زدني معرفة

غزو التطبيقات الصينية.. لماذا تدفع بعض التطبيقات الصينية مالا للاشتراك فيها

 كانت مباريات بطولة أوروبا لكرة القدم للمنتخبات يورو ٢٠٢٠، حماسية هذا العام، برغم تأجيلها لعام كامل عن موعدها الأصلي بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد. وبينما كان اللاعبون يستعرضون مهاراتهم علي أرضية الملعب، كانت اعلانات تطبيق تيك توك tik tok الصيني الشهير لا تتوقف عن الظهور في شاشات الإعلانات بالملعب.


اصبح تطبيق تيك توك في سنوات قليلة أحد أوسع التطبيقات انتشارا علي مستوي العالم، Solen Feyissa, Attribution-ShareAlike 2.0 Generic (CC BY-SA 2.0), Flickr 


لم يكن ذلك حدثا استثنائيا، أو حتى مجرد استغلالا لحدث رياضي عالمي يشاهده مئات الملايين من البشر حول العالم، وتتنافس الشركات في مختلف المجالات علي عرض اعلاناتها فيه، بل كان في حفطقيقته جزءا من عصر جديد، عصر غزو التطبيقات الصينية.


غزو صيني:


في العقود الماضية، غزت المنتجات الصينية أسواق العالم، من الأبرة مرورا بالسيارات والهواتف المحمولة والاجهزة المنزلية، وصولا إلي أسلحة الجيوش، لكننا اليوم نشهد غزوا جديدا أبطاله هذه المرة تطبيقات صينية علي الهواتف المحمولة.


يحدث ذلك برغم وجود اختلاف كبير بين التطبيقات الصينية، وبقية التطبيقات الشهيرة حول العالم.


فاذا كنت في الصين، ستشعر أنك في كوكب آخر، كل تطبيقات هاتفك فيه مختلفة عن ما اعتدته خارج حدود هذا الكوكب، مثلا ستجد أن برنامج المحادثات الأساسي هناك هو "وي شات we chat" وليس الواتس اب Whats app، وإذا ما أردت أن تتسوق عبر الأنترنت فلديك "علي بابا Alibaba" وليس آمازون Amazon، واذا احتجت لسيارة تقلك لمكان ما فهناك ديدي DIDI وليس أوبر UBER... وعلي هذا السياق تسير التطبيقات في الصين، فكل تطبيق تحتاجه هناك ستجده صينيا مماثلا لبديله الأمريكي أو الاوروبي المطروح في بقية أرجاء الأرض.


اعتمدت هذه التطبيقات الصينية في انطلاقتها علي السوق المحلي، في بحر هائل متلاطم من البشر مع مليار وثلاث مائة مليون نفس، إنه رقم كافي لتصبح هذه التطبيقات من الأكبر عالميا دون أن تجلب مستخدم واحد من خارج الصين.


التحول:


برغم ذلك، فإن بعض التطبيقات خرجت من السوق الصيني لتستهدف الأسواق العالمية. أخذ هذا الخروج يتنامي حتى أصبح يشبه حالة الغزو الإلكتروني، فالتطبيقات الصينية الآن تطاردك في كل مكان، بل إن البعض أصبح يطاردها من أجل تحقيق الربح من ورائها.


شعار شركة لايكي الصينية وتطبيقها المتخصص برفع الفيديوهات وعرضها، الموقع الرسمي للشركة، licensed under the Creative Commons Attribution-Share Alike 4.0 International 


فالأكثر إثارة أن عددا من التطبيقات الصينية التي شقت طريقها نحو العالم، قدمت شيئا إضافيا بدا خياليا للوهلة الأولى، إنها ستدفع لك المال عندما تشترك فيها، وزادت الأمور إلي حد أن أصبحت المبالغ التي تدفع تراكمية، اذا ما دعوت آخرين من أصدقائك أو غيرهم بأي مكان علي الإنترنت لتنزيل تلك التطبيقات واشتركوا بالفعل من خلالك.


كان الأمر مغريا حقا بالنسبة للكثيرين الذين وجدوا ربحا سهلا وأموالا تنزل عليهم بمجرد ضغطات زر علي الهاتف دون تعب أو عناء، وبدأت بعض الدول تشهد حالة من تناثر تلك الدعوات في كل مكان.


حالة من البحث الجنوني أصابت الكثيرين وهم يبحثون عن تلك التطبيقات التي تمنحك مالا، العنواين الجذابة تنتشر هنا وهناك، كما تزداد عمليات البحث عنها عبر جوجل بصورة مذهلة، وجدنا عناوين من قبيل:


  • احصل علي.... دولارات عند التسجيل في هذا التطبيق.
  • حقق الربح بسهولة من تطبيق.
  • اربح المال مجانا بهذه الطريقة.
  • اجمع المكافآت وأكسب المال.
  • تطبيق يعطي مالا.
  • ربح المال من التطبيقات.
  • تطبيقات لربح المال في....
  • تطبيقات لربح المال ٢٠٢١.
  • تطبيقات لربح المال ٢٠٢٢.
  • أفضل تطبيق لربح المال من الإنترنت.
  • أفضل ١٠ تطبيقات لربح ١٠٠٠ دولار في الشهر.
  • أفضل ١٠ تطبيقات لربح ١٠٠ دولار في الشهر.


الوقار:


لكن سيكون من الظلم البين في تتبعنا لمسار التطبيقات الصينية المنتشرة عالميا أن نعمم عليها ذلك الحكم، فهناك تطبيقات صينية أخذت لنفسها طريقا ومنهاج عمل اتسم بالوقار في التعامل مع مستخدميها، جعلها لا تختلف عن التطبيقات الأمريكية العملاقة، وصنعت لنفسها مكانة عالمية مرموقة في مجالها.


لدينا علي سبيل المثال شركة ديدي DIDI، التي تقدم سيارات الأجرة والسيارات الفاخرة للنقل بحسب الطلب، وتعد المنافس الصيني لشركة أوبر، والتي وصل عدد مستخدميها نصف مليار شخص في الصين، بخلاف مستخدميها في الخارج، إذ تتواجد في أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأدنى.


محترفي ومحبي الألعاب الإلكترونية يعرفون جيدا شركة "تين سينت Tencent"، والتي تشمل قائمة منتجاتها كذلك منتجات وخدمات لتطوير حياة الناس، ووصلت لتقديم خدماتها لأكثر من مليار شخص حول العالم.


وحتى التطبيق الاخباري ذائع الصيت في عدة دول، "أوبرا نيوز هاب Opera News Hub"، والذي وإن دفع أموالا فلقد دفعها فقط مقابل عمل حقيقي وجاد للكتاب الذين يبذلون جهدا في إعداد مواضيع تثقيفية في مختلف العلوم والمجالات، واشترط عليهم التطبيق وضع مصادر موثوقة لكتاباتهم، ولم تدفعها اعتباطا أو لمجرد جلب مستخدمين جدد، بل قدمت فرصة حقيقية لابراز مواهب صحفية ومن محبين الكتابة الجدد في عدد من الدول حول العالم، فمثلت تجربة صحفية فريدة من نوعها.


ظاهرة دفع المال:


إذن ماهي الإجابة عن السؤال الذي يقول: لماذا اندفعت "بعض" التطبيقات الصينية لدفع أموالا مقابل اشتراك الناس فيها؟.


شيئا يبدو خياليا حدث بالفعل، وجدنا تطبيقات مثل تيك توك Tik tok، وبيجو لايف bigo live، ولايكي Likee، وغيرها في قائمة طويلة من التطبيقات تحث الناس علي الإشتراك بها ودعوة الآخرين كذلك، والمقابل مال سيدفع.


فهل تظن عزيزي القارئ أنك حصلت علي المال مقابل هذا الشيء البسيط؟.. أنك لم تضحي بشيء غالي في المقابل؟.


الإجابة، وللأسف الشديد هي "لا".. وعن ذلك يقول خبير أمن المعلومات المصري الدكتور محمد الجندي أن السبب الرئيسي وراء قيام التطبيقات بدفع أموال للمشتركين فيها هو الصراع بين تلك الشركات علي معلومات المستخدمين.


الدكتور الجندي أضاف أن هذه الشركات تسعي وراء جمع معلومات المستخدمين، وهناك حرب محمومة علي هذه المعلومات بين الكثير من الشركات كفيسبوك وتيك توك، وغيرهما، وبالتالي يهم تلك التطبيقات الوصول لأعداد أكبر من المستخدمين، للوصول للمعلومات الخاصة بهم.


وفي حديثه عن هذا الملف عبر قناته الخاصة علي اليوتيوب، قال خبير أمن المعلومات البارز أن شركة تيك توك استخدمت طريقة دفع المال مقابل الاشتراك لجذب المستخدمين لمنصتها، وأضافت لها اتاحة فرصة لمستخدميها أن يسوقوا للتطبيق، ويجلبوا المزيد من المستخدمين، ومع كل مستخدم جديد تزيد أرباحهم.


الدكتور الجندي أوضح أن تطبيق تيك توك قام بإضافة بعض الاعدادات التي قد يفعلها البعض دون الإنتباه، وتسمح للتطبيق بالوصول لبيانات الأشخاص المسجلين علي الهاتف ويستخدمون تطبيق تيك توك، بل وحتى الذين لا يستخدمون التطبيق، وبالتالي يجمع معلومات كل هؤلاء بسهولة.


حاجة تيك توك لمعلومات المستخدمين اذن هي الدافع الأساسي وراء تلك السياسة، وذلك رغبة منه في جمع معلومات المستخدمين بشكل يعادل أو يقترب من المعلومات التي تملكها المنصات العالمية المشهورة التي سبقته في العمل، ولديها بالفعل كميات كبيرة من تلك البيانات علي غرار فيسبوك وانستجرام، وهو الهدف الذي يبدو أنه قد قام بخطوات كبيرة من اجل تحقيقه.



وحذر الجندي من الاعتقاد بأن هذا المال لا مقابل له، بل وأضاف أن هذه الطريقة ليست وسيلة مضمونة أو مستمرة لكسب المال، بل هي تشبه إلي حد كبير فكرة "التسويق الهرمي" الذي انتشر منذ عدة سنوات، ونصح بأن لا يضيع أحد وقته في مثل هذه التصرفات التي قد تؤدي إلي كوارث لا يعلم أحد مداها، ناصحا من يريد الربح من الإنترنت بالعمل والاجتهاد والتعب لتقديم أشياء ذات قيمة وهذه هي الطريقة التي يستطيعون الربح منها.


بخلاف تضحيتك بخصوصيتك أنت وأحبائك ومعارفك علي قارعة الطريق في تلك التطبيقات، فمهما دفعت لك تلك التطبيقات من أموال، فهي ستربح المزيد منها، بصورة مباشرة عن طريق الإعلانات، إذ يتنافس المعلنين علي وضع اعلاناتهم بتلك التطبيقات المكتظة بالبشر، وكذلك عن طريق الارتفاع الكبير في أسعار أسهمها في أسواق المال، إذ تقيم التطبيقات والمواقع الإلكترونية المدرجة في أي بورصة بشكل أساسي عن طريق أعداد المشتركين فيها.


بخلاف كل هذا، يشير بعض المتخصصين إلي أن حوادث تسريب المعلومات أو بيانات المستخدمين تحدث أحيانا بسبب اختراقات أو نتيجة تصرف غير قانوني للشركة التي تملك البيانات تسمح بتسريبها لطرف ثالث من خلاله، لكن هذه الحوادث عندما تحدث في شركات أمريكية، يتم الكشف عنها ،حتى ولو مضي بعض الوقت عنها، ويحذرون في ذات الوقت أنه علي النقيض من ذلك قد لا تسمح الشركات وربما الحكومة الصينية نفسها بكشف اي اختراقات من هذا النوع، ما يجعل المستخدم الذي انتهكت بياناته الشخصية الحساسة لا يعلم بحدوث ذلك من الأصل. 


نقطة نظام:


داخل هذه الغرف، تحفظ الشركات الكبرى بيانات الملايين من البشر في ذاكرة الحواسيب العملاقة، Pxfuel


سيكون مهما بيان مدى أهمية معلومات المستخدمين علي الأمن الشخصي للفرد، بل وعلي أمن الدول بشكل كامل.


يكفينا أن نعلم أن الحكومة الصينية لم تتردد في إيذاء بعض شركات التكنولوجيا العملاقة فيها والتي تملك كثيرا من بيانات المستخدمين الصينيين، عندما قررت تلك الشركات والتطبيقات طرح أسهمها في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يمكن لمستثمرين أمريكيين واجانب شرائها وبالتالي الوصول لتلك البيانات.

الحكومة الصينية وللحفاظ علي أمن البيانات منعت شركاتها التكنولوجية من بيع أسهمها في أمريكا


فشركة ديدي DIDI والتي أشرنا أنها تنافس عملاق النقل أوبر Uber حاليا، تعرضت لعقوبة قاسية من الحكومة الصينية تمثلت في حظر تنزيل التطبيق في الصين، كعقوبة علي خطوة طرح أسهمها في البورصات الأمريكية، وهو تطبيق نقل أولا وأخيرا، أي لا يجمع الكثير من المعلومات حول الناس كما تفعل منصات التواصل الاجتماعي.


نتيجة لذلك القرار فقدت شركة ديدي DIDI نسبة ٢٧٪ من قيمة أسهمها... ولنا أن نتصور ما هي الدوافع التي دفعت الحكومة الصينية لضرب واحدة من أكبر الشركات الصينية بتلك القسوة لأنها عرضت بيانات المستخدمين الصينيين لامكانية أن تنتقل إلي الولايات المتحدة الأمريكية.


في النهاية، لا يمكن اغفال نقطة طبيعة محتوى تلك التطبيقات، وعلي وجه الخصوص تيك توك وبيجو لايف، والتي تنتشر فيها الكثير من الفيديوهات الخارجة تماما عن القيم الدينية والاخلاقية القويمة، مع التركيز علي سهولة تعرض الأطفال لمشاهدة تلك المحتويات، والآثار السلبية المتعددة وراء ذلك.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -