بشر.


الضابط أضاف أيضا أنه يتم استعمال وسائل التعذيب من أجل حمل الأويغور علي الاعتراف بالتهم التي توجه إليهم بأنهم تورطوا في ارتكاب أعمال إرهابية، سواء كانوا رجالا أو نساء أو حتى من الأطفال.


وكان ما وصفه بالغ البشاعة إذ تحدث عن الضرب بالهراوات، تكبيل المعتقلين بالأصفاد في كرسي يصنع من المعدن أو الخشب، وهو مصمم خصيصا لشل حركتهم يسمي "كرسي النمر" حيث يظل في هذه الوضعية لعدة أيام، والتعليق من أسقف الزنازين، والاغتصاب من قبل مسجونين آخرين بشكل جماعي، والصعق بالكهرباء للأعضاء التناسلية، والإيهام بالغرق، والحرمان من النوم، والتجويع، والضرب حتى الموت.


وكأنهم في سلخانة، يقول الضابط الصيني أن كل محقق كان يستخدم ما يحلو له من أساليب. وفي النهاية فإنهم ينعمون بأجور إضافية عن بقية زملائهم في أي مكان آخر في أرجاء الصين.


الأويغور هم مجموعة عرقية، غالبيتهم الكاسحة يدينون بالإسلام، ويتركزون أساسا في منطقة شينجيانغ (يسميها البعض تركستان الشرقية)، إنهم يواصلون العيش في تلك المنطقة منذ مئات السنين.


مداهمات منتصف الليل:


في افادته لما كان شاهدا عليه والتي أدلى بها لوسائل إعلام غربية كشبكة سي إن إن الأمريكية وسكاي نيوز البريطانية، قال الضابط الصيني أن قوات الشرطة الصينية اعتادت مداهمة منازل الأويغور عند منتصف الليل.


لقطة من فيديو مسرب لاعتقال الشرطة الصينية لعدد من الأويغور ، بثته سكاي نيوز. 


تلك المداهمات يسمونها في الصين حملة "الضربة الصينية القوية"، أو China's "Strike Hard" campaign، وهي مستمرة بلا انقطاع منذ عام ٢٠١٧ حتى اليوم ((تتحدث بعض التقارير عن بدايتها منذ عام ٢٠١٤)).


فيها مئات من ضباط ورجال الشرطة المسلحين بالبنادق، الذين يقومون بمداهمات من منزل إلي منزل، في منطقة شينجيانغ، أقصى غرب الصين، يخرجون الناس قسرا من منازلهم، يقيدون أيديهم وأرجلهم ويقومون بتغطية رؤوسهم، ويهددونهم بإطلاق النار عليهم إذا قاوموا.


بعد تلك المداهمات الليلية، يقوم رجال الشرطة الصينيين بتجميع المقبوض عليهم معا، رؤوسهم مغطاة، كل شخصين مقيدان معا، تضمن تلك الأساليب منعهم من الهرب.


الضابط الصيني المنشق (جيانغ) ، اعترف بأن المقبوض عليهم لم يرتكبوا أي جرائم، ويصفهم بالقول: (إنهم أناس عاديون، قبضنا عليهم جميعًا بالقوة طوال الليل).


قطار الآلام :


في رحلتهم بالقطار نحو مراكز الاعتقال، يتم أولا تجميعهم في محطات شحن، وعندما يجتمع ٥٠٠ شخص، يتم نقلهم في القطار، حيث يوضع أكثر من ١٠٠ سجين في كل عربة قطار، وفي عمليات القبض والنقل تلك، يتم تخصيص شرطيين لكل سجين.


أثناء الرحلة بالقطار، لا يتم تقديم الطعام للمقبوض عليهم، كل ما هو مسموح هناك هو استخدام أغطية الزجاجات لمياه الشرب، فقط رشفات من الماء لا أكثر.


الذهاب إلي المرحاض، هو أحد الأشياء غير المسموح بها في قطار الآلام هذا، إنه تعذيب ومهانة للكرامة الإنسانية في رحلة تستغرق في بعض الأحيان يومين حتى يصلون إلي وجهتهم.


أيام الخوف:


عند بدأ التحقيق، وفي أول خطواته، يقوم المحققين بفتح هواتف وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بالمقبوض عليهم، وينقلون كل البيانات الموجودة عليها.


جيانغ أضاف في اعترافاته إنه شعر في البداية بأنه يقوم بمهمة وطنية، أصبح فيها واحدا من ١٥٠ ألف شرطي، يعملون في مراكز الاحتجاز في شينجيانغ، بل إنه كان حريصا علي السفر إلي هناك للمساعدة في هزيمة (التهديدات الإرهابية) التي قيل له أنها تهدد بلاده، في ذات الوقت كان حريصا علي الترقية.


يقول جيانغ أن قائده طلب منه تولى منصب محقق في المعسكرات في شينجيانغ، وهو يقول له: ((إن القوات الانفصالية تريد تقسيم الوطن الأم، ويجب أن نقتلهم جميع)).


لكن سرعان ما أصيب بخيبة أمل بسبب الانتهاكات التي ارتكبت ضد المحتجزين، والذين كانت لا تزيد أعمارهم عن ١٤ عامًا في بعض الأحيان.


قال جيانغ ، متذكرا كيف كان هو وزملاؤه في الشرطة يستجوبون المعتقلين في مراكز الاحتجاز: (كانت الطريقة التي تستخدم في البداية هي ركلهم ، وضربهم حتى يصابوا بكدمات وانتفاخات، وحتى يركعوا على الأرض وهم يبكون).


ويضيف ضابط الشرطة الصيني المنشق أنه وفي خلال خدمته في شينجيانغ والتي استمرت لسنوات، تعرض جميع المعتقلين الجدد للضرب، ولم يكن هناك أي استثناء أو تفرقة بين النساء والرجال والأطفال الذين كانت تقل أعمارهم عن ١٤ سنة.


لا تنتهي حفلات التعذيب تلك إلا بعد أن يعترف الناس بارتكابهم لجرائم إرهابية، حينها يتم إدخالهم إلي أحد المئات من مراكز الاعتقال والسجون، أو مراكز إعادة التأهيل كما تسميها الحكومة الصينية.


وفي تصنيفه لزملائه، قال جيانغ إن بعض الضباط الذين زاملهم في تلك المهام كانوا يرون ما يقومون به وظيفة تدخل ضمن أعمال الشرطة والأمن العام، لكن بعضا منهم كانوا مرضي نفسيين بالفعل، يتلذذون بإيلام الناس.


تأتي أهمية شهادة جيانغ، ليس فقط لأنه ضابط شرطة صيني منشق ، بل لأنه ينحدر من قومية (الهان) ، التي تشكل غالبية السكان في الصين ، بنسبة تصل إلي ٩٠ في المائة من السكان، وهي بطبيعة الحال القومية المسيطرة علي مفاصل الحكم في البلاد.


تأكيدا لمصداقيته، قدم جيانغ لوسائل الإعلام التي التقت به زي الشرطة الخاص به، علاوة علي وثائقه الرسمية، وصور ومقاطع فيديو لما وثقه من داخل معسكرات الاحتجاز.


وتقول شبكة سي إن إن، أنها قد أعدت تقرير سابق، تطابق مع شهادة الضابط، وورد فيه ما قاله (عبد الولي أيوب)، وهو باحث من الأويغور يبلغ من العمر ٤٨ عامًا من شينجيانغ ، كان قد صرح في التقرير أنه تعرض للاغتصاب الجماعي من قبل أكثر من عشرة سجناء آخرين بعد أن أمرهم عدة حراس بذلك. في النهاية، قال إنه تم إطلاق سراحه من المنشأة في نوفمبر ٢٠١٤ بعد أن أُجبر على الاعتراف بارتكاب جريمة "جمع الأموال بشكل غير قانوني".


نفي صيني:


تنفي الصين بشدة تلك الاتهامات، وتصفها بالمزاعم الغربية ضدها، أو (كذبة القرن) كما تسميها، وتحاجج بأن المواطنين في شينجيانغ (يعيشون سعداء).


تعتبر الصين اتهامات اضطهادها للأويغور مؤامرة غربية عليها، وتقول أنهم مواطنين صينيين يتمتعون بثمار تنمية بلادهم، صورة لسوق المواشي في كاشغر، منطقة شينجيانغ ، ChiralJon، (CC BY 2.0)، Via Wikimedia commons.


وردا علي شهادة ضابطها المنشق، وفي تصريح لشبكة سكاي نيوز البريطانية، قال إليجان أنايات ، المتحدث باسم حكومة شينجيانغ: ((الصين دولة يحكمها القانون. تتصرف الشرطة وتتعامل مع الجرائم وفقًا لقوانين جمهورية الصين الشعبية ذات الصلة. يُحظر سجن الأشخاص بشكل غير قانوني وتعذيب الأشخاص لإجبارهم على الإدلاء باعترافات)).


كما قدم مسؤولون من حكومة شينجيانغ يوم الأربعاء الماضي رجلاً في مؤتمر صحفي قالوا إنه معتقل سابق ، ونفى هذا الرجل وجود تعذيب في المعسكرات ، ولم يتضح ما إذا كان يتحدث تحت الإكراه من عدمه. 


إليجان أنايات ، المتحدث باسم حكومة شينجيانغ، أضاف: ((يجب أن تحمي الشرطة جميع حقوق المشتبه بهم. لذا فإن الأشياء التي قالها ذلك الرجل بأن المسؤولين لم يكونوا يسمحوا لهم بالذهاب إلى دورات المياه وأنهم لا يملكون ماء للشرب وهكذا ، هي أشياء لا وجود لها)).


ومن ضمن ما تستند عليه الصين في نفي تلك التهم عنها، أنه ووفقا لأرقامها الرسمية زاد عدد سكان الأويغور من ٨،٣٤ مليون نسمة في عام ٢٠٠٠ إلى ١١،٦٧ مليون نسمة في عام ٢٠٢٠، وأن ذلك يجعل متوسط معدل النمو السكاني للأويغور ١،٥٢٪، بينما متوسط معدل النمو السكاني لبقية الأقليات العرقية في شينجيانغ يقف عند ١،٤١٪.


وفي نهاية شهر سبتمبر الماضي ٢٠٢١، نشر مجلس الدولة الصيني "كتاب أبيض" تحدث فيه عن تطور مستوى تعليم الأويغور، إذ وبحسب الكتاب فإن ٨٩٤٤ شخصاً من بين كل ١٠٠ ألف شخص من الويغور تلقوا تعليماً جامعياً، بزيادة قدرها ٦٥٤٠ شخصا مقارنة مع عام ٢٠٠٠.


وكان "تشاو لي جيان" المتحدث باسم الخارجية الصينية قد شن في يونيو الماضي هجوما عنيفا علي محاكمة عقدت في لندن لتقييم تقارير اضطهاد الصين للأويغور ، واصفا إياها بالمسرحية الهزلية المعادية للصين.


من واشنطن إلي كابل:


هذه الإفادة الجديدة من شرطي قال أنه كان جزءا مما حدث، تضاف إلي الأدلة المتزايدة علي الانتهاكات المرتكبة ضد مسلمي الأويغور في شينجيانغ، تلك الانتهاكات التي وصفتها إدارة الرئيس الامريكي جو بايدن هذا العام بأنها "إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية".


في أبريل / نيسان ، أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش Human Rights Watch المعنية بحقوق الإنسان تقريرًا من ٥٣ صفحة عن الصين ، يشرح بالتفصيل الاحتجاز والتعذيب والاختفاء والمحو الثقافي لعرقية للأويغور في شينجيانغ. في نفس الشهر اعتبر عددا من النواب البريطانيين أن الأويغور والأقليات العرقية والدينية الأخرى في منطقة شينجيانغ الصينية يتعرضون للإبادة الجماعية.


بينما سبق لأفراد من قومية الأويغور أيضا التحدث لوسائل إعلام دولية عن أفعال تتماثل مع شهادة الضابط جيانغ، كما وقام عدد منهم بالشهادة في جلسات استماع في الكونجرس الأمريكي بشأن الموضوع.


كما فرضت المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي عدد من العقوبات على المسؤولين الصينيين المرتبطين بشينجيانغ.


وعلي ما يبدو ، فإن ما يحدث للإيغور له ارتدادات من واشنطن ، مرورا بأوروبا، وصولا حتى إلي أفغانستان المجاورة للصين، فبعد سيطرة طالبان الشبه أسطورية في سرعتها علي البلاد قبل الانسحاب الأمريكي منها بأيام في أغسطس ٢٠٢١، بدأ العالم ينظر إلى الصين وهي تستعد لخلافة الولايات المتحدة في أفغانستان.. واستعداد طالبان للتعاون معها من أجل استغلال ثروات البلاد المعدنية الهائلة.


من ضمن الملفات التي تهم الصين في أفغانستان أيضا ، هي أبناء قومية الأويغور الفارين من الصين إلي أفغانستان كملاذ آمن لهم، وهذا الملف بالذات هو أحد أهم الملفات التي سترسم خلافة الصين لأمريكا في أرض الأفغان.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -