زدني معرفة

المفوضية الأوروبية تقرر فرض إنتاج شاحن يصلح لجميع أنواع الهواتف والأجهزة الذكية فلماذا تعترض شركة آبل

 منذ أكثر من ١٢ عام، والاتحاد الأوروبي يفكر في تلك الخطوة، أو اذا شئت فقل عليها "الحلم" بجعل شواحن الهواتف الذكية صالحة لكل أنواع الهواتف والأجهزة الذكية مهما اختلفت الشركة المصنعة.

شاحن من نوع تيب سي USB-C والذي قد يصبح الشاحن الوحيد في العالم ذات يوم، ١٦ ديسمبر ٢٠١٨، Tony Webster، (CC BY 2.0)، Wikimedia Commons. 


التشريع الجديد للاتحاد الأوروبي ، يقضي بأن تقوم الشركات بإنتاج شاحن يصلح للهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية وحتى لسماعات الرأس لاستخدامه داخل أسواق دول الاتحاد الأوروبي. ويمضي الأوروبيين نحو هدفهم برغم أن تلك الخطوة ستؤثر علي شركة آبل APPLE الأمريكية المصنعة لهواتف iPhone الذائعة الصيت أكثر من جميع منافسيها.


ما المشكلة:


بالطبع قد يثور سؤال عن لماذا ترغب بروكسل -مقر المفوضية الأوروبية التي تعتبر الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي- من الأساس في جعل أجهزة الشاحن متناسقة لجميع المنتجات؟.


تري المفوضية الأوروبية أن الابتكار والتطور الكبير في سوق الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات قد أدى إلي ظهور عدد كبير من الأجهزة، ومع كل جهاز، أتي جهاز شحن يناسبه ويتوافق معه.


وفي حين أن هذا الابتكار والتطور أمر مرحب به بشكل عام، قاد عدم توافق أجهزة الشحن للهواتف المحمولة وباقي الأجهزة الذكية إلي ظهور مشكلة بيئية كبيرة، بخلاف أن المستخدم الواحد قد يضطر لشراء عدد من أجهزة الشحن لشحن بطاريات هاتفه وباقي أجهزته، بينما من الأفضل أن يأتي جهاز شحن واحد متوافق مع كل الأجهزة وقادر علي شحنها جميعا.


لغة الأرقام:


خلال العام الماضي، تم بيع ما يقرب من ٤٢٠ مليون هاتف محمول وأجهزة إلكترونية محمولة أخرى داخل دول الاتحاد الأوروبي، وفي المتوسط ، يمتلك المستهلك الأوروبي حوالي ثلاثة شواحن للهواتف المحمولة ، يستخدم اثنان منها بشكل منتظم.


ووفقا للمفوضية الأوروبية أفاد ٣٨ ٪ من المستهلكين الأوروبيين أنهم واجهوا مشكلة مرة واحدة على الأقل، تمثلت في أنهم لم يتمكنوا من شحن هواتفهم المحمولة لأن أجهزة الشحن المتاحة كانت غير متوافقة -ربما تزيد تلك النسبة كثيرا في الدول العربية-.


تقول المفوضية الأوروبية أيضا أن المستهلكين الأوروبيين ينفقون ما يقرب من ٢،٤ مليار يورو سنويا علي أجهزة الشحن التي تتوافق مع أجهزتهم التي يشترونها والتي غالبا تأتي بدون شواحنها، وبالتالي، فإن استبدال كل ذلك بشاحن واحد صالح لجميع الأجهزة سيقلص تلك الفاتورة المكلفة، فحتى لو اشتري الشخص أي جهاز جديد سيجد الشاحن القديم الذي يملكه بالفعل جاهزا لشحن جهازه الجديد بكفاءة.


ووفقا للتوجيهات الجديدة التي صدرت اليوم في ١٨ صفحة، فإن الشاحن المشترك الصالح لشحن جميع انواع الاجهزة، من مختلف الشركات والعلامات التجارية، سيحقق توفير سنوي للناس يقدر بنحو ٢٥٠ مليون يورو (٢١٤ مليون جنيه إسترليني).


آبل تتذمر:


السؤال الثاني الذي قد يطرح، إذن لماذا شركة آبل بالتحديد التي تتذمر تجاه هذا القرار، وتراه يشكل لها ضررا كبيرا، أكبر من جميع الشركات الأخرى؟.


ببساطة، تريد المفوضية الأوروبية أن تستخدم جميع أجهزة الشاحن موصلات USB-C، أو ما نسميها نحن في الدول العربية "تيب سي" أو رأس الشاحن بمدخل سي" أو "سوكيت سي"، وهذه الموصلات بالفعل مستخدمة حاليا في معظم أجهزة الهواتف الذكية الجديدة التي تنتجها الشركات التي تستخدم نظام التشغيل أندرويد Android.


علي العكس منهم، فإن شركة آبل تعتمد في هواتفها الآيفون iPhone علي موصلات من فئة Lightning والتي تتميز بها أجهزتها.


وبرغم من أن أحدث أجهزة آبل مزودة بكابلات من الممكن توصيلها بمقبس شاحن تيب سي USB-C، فإن عملاق التكنولوجيا الأمريكي يري أن من شأن خطوة المفوضية الأوروبية الحد من الابتكار، بل وأنها ستقود إلى الإضرار بالمستهلكين.


آبل Apple أضافت كذلك أن جميع الاجهزة القديمة التي تستعمل مدخل شاحنها Lightning، أو حتى مدخل الشحن القديم الذي كان يعتمده منافسيها من نوع مايكرو micro-USB "سوكيت شحن مايكرو"، سيحولها القرار لنفايات إلكترونية، لأنها لن تتلائم مع الشاحن الجديد.


لكن آبل تتجاهل أنه ومع صحة ما تقوله بالفعل، فإن هذه النفايات ستنتهي بعد عدة سنوات ولن يبقي لها أثر مع اكتساح الشاحن المتوافق مع جميع الأجهزة، وبالتالي فهي حالة مؤقتة، عكس حالة تعدد أنواع أجهزة الشحن المستمرة بشكل دائم، لذا فليس من المستغرب أن يسعي الاتحاد الأوروبي إلي خفض جزء من ١١ ألف طن من النفايات الإلكترونية التي يرميها الأوروبيون كل عام، وهو رقم علي ضخامته كان سيزيد كل عام إذا استمر الوضع علي ما هو عليه، فمع كل جهاز إلكتروني جديد أو هاتف ذكي يطرح في الأسواق، يتم بيع المزيد من أجهزة الشاحن، وتتراكم القديمة.


منافسي آبل الكبار مثل سامسونج الكورية الجنوبية Samsung ، وهواوي Huawei الصينية، يبدو أن لديهم خطوات سابقة في هذا المضمار، إذ تنتجان كثير من أحدث هواتفها بمدخل تيب سي USB-C، وحتى مع وجود اعداد كبيرة من هواتفها الأقدم بمدخل قديم من نوع مايكرو micro-USB، فإن معظم تلك الهواتف مر عليها سنوات، ولدي معظم مالكيها رغبة في استبدالها.


قد يقودنا ذلك إلي القول بأن الشركات التي تستخدم نظام التشغيل Android كانت أكثر مرونة وتوقعا للقرار واستعدادا لتقبله، أما آيفون فلقد أصرت علي مقاومة صدور هذه القرارات، ولم تحاول تكييف منتجاتها بما يجعلها صالحة لقادم الأيام، وهي نقطة بكل تأكيد قد تؤخذ علي آبل التي بدت كشركة مقاومة للتغيير ومتمسكة بتصميماتها علي حساب متغيرات السوق، وهو خطأ كبير، وقعت فيه شركات عملاقة من قبلها.


ففي مكان آخر من الكوكب، وفي صناعة أخرى، فشلت الشركات الأمريكية في مجال صناعة السيارات في فهم الطبيعة الخاصة للسوق الهندي، ما كلف شركة فورد الانسحاب من الهند وتحول السوق الهندي كله لكابوس لشركات صناعة السيارات الغربية، في حين أن شركات مثل هيونداي الكورية الجنوبية، وسوزوكي اليابانية قد حققتا نجاحا مبهرا فيه.


إذن، فإن ما تراه اليوم شركة آبل كخطوة "عدوانية" تجاهها، هي في الواقع خطوة كانت متوقعة منذ مدة طويلة، وبرغم ذلك فإن آبل وجميع منافسيها بل وحتى تجار التجزئة قد يجدون في مخازنهم الكثير من المنتجات التي لن يتمكنوا من بيعها بسبب أن مدخل الشحن الخاص بها ليس من نوع تيب سي USB-C.


القرار:

رأس الشاحن من نوع Lightning كان علامة مميزة لهواتف آبل طوال سنوات، فهل يتحول لسبب في مشكلة مع الاتحاد الأوروبي، randychiu، (CC BY 2.0)، Wikimedia Commons. 


المفوضية الأوروبية اليوم قالت انها اتخذت خطوة وصفتها "بالمهمة" ضد المخلفات الإلكترونية، وإنزعاج المستخدمين الأوروبيين الناجم عن انتشار أجهزة شحن مختلفة للهواتف المحمولة، والتي لا تتوافق مع بعضها البعض، ولا مع باقي أنواع الأجهزة الإلكترونية.


مفوضية الاتحاد الأوروبي قالت أنها وعبر سنوات، تعاونت بصورة غير إلزامية مع الشركات في صناعة الهواتف الذكية، وبصورة تطوعية، انخفضت أنواع أجهزة الشاحن في الدول الأوروبية من ٣٠ نوع قبل عشر سنوات، إلي ٣ أنواع فقط، لكنها تعتبر أن ذلك حلا جزئيا وليس كاملا.


لذا، فإن التدابير المقترحة تهدف إلي إنتاج شاحن صالح لشحن "الهواتف الذكية، الأجهزة اللوحية، الكاميرات، سماعات الرأس، مكبرات الصوت المحمولة، وحدات التحكم في ألعاب الفيديو المحمولة كأجهزة البلايستيشن Playstation"، بهدف تحسين حياة المستهلكين، وتوفير المال داخل حوافظ نقودهم.


بجانب ذلك، من المستهدف أيضا تقليل البصمة البيئية المرتبطة بإنتاج أجهزة الشحن، إذ ستقل أعداد أجهزة الشحن التي يتم انتاجها، وبالتالي يقل استهلاك الكهرباء في مصانعها، وحتى ستقل أعداد أجهزة الشحن المرغوب في التخلص منها، وعلي نفس النمط ستقل كميات الطاقة الكهربائية المستخدمة في ذلك، مع العمل علي زيادة الابتكار في هذا المجال بهدف إنتاج هذه الشواحن الصالحة لكل شيء.


نائبة الرئيس التنفيذي للاتحاد الأوروبي مارجريت فيستاجر، قالت في بيان: "لقد شعر المستهلكون الأوروبيون بالإحباط الكافي لفترة طويلة، بسبب تراكم الشواحن غير المتوافقة في أدراجهم".


السيدة مارجريت فيستاجر أضافت فيما يبدو أنها رسالة لشركة آبل، أن المفوضية الأوروبية منحت شركات صناعة الهواتف الذكية متسعًا من الوقت للتوصل لحلول تناسبهم، وحان الوقت الآن للتصرف والسعي نحو شاحن مشترك، ووصفت القرار بالمكسب المهم الذي يتماشي مع الطموحات الخضراء والرقمية للاتحاد الأوروبي.


من جانبه، أوضح مفوض الاتحاد الأوروبي تييري بريتون في مؤتمر صحفي إن المقترحات الجديدة تغطي فقط الأجهزة التي تستخدم أجهزة الشحن السلكية ، ولكنها لا دخل لها بأجهزة الشحن اللاسلكية ، مضيفًا أن "هناك متسعًا كبيرًا للابتكار في مجال الشحن اللاسلكي".


قادم الأيام:


إذن وجدت شركات التكنولوجيا والهواتف الذكية نفسها مضطرة لإيجاد هذا الشاحن العالمي، الصالح لكل الأجهزة الإلكترونية الذكية الصغيرة. ومن المؤكد أنها لن تجد مهربا من قواعد الاتحاد الأوروبي في داخل دوله علي الاقل، فهل من الممكن أن يقود هذا القرار الأوروبي تلك الشركات لتعميم ذلك الشاحن عالميا؟. وهل نراه في وطننا العربي قريبا لأن الشركات ستجد نفسها مضطرة لتوحيد خطوط إنتاجها؟.


تخيل أنك تشتري شاحن واحد فقط يصلح لشحن كل الاشياء حولك تقريبا، وأنك قد تشتريه هذا العام، ويظل معك لسنوات متتابعة، قد تبدل فيها هاتفك الذكي أو بقية أجهزتك أكثر من مرة، ويظل شاحنك الوفي الصالح لكل الاغراض في ركن من أركان غرفتك لا تحتاج لاستبداله بل لا تحتاج لمعرفة ما اذا كان سيتناسب مع أجهزتك التي تشتريها من حيث المدخل، وجهد التيار الكهربائي وغيرها من الأمور.


الشيء الوحيد الذي يبدو أنه قد يمثل نقطة اعتراض من المستهلكين بشأن هذا القرار. أن المفوضية الأوروبية لا تمانع بل قد تشجع الشركات علي بيع الواتف بدون أجهزة الشحن الخاصة بها، إذن تشتري هاتفك الجديد، وبدلا من أن تجد شاحنه المخصص له في علبته، سيتعين عليك شحنه بهذا الشاحن ذو مدخل تيب سي USB-C، والذي ستشتريه بشكل منفصل عن هاتفك او جهازك الإلكتروني الجديد أيا كان نوعه.


لكن المفوضية الأوروبية تقول بشأن هذا أنه يجب على المستخدم تذكر أنه مع كل هاتف جديد كان يتعين عليه التخلص من الشاحن الحالي ، حتى لو كان في حالة ممتازة. مما ينتج عنه كميات كبيرة من النفايات الإلكترونية دون داع.


هناك بعض الخبراء كذلك ابدوا قلقهم من أن الشركات لو فشلت في توحيد بروتوكول الشحن السريع، وجهد الشاحن، وكمية الكهرباء التي ينظم دخولها للهاتف، فقد يؤدي ذلك إلي تلف البطاريات، بل قد يقودنا لمخاطر تتعلق بالسلامة، نتيجة زيادة احتمال انفجار تلك البطاريات.


بعد إقرار هذا الاقتراح من المفوضية الأوروبية اليوم، ستكون الخطوة التالية هي عرضه علي " مجلس الاتحاد الأوروبي" ، الذي يمثل ٢٧ حكومة وطنية في الاتحاد الأوروبي علاوة علي البرلمان الأوروبي، وسينظر هذا المجلس في خطوات تنفيذ الاقتراح، ومتي سيبدأ بالفعل -وفقا لاقتراح المفوضية الأوروبية سيكون لدي صانعي الهواتف الذكية فترة انتقالية مدتها ٢٤ شهر لتتماشي مع هذه التغييرات في مدخل الشحن- ومع هذا فيمكن لمجلس الاتحاد الأوروبي تغيير المدة بتطويلها أو حتى تقصيرها.


إذن في قادم الأيام عزيزي القاريء، قد لا يهم ما نوع جهازك، آيفون، كيندل Amazon Kindle، هواوي Huawei ، سامسونج Samsung ، أو أي شيء من أي شركة، فهذا لن يهم كثيرا في عصر الشاحن السحري الذي سيلبي لك كل ما تريد.


وقد يندهش البعض، لكن العاصمة الفرنسية باريس، قد تجد في ذلك الاقتراح فرصة سانحة لبدء الإنتقام من الأمريكيين في صورة شركتهم آبل Apple، وتأليب ٱعضاء المجلس الاوروبي وتشجيعهم علي الموافقة علي القرار وبسرعة، خصوصا بعد الجرح العميق الذي سببته أمريكا لهم عندما سرقت صفقة الغواصات الأسترالية منهم.


بالتأكيد، لا يتناسب حجم صفقة الغواصات الأسترالية الذي قدرته بعض المصادر بنحو تسعين مليار دولار مع حجم سوق الشواحن العالمي كله، لكنها خطوة لا بأس بها كبداية في مشوار انتقام طويل يحلم به أحفاد نابليون بونابرت.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -