زدني معرفة

الصين تستعد لخلافة الولايات المتحدة في أفغانستان.. وثروات البلاد المعدنية في الانتظار

 تشعر الصين بالسعادة الغامرة لرؤية الولايات المتحدة الأمريكية وقد ذلت في أفغانستان، وبالتأكيد فإن الصينيين لا يشعرون بالحب تجاه طالبان، لكنهم مستعدين بالرغم من ذلك للتعامل معهم.

الجنرال كريس دوناهو، قائد الفرقة ٨٢ المحمولة جواً، التابعة  للفيلق الثامن عشر المحمول جواً بالجيش الأمريكي، يستقل طائرة شحن عسكرية طراز سي-١٧، إنه آخر عسكري أمريكي يغادر أفغانستان بعد عشرين عاما من الحرب هناك، الثلاثاء ٣١ أغسطس ٢٠٢١، U.S Central Command 


ترغب الشركات الصينية في الفوز بعقود استخراج المعادن التي تزخر بها أفغانستان، كما يهمها التعاون مع طالبان للقضاء علي وجود حركة تركستان الشرقية ووجود الأيغور بشكل عام في أفغانستان تماما.


امان كامل:


عندما وصل العالم إلي ظهر يوم ١٧ آب / أغسطس ٢٠٢١، ذلك اليوم الذي انتشرت فيه مشاهد الرعب مع حصار طالبان لكابل.. وتبدأ مفاوضات لدخولها دون قتال وعزل الرئيس.. والأمريكيين يطلبون مهلة أسبوعين للإجلاء.


الحصار الذي لم يستمر سوى ساعات لينتهي بدخول طالبان للعاصمة الأفغانية وفرار الرئيس أشرف غني


في ذلك الجو المضرب شديد الاضطراب، والباعث علي القلق بشدة، كانت السفارة الصينية في أفغانستان تنعم بالهدوء. 


وبينما كانت كل السفارات والدول تتسابق لإجلاء موظفيها ورعاياها عبر مطار كابل، كان السفير الصيني يلتقط بهاتفه الذكي صورا تبرز مدى الأمن المحيط بمبني سفارته.


الصحفي الصيني "هو شيجين"، محرر صحيفة تابلويد التابعة للحزب الشيوعي الصيني الحاكم، نشر بفخر شديد تلك الصور علي وسائل التواصل الاجتماعي.


أظهرت الصور العلم الصيني يرفرف في ذلك اليومي الصيفي الحار في كابل، أما الأبواب الأمامية للسفارة فلم يكن هناك من يحرسها أصلا، فقط مجرد مزهرية خزفية طويلة، ما يعكس حالة الاطمئنان الكامل في مبني السفارة.


مغازلات متبادلة:


برغم أن الصين لم تعترف رسميا بطالبان كحاكم شرعي لأفغانستان، فإن المغازلات لم تتوقف من بكين، ما يكشف عن وجود مصالح مشتركة يراها الطرفين جيدا، وسيسعيان بكل تأكيد لاتمامها.


ومنذ سقوط أفغانستان في يد طالبان، تشن وسائل الإعلام الصينية حملة تظهر مدى الراحة الكبيرة التي يشعر بها الصينيين تجاه الهزيمة الأمريكية هناك، علي الأقل حتى يومنا هذا. 


كذلك يفعل الدبلوماسيين الصينيين الذين لم يفوتوا أي فرصة لإظهار التباين بين الإنسحاب الفوضوي لأمريكا وحلفائها، وبين ترحيب بلادهم بالوضع الجديد.


ففي اليوم التالي مباشرة لسقوط كابل، أعلنت الصين أنها مستعدة لبدء علاقات ودية مع الحركة.


وكنوع من رد الغزل، قال المتحدث باسم الحركة، محمد نعيم، في حديث لقناة "الميادين" اللبنانية في الخامس والعشرين من أغسطس الماضي، أن علاقات حركته مع عدة دول كإيران والصين وباكستان وأوزبكستان وغيرها ليست جديدة، وأن هذه الدول لا تشعر بالقلق من حركته. واصفا الصين بالدولة الجارة التي تجمعهم معها علاقات جيدة.


لكن الشئ الأكثر بروزا في حالة الغزل المتبادلة تلك، أن قناة "سي جي تي ان" الحكومية الصينية، أجرت مقابلة مع المتحدث الرئيسي باسم طالبان ذبيح الله مجاهد، ومن المعروف أن وسائل الإعلام الصينية لا تتحرك إلا وفق الخط الرسمي للدولة وللحزب الشيوعي.


أما يوم الثلاثاء الماضي، قال "وانج ونبين" المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية بأن "أفغانستان نجحت في تحرير نفسها تمامًا من الاحتلال العسكري الأجنبي".


نموذج العلاقات:


علي ما يبدو، فإن الصينيين يخططون لبدء نموذج مميز للعلاقات سيربطهم بطالبان، سيقوم أساسا علي التوازن بين المصالح الأمنية والاقتصادية للطرفين. بدلا مما صدع به الأمريكيين رؤوسهم ورؤوس الأفغان ورؤوس العالم كله طيلة عشرين عاما من حديث عن أهدافهم السامية في جعل أفغانستان ديمقراطية، يمكن للفتيات فيها الذهاب إلي المدرسة.


قد نصبح أمام نموذج علاقات لا يقوم علي مودة بين طرفيها، وإنما علاقة مصالح مشتركة، يرغب كل طرف فيها تحقيق أهدافه المحددة بدقة، وفي سبيل ذلك لا مانع من الاتصالات المكثفة وربما العلاقات الرسمية.


الصين وصفت انسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان بأنه سيمكنها من فتح صفحة جديدة بعد ٢٠ عاما من الاحتلال الأجنبي، صفحة قد ترثها الصين وتكتب فيها كل ما تريد.


الإيغور:


هناك ملف هام ستسعي الصين لربحه في العلاقة مع طالبان، إنهم الإيغور أو الأويغور، وهم أبناء عرقية صينية يعتنقون الدين الإسلامي ويعيشون في مقاطعة شينجيانغ الحدودية اللصيقة بأفغانستان.


وقد تتالت العديد من التقارير التي تتحدث عن توتر كبير بين الطرفين منذ سنوات، وبعضها يعود تاريخه إلي عقود خلت، أدي في عديد من المناسبات لسقوط ضحايا خصوصا مع ظهور حركة "تركستان الشرقية الإسلامية"، والتي تري أن شينجيانغ هي في الأصل أرضا غير صينية، احتلتها بكين، وترغب في الاستقلال عنها.


تتهم الصين الحركة أنها نفذت أكثر من ٢٠٠ هجوم بين عامي ١٩٩٠ : ٢٠٠١، سقط ضحيتها ١٦٢ شخص، وهي حركة إرهابية لدي الصين، الولايات المتحدة الأمريكية -رفعت أمريكا الحركة من قوائم الأرهاب لديها عام ٢٠٢٠-، الأمم المتحدة.


علي الجهة المقابلة، تحدثت تقارير أخرى عن معسكرات جماعية تضع فيها السلطات الصينية أبناء تلك القومية لعلاجهم من بعض الأفكار فيما تسميه الحكومة الصينية بإعادة التأهيل. وتحكم المقاطعة كلها بقبضة حديدية تشمل الرقابة علي المساجد.


كانت أفغانستان في ظل الوجود الأمريكي ومن قبله، تمثل ملاذا آمنا لهؤلاء، إذ هربوا إليها عبر عقود من خلال الحدود الجبلية القصيرة بين الصين وأفغانستان، لكنهم اليوم أصبحوا لا يثقون في أمانهم في أفغانستان، بل قل مطمئنا أنهم انتقلوا لخانة النقيض.


سترسم بكين خطا أحمر لطالبان لا يمكن أبدا تجاوزه أو حتى التفكير في الاقتراب منه، هو أنه لن يكون مسموحا لأيا من الأويغور الاقتراب من الحدود مع الصين. سيبقوا داخل أفغانستان إلي الأبد، أو إلي الوقت الذي تقرر فيه الصين أن تعيدهم جميعا إليها، كمواطنين صينيين في الأساس ضلوا الطريق، ولابد من إعادتهم للتأهيل في معسكراتها.


ربما لا تخشى الصين من الايغور المسالمين الذين هاجروا إلي أفغانستان، والذين يبدوا أنهم أصلا سيسعون لترك أفغانستان لا للصين مجددا، بل إلي تركيا.


وجد العالم وفد طالبان في قلب بكين قبل نحو أسبوعين من سيطرته علي البلاد، يلتقي بأبرز مسؤولين الخارجية الصينية. 


لكن مبعث القلق الحقيقي أن يخطط الأويغور المسلحين، بمن فيهم ذوي الخبرة القتالية من المعارك التي شاركوا فيها في سوريا، أو الذين يتدربون في إيران، في دخول شينجيانغ عبر الحدود القصيرة ذات ال٧٦كم طول، والتي تجمعها مع أفغانستان.


وبالرغم من أن التضييق علي الأويغور في باكستان تحت حكم طالبان سيناقض الصورة التي تقدمها طالبان عن نفسها وما تبرزه من أفكار باعتبارها حركة إسلامية، فإن طالبان وعلي لسان زعيمها السياسي، الملا عبد الغني بارادار، أخبرت وزير الخارجية الصيني في ٢٨ يوليو الماضي أن طالبان لن تسمح أبدًا لأي قوة باستخدام الأراضي الأفغانية "للانخراط في أعمال ضارة بالصين"... كان ذلك رد طالبان الرسمي علي طلب وزير الخارجية الصيني بأخذ إجراءات رادعة ضد حركة تركستان الشرقية.


نعم، لقد زار وفد من حركة طالبان العاصمة الصينية بكين قبل حتى سقوط كابل بما يزيد عن أسبوعين، والتقي هناك بزعماء السياسة الصينية، إن هذا في العرف السياسي والدبلوماسي الدولي، بمثابة إعتراف صيني ضمني بطالبان.


الاقتصاد:


تتوق طالبان لتحسين اقتصاد أفغانستان المتهالك، ولو نجحت في هذه القضية فإنها ستكسب الاعتراف الشعبي، اعتراف الناس في أفغانستان وخصوصا سكان المدن بشرعية حكمها.


لدي الصين ما تحتاجه طالبان من استثمارات في الطرق والبنية التحتية، والغنيمة الكبرى.. مناجم أفغانستان المليئة والحبلي بالمعادن، والتي تقدر بحسب إحصاءات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، بتريليون دولار أمريكي، إنها حلم وفرصة لا تعوض لكل شركات ومصانع الصين.


كما أن الشركات الصينية لديها بالفعل عقود ربحتها بالفعل منذ سنوات للتنقيب عن المعادن واستخراجها. ولا تزال لم تنفذها حتى اليوم.


هناك تقديرات أخرى أن كميات المعادن في أفغانستان تعادل ٣ أمثال هذا الرقم، وعلي أي حال فإنها تتنوع بشكل مثير للحماس بين النفط والغاز الطبيعي والنحاس الذي يتركز في منجم أيناك للنحاس ثاني أكبر منجم نحاس في العالم، والذهب والفضة واليورانيم والحديد والبواكسيت والرخام والرصاص، كما تملك أفغانستان كميات مهولة من الليثيوم "منحها لقب سعودية الليثيوم"، وهو المعدن الذي سيكون عصب حياة صناعة بطاريات السيارات الكهربائية التي تغزو العالم حاليا، وكذلك صناعة الألواح الشمسية التي تتماشي مع سعي العالم نحو مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة.


كل ذلك وغيره مما يطول ذكره من معادن ونفائس. كان مبررا لجعل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والذي عرف عنه التفكير في الاقتصاد قبل كل شيء، يفكر في البقاء في أفغانستان فقط من أجل استغلال ثرواتها المعدنية.


بخلاف المعادن، فإن أفغانستان قد تحصل علي بنية تحتية هائلة فيما يتعلق بالطرق، القطارات، المطارات، كجزء من المشروع الصيني الأبرز والأضخم هذا القرن وهو مشروع "الحزام والطريق" الذي تهدف الصين من وراءه لربط تجارتها مع أوروبا عبر آسيا وأفريقيا بطرق برية وبحرية وجوية.


التقييم:


ربما، ونقول ربما لن تعترف الصين بطالبان أو بحكومتها، وإن كنا نستبعد ذلك، ونري أن الاحتمال الأكبر هو الاعتراف الرسمي الصيني بالحكومة التي ستشكلها طالبان، لكن مسألة إقامة علاقات ولو مستترة بين الطرفين خرجت من دائرة الاحتمالات ونزلت إلي أرض الواقع. والرهان الآن إلي أي مدي سترث الصين أمريكا في أفغانستان دون أن تطلق طلقة واحدة.


تعلم الصين جيدا أن جارتها أفغانستان كانت مطمعا لكثير من الغزاة السابقين، البريطانيين ثم السوفييت ثم الأمريكيين وتحالفهم الدولي، لكنها رأت كل هؤلاء تردهم أفغانستان مهزومين مدحورين. لذا فإذا كان هناك أفغان توكلهم في الدفاع عن مصالحها هناك، فقد تنجح هي في تحقيق المعادلة التي فشل فيها الجميع، ويكون لها ملك أنهار المعادن تجري من تحتها.


لقد أخر الغزو الأمريكي لافغانستان عام ٢٠٠١، ما كانت الصين تحاول فعله منذ التسعينات بتحقيق ولوج ناجح نحو ثروات أفغانستان الكامنة في باطن أرضها، لكنها اليوم لا تجد ما يمنعها، حتى الآن علي الأقل.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -