زدني معرفة

في لعبة مثيرة بحرب أمن البيانات.. الصين تحظر بيع أسهم شركاتها التكنولوجية في أمريكا

 تخطط الصين حاليا لوضع قواعد جديدة تحظر علي شركات الإنترنت التي قد تشكل البيانات التي تملكها وتجمعها مخاطر أمنية محتملة (تجمع شركات التكنولوجيا كتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي كم هائل من بيانات المستخدمين الحساسة)، من الإدراج في البورصات خارج الصين بما في ذلك البورصات الأمريكية، وذلك بحسب ما نقلته وكالة رويترز عن مصدر صيني مطلع.


الشركات الغنية بالبيانات:

تجمع لمعروضات بعض شركات التكنولوجيا الصينية، ويظهر شعار عملاق صناعة الهواتف ومعدات الاتصالات هواوي، Matti Blume, CC-BY-SA 4.0, Georgetown Journal of International Affairs. 


في عصر الإنترنت والبيانات، تقاس قوة الشركات وتطبيقاتها بعدد المستخدمين لها، وتملك هذه الشركات بيانات عن كل واحد منهم، تستغلها في عدة مجالات من بينها تحديد الاهتمامات الشخصية لكل فرد، وبالتالي تحسين مدى ملائمة الإعلانات التي تعرضها عليه، وبالطبع يلاحظ الكثير من المستخدمين للإنترنت، ظهور اعلانات تتماشي مع شيء يبحثون عنه، أو يحتاجونه، أو يريدون شراءه.


كما يمكن استخدام هذه المعلومات بشكل غير قانوني في بيعها لشركات الإعلانات نفسها، أو حتى لأي جهة تطلبها، ولذا قد ينظر للخطوة الصينية المتوقعة، أنها درع حماية لبيانات المستخدمين الصينيين من الوقوع في أيدي شركات يملك غربيين، وبالتحديد أمريكيين أسهم بنسبة كبيرة فيها، قد تمكنهم من تسريب تلك البيانات.


ووفقا لتقرير نشرته "وول ستريت جورنال" الأمريكية. فإنه حتى بالنسبة للشركات التي تملك بيانات لا تشكل حساسية كبيرة، أو تملك كميات قليلة منها، فإن تلك الشركات سيكون من المرجح أن يطلب منها الحصول علي موافقة من الجهات الرسمية في الصين قبل أن تطرح أسهمها في البورصات خارج الصين.


حكم أوروبي:


ربما تتشابه الفلسفة الصينية من ذلك الحظر مع إجراءات أوروبية سابقة، لكنها أخذت صورة قانونية، عبر مجموعة من أحكام المحاكم الأوروبية التي مثلت حواجز علي الاستخدام السيء لتلك البيانات.


وكان أحد أبرز تلك الأحكام، هو الحكم الذي قيد نقل بيانات المستخدمين الأوروبيين من أوروبا إلي سيرفرات وقواعد بيانات الشركات الأمريكية العملاقة مثل جوجل، فيسبوك، تويتر، وأمازون.


فيسبوك هدد في غير مرة، أنه سيوقف نشاطه في القارة الأوروبية بسبب تلك الأحكام التي وصفها بأنها تحرم الشركة من القيام بعملها.


القضايا الأيدولوجية:


وكالة أنباء رويترز قالت كذلك أن مصدرها الصيني كشف لها أن الحظر سيشمل الشركات التي تناقش قضايا أيدولوجية وفكرية.


فالصين كدولة وكنظام حكم، تقدم نموذجا مختلفا عن النموذج الغربي، بداية من نظام حكم الحزب الواحد في الصين وهو الحزب الشيوعي، مقابل تعدد الأحزاب في النظم الغربية، وتتنوع وتكثر الاختلافات الفكرية بين الصين والغرب بشكل قد يحتاج لكتب كاملة لذكره.


تعزيز الرقابة:


كانت بكين قد أعلنت الشهر الماضي أنها تخطط لفرض المزيد من الرقابة علي جميع الشركات الصينية المدرجة في بورصات خارج الصين في إطار تحول تنظيمي شامل.


أحد الأشخاص يستخدم تطبيق ديدي، صورة من الموقع الرسمي للشركة


يأتي ذلك بعد تحقيق حول "الأمن السيبراني" -مصطلح يقصد به أمن المعلومات علي الإنترنت-، تعرضت له شركة ديدي الصينية العملاقة لخدمات نقل الركاب، والتي تعتبر النموذج الصيني من شركة أوبر UBER، بعد عدة أيام فقط من قيام الشركة بإدراج أسهمها في السوق الأمريكية.


تعرضت الشركة الصينية العملاقة لعقوبات قاسية من الحكومة الصينية، اضرت بها بشدة، إذ أمر "منظم الفضاء الإلكتروني في الصين" بحذف تطبيق الشركة من المتاجر الإلكترونية الصينية، واتهمت الشركة في التحقيقات بأنها انتهكت بشكل خطير سرية بيانات المستخدمين، واساءت استخدامها.


تطبيق ديدي DIDI، يستخدمه نصف مليار شخص في الصين فقط، وهؤلاء سيمكنهم استخدامه لأنهم قاموا بتحميله بالفعل، لكن لن يمكن تنزيله مجددا بسبب حذفه من المتاجر الإلكترونية، إلي أن يتم تعديل القرار.


تسبب قرار الحكومة الصينية في تدمير نجاح اكتتاب الشركة في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي وصل في طرحه الأولى لقيمة ٤،٤ مليار دولار أمريكي، ما جعلها أكبر شركة صينية في أمريكا بعد علي بابا، لكن القرار الحكومي الصيني جعلها تفقد ٢٧٪ من قيمة أسهمها في عدة أيام.


أظهرت العقوبة عزم الحكومة الصينية بقيادة الرئيس شي جين بينغ، الذي لا جدال فيه علي عقوبة أي خارج عن الطوع في ملف تعتبره من أولويات أمنها القومي، وهو الحفاظ علي معلومات المستخدمين الصينيين.


الأمن أولا:


يأتي ذلك العزم الذي لا يلين، برغم ما وصفته صحيفة "بيزنس انسايدر" الإلكترونية الأمريكية والتي تهتم بأسواق المال، بأن القرارت الحكومية الصينية جاءت في شكل حملة وليس مجرد قرار ضد شركة وحيدة، ما أدي لحدوث إضطرابات في الأسواق المالية العالمية، وتحطيم أسهم بعض الشركات، وتحطيم معنويات المستثمرين، وكبح توقعات النمو في الصين نفسها خلال الأسابيع الأخيرة، إذن اختار الحزب الشيوعي الصيني الأمن الإلكتروني ولو علي حساب الاقتصاد.


وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" فإن هيئة تنظيم سوق الأوراق المالية في الصين، أبلغت بعض الشركات والمستثمرين الأجانب أن التوجيهات الجديدة ستحظر إدراج الشركات التي تحتفظ بكميات كبيرة من بيانات المستخدمين في الخارج.


ستستهدف الحكومة الصينية كذلك محاولات الالتفاف علي هذا القرار، إذ سيشمل أي كيانات صينية ستسعي لإدراج نفسها في البورصات الخارجية، عبر تأسيسها لكيانات وهمية تتبعها، يتم إنشاؤها في دول أخرى لتستخدمها في إدراج نفسها بصورة مستترة في بورصات تلك الدول.


ووفقا للقواعد الجديدة، ستقوم هيئة تنظيم سوق الأوراق المالية في الصين بتشديد الرقابة علي الشركات التي طرحت أسهمها في الخارج في وقت سابق، وستقوم بحظر أي شركة تجمع كميات كبيرة من بيانات المستخدمين، أو تقوم بإنشاء محتوى يمكن أن يشكل "مخاطر أمنية محتملة".


لكن المصادر الصينية تتحدث عن أن حظر طرح أسهم الشركات الصينية في الخارج وفي الولايات المتحدة علي وجه الخصوص لن يكون كليا، فسيمح بذلك للشركات التي ليس لديها قواعد بيانات المستخدمين، وحتى للشركات التي لديها بيانات قليلة الحساسية والخطورة، مثل شركات الأدوية، فهذه الشركات يمكنها المضي قدما في طرح أسهمها خارج الصين.


لكن المسؤول الصيني الذي تحدث إلي وكالة رويترز أكد أنه سيُطلب من جميع شركات الإنترنت الصينية التي تريد إدراج أسهمها في أي بورصة خارج الصين أن تتقدم بشكل طوعي بطلب مراجعة إلي إدارة الأمن السيبراني القوية في الصين (CAC).


لكن هذا الطلب ليس سوي رأس جبل الجليد، فعندما تتقدم به الشركة وحتى إن قبلته إدارة الأمن السيبراني الصينية فقد تراجعه مع وزارات وهيئات تنظيمية أخرى، وأخيرا اذا صدرت الموافقة، ستقدم الشركة طلبا جديدا لهيئة تنظيم سوق الأوراق المالية في الصين.


تحذيرات أمريكية:


الأمريكيين من جانبهم التقطوا الخطوة الصينية بمنتهي السرعة والجدية، وبدأوا في إطلاق إشارات تحذير للمستثمرين.


مضاربين في بورصة وول سترييت الأمريكية الأشهر عالميا، thetaxhaven, Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0), Flickr 


السيد غاري جينسلر، وهو رئيس لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية SEC، قال لبيزنس إنسايدر محذرا أن العديد من المستثمرين ليسوا علي دراية بكم المخاطر المرتبطة بأسهم الشركات الصينية المدرجة في بورصات الولايات المتحدة.


وأشار غاري جينسلر لحيل التهرب التي تقوم بها بعض الشركات الصينية من قبضة الرقيب الحكومي الصيني، فقال أن المستثمر يعتقد أنه يستثمر في شركة صينية، بينما يكون علي الأرجح يستثمر فعليًا في شركة وهمية في جزر كايمان أو جزر فيرجن البريطانية والمعروف عنها أنها ملاذات تهرب الكثير العالمية من الضرائب، أو حتى في أي جزء آخر من العالم.


إنها حيلة عمرها عشرين سنة، استخدمتها الشركات الصينية طوال تلك المدة للتحايل علي القواعد الصارمة التي تفرضها الحكومة الصينية علي الاستثمار الأجنبي في بعض الصناعات الحساسة مثل الاتصالات ووسائل الإعلام، كانت الشركات الصينية تسعي وراء الأموال الأجنبية الساخنة وهي في مأمن من الرقابة، السلطة، والقضاء الصيني.


وعلي عهده رئيس لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية SEC، فإن شركات تكنولوجيا صينية عملاقة مثل علي بابا Alibaba و تين سنت Tencent و ديدي غلوبال Didi Global، استخدمت إطار الشركات الوهمية بالفعل، وذلك لتجذب رأس المال الأجنبي إليها، وتزيد من رأس مالها خارج الصين، عبر طرح أسهمها في البورصات العالمية.


ويبدو أن الصينيين أيضا يشاركونه نفس الاعتقاد، إذ ستتطلب القواعد الجديدة أن تقوم الشركات التي ترغب في طرح أسهمها في الخارج بالإفصاح عن ما اذا كان لديها كيانات وهمية خارج الصين من عدمه.


المثير في القصة، أن الأمريكيين هم من خلقوا هذه الوضعية الغريبة التي دفعت الصين لإيذاء شركاتها، ما يكشف عن احتمالية أن تكون الولايات المتحدة قد تعمدت خلقها، أو علي الأقل إظهارها للصين لتكبيدها خسائر اقتصادية كبيرة، علاوة علي تقليل التواجد الدولي للتطبيقات الصينية المنافسة للتطبيقات الأمريكية في السوق العالمية.


إذ كانت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية SEC، قد أصدرت قرارا بتجميد الشركات الصينية في الولايات المتحدة في أواخر يوليو الماضي، بعد أن طلب جينسلر من موظفيه، مطالبة الشركات الصينية بتقديم إفصاح كامل وعادل عن توجيه أموال المستثمرين إلى شركات وهمية، ما كشف الغطاء عن الشركات الصينية الكبرى التي كانت تستتر جزئيا بتلك الشركات، ومكن الحكومة الصينية من رؤية الصورة كاملة.


علي مايبدو، فإن الخطة الصينية هي مجرد واحدة من عدة مقترحات وخطط لدي المخططين والمسؤولين في الصين الذين يريدون تنفيذ إستراتيجية تمكنهم من تشديد قبضتهم علي منصات الإنترنت، وخصوصا تلك الغنية ببيانات المستخدمين الحساسة، وذلك بعد سنوات متعاقبة اختارت فيها الصين عدم التدخل في عمل تلك الشركات.


قد يشير ذلك التوجه الجديد لامتلاك الحكومة الصينية معلومات أمنية خطيرة دفعتها لتحميل شركاتها الكبرى خسائر ضخمة. أو أنها ترغب في جعل شركات التكنولوجيا العملاقة واحدة من المجالات التي لا تسمح الحكومة الصينية للأجانب بالتملك أو الاستثمار فيها.


وأيا كانت الدوافع وراء تلك الخطوات الحكومية الصينية، فمن المرجح أن تعزز هذه القواعد الجديدة سيطرة بكين على أكبر شركات التكنولوجيا لديها، وتجعل من الصعب عليها الهروب من القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -