زدني معرفة

فورد الأمريكية تنسحب من الهند.. لماذا تحول السوق الهندي لكابوس شركات السيارات الغربية

 فورد Ford، اسم لعملاق صناعة السيارات الأمريكي، الشركة التي غزت بسياراتها القوية العالم شرقا وغربا، وصنعت لها أمجادا لا تنسي.

عرض سيارة فورد Mustang في معرض للسيارات في الهند، ١٠ فبراير ٢٠١٨، Ford Mustang Noida.jpg from Wikimedia Commons by Eatcha, CC-BY 4.0


كان للشركة كذلك خطط طموحة، تمثلت في إنشاء مصانع لها خارج الولايات المتحدة، في دول كالهند التي انشأت فيها مصنع Ford India في ضواحي مدينة تشيناي.


أهمية كبرى:


تمثل تلك المصانع مميزات تنافسية هامة بالنسبة للشركات العملاقة، فهي في البداية تقلل من تكاليف الإنتاج، لأن الأيدي العاملة في الهند حتى ولو كانت مدربة لن تحصل على نفس ما يحصل عليه العمال الأمريكيين أو الأوروبيين المدربين.


علاوة علي ذلك، فإن إنشاء مصنع في دولة كالهند، يوفر تكاليف نقل وشحن كبيرة، مما يقلل كذلك من تكاليف السيارة علي الشركة، ما ينعكس بالايجاب في النهاية علي السعر الذي تطرحها به في السوق، خصوصا في آسيا، حيث الصراع الشرس مع الشركات الآسيوية العملاقة كتويوتا ومازدا وهوندا في اليابان، وهيونداي الكورية الجنوبية، والقادمين الجدد من الصين.


نعود معا لمنتصف التسعينات من القرن العشرين، عندما قامت شركة فورد Ford ببناء أول مصنع لها في الهند. فبجانب تلك الأسباب المبدئية، كان لصانع السيارات الأمريكي الشهير سببا آخر، لقد اعتقدوا أنهم يشترون للمستقبل الذي تحقق فيه دولة الصين المجاورة للهند طفرة اقتصادية كبرى.


الهند نفسها كانت في طور الانطلاق بعد قرارها بتحرير اقتصادها من سيطرة الحكومة عام ١٩٩١، وبدأت الحكومة الهندية ترحب بالمستثمرين الأجانب، وتوقع خبراء المبيعات في الشركة أن الطبقة الوسطي في الهند ستغذي حالة جنون الاستهلاك التي عادة ما تصيب المجتمعات التي تتحرر اقتصاديا.


وخرج المتنبئون الاقتصاديون ليقولوا إن زيادة الدخل المتاح للمواطن الهندي، من شأنه أن يساعد شركات صناعة السيارات الأجنبية مثل فورد، على الفوز بحصة سوقية تصل إلى ١٠٪.


لكن ذلك لم يحدث أبدا.


كابوس حقيقي:


كعادة الكبار، فإنهم حين يرون كوابيسا، فإنها تأتي لهم في يقظتهم لا في أحلامهم.


استيقظت فورد علي كابوس حقيقي بدلا من الحلم الجميل الذي تمنت أن تحققه في الهند.


في الأسبوع الماضي ، وصل إجمالي خسائر شركة فورد إلي ٢ مليار دولار في مصانعها لانتاج السيارات في الهند في غضون عشر سنوات. 


ويبدو أن في السوق الهندي شيئا ما تتحطم عليه طموحات الشركات الأمريكية، لقد سبق لشركة جنرال موتورز لصناعة السيارات (GM.N) وشركة هارلي ديفيدسون لصناعة الدرّاجات النارية (HOG.N) ، اتخاذ قرارات بإغلاق مصانعهما في البلاد.


بعض الشركات الأجنبية، لا تزال تريد البقاء في أرض الهند المشهورة بالشطة، علي سبيل المثال شركة نيسان موتور اليابانية Nissan Motor Co Ltd، كما قرر السادة الألمان من شركة فولكس فاجن Volkswagen -أكبر شركة صناعة سيارات في العالم من حيث المبيعات- أيضا الاستمرار.


قرار استمرار نيسان وفولكس فاجن قد يبدو غريبا لكثير من المتابعين، فإذا جمعنا حصة الشركتين معا في السوق الهندية سنجدها أقل من ١٪، هذا رقم يغوص في الوحل، خصوصا أن هاتين الشركتين كان من المتوقع لهما فيما مضي أن يكونا ثالث بائع سيارات في الهند بعد الشركات الأمريكية والصينية بحلول عام ٢٠٢٠.


عندما جاءت نيسان وفولكس فاجن إلي الهند، مطلع القرن الجاري، كانت تحقق معدلات نمو في مبيعات سياراتها تصل إلي ١٢٪ سنويا، لكن هذا المعدل المتميز أخذ في الانخفاض خلال العشر سنوات الماضية، حتى وصل إلي ٣،٦٪ سنويا فحسب، وتجمدت المبيعات عند ٣ مليون سيارة في العام.


نهاية الحلم الهندي:


علي الجانب الآخر من السوق الهندي الحار، مثل تراجع شركة فورد المستمر، نهاية الحلم، وربما ليس لفورد وحدها، بل لجميع شركات صناعة السيارات الأمريكية.


أعلنت فورد Ford أنها ستنسحب من الهند، ويأتي ذلك القرار بعد شهور من إعلانها الخروج كذلك من السوق البرازيلية في شهر يناير، مطلع العام الجاري.


قد يكون ذلك انعكاسا لتغيير إستراتيجية شركة فورد Ford نفسها، فبدلا من التوجه إلي إنشاء مصانع في الأسواق الناشئة كالهند أو البرازيل، تريد الشركة حاليا التماشي مع التحول الكبير في صناعة السيارات علي المستوي العالمي.


فبرغم إختلاف الآراء حوله كإستثمار فاشل أو ناجح، فإن صناعة السيارات الكهربائية هي المجال الذي يتسابق فيه الآن الكثير من فطاحل صناعة السيارات عالميا، خصوصا مع إدراك العديد من الدول لأهمية تقليل الانبعاثات الحرارية الخارجة من السيارات العاملة بالبنزين.


المحللون والمسؤولون التنفيذيون جاءوا لتقييم مغامرات الشركات الأجنبية في الهند بعد أكثر من ٢٥ عاما من بدايتها، وهذه واحدة من مقاط تفوق وسر نجاح الدول والشركات الكبرى وهي "وضع الدروس المستفادة".


من ضمن الدروس التي تعلمتها تلك الشركات الاجنبية أنهم أساءوا تقدير إمكانات الهند، كما قللوا من شأن تعقيدات العمل في بلد شاسع المساحة، وهل هذه التعقيدات ستكافئ حجم المشتريات المحلية التي ستحصل عليها من الهند ام لا؟.


سيارات الطرق الهندية:

شوارع مدينة دلهي الهندية خير دليل علي مدى انتشار السيارات الصغيرة الحجم، NOMAD، Creative Commons Attribution 2.0 Generic license


في الهند، فشلت معظم الشركات في تحقيق المعادلة التي ترضى الزبون الهندي، فالمستهلكين الهنود يفضلون السيارات الصغيرة الرخيصة والفعالة في استهلاك الوقود، والتي يمكن أن تصطدم بالطرق غير المستوية المنتشرة في الهند، دون أن تحتاج إلى إصلاحات باهظة الثمن. في الهند ، ٩٥٪ من السيارات يقل سعرها عن ٢٠٠٠٠ دولار.


فوق ذلك كله، فإن الحكومة الهندية تفرض ضرائب منخفضة علي السيارات الصغيرة، لقد جعل ذلك العامل المنافسة صعبة للغاية علي شركات تصنيع السيارات الغربية من أوروبا وأمريكا والتي تصنع سيارات أكبر حجما.


اتحدت تلك الظروف لتجعل شركة متخصصة في السيارات الصغيرة مثل شركة سوزوكي موتور اليابانية، وهي الشركة التي تسيطر علي الحصة الأكبر من شركة Maruti Suzuki India Ltd الهندية ، هي الشركة صاحبة أكبر عدد من مبيعات السيارات في الهند في الوقت الحالي.


وبالنظر لجميع شركات صناعة السيارات الأجنبية التي استثمرت في الهند على مدار الـ ٢٥ عامًا الماضية، قال المحللون إن شركة هيونداي موتور الكورية الجنوبية Hyundai Motor Co ، هي النجاح الوحيد البارز، ويرجعون ذلك أساسًا إلى محفظتها الواسعة من السيارات الصغيرة، علاوة علي فهمها الجيد لما يريده المشترون الهنود من سيارات مناسبة للطرق الهندية ولمحافظ نقودهم.


السيد رافي بيتا، وهو مدير فرع الهند في شركة JATO Dynamics المتخصصة في تحليل اتجاهات أسواق السيارات عالميا، وتعطي معلومات كذلك عن مواصفات السيارات، وطرق تسعيرها، فتعتبر ما يشبه جهاز مخابرات لشركات تصنيع السيارات، تعرف معلومات منافسيها، لتنافسهم بمميزات لا يقدمونها في اي سوق من أسواق العالم سواء كان من حيث المواصفات أو السعر.


نستمع إلي السيد بيتا الذي يقول: ((عندما جاءت الشركات الأجنبية لتستثمر في الهند في التسعينات، كانت تستثمر في "مغالطة" تقول بأن الهند سيكون لديها إمكانات كبيرة، وأن القوة الشرائية للمشترين سترتفع مع التحسن الاقتصادي ، لكن الحكومة الهندية فشلت في خلق هذا النوع من البيئة والبنية التحتية)).


خطأ مبكر:


اذا ما اردنا وضع شركة فورد Ford بعد قرار إنسحابها من الهند، في مقارنة مع شركة أخرى تستثمر هناك. فلن نجد أفضل من هيونداي، ليس لأن هيونداي هي المثال الأكثر ناجحا بين كل الشركات الأجنبية في بلاد الهند الكبيرة، لكن لأن الشركتين وصلتا الهند في نفس الوقت تقريبا في منتصف التسعينيات جنبًا إلى جنب مع بعضهما البعض.


لكن شتان الفارق بين ما عرضته الشركتين، ففي حين دخلت هيونداي الكورية الجنوبية بسيارة "سانترو" الصغيرة ذات الأسعار المعقولة ، عرضت فورد الأمريكية سيارة الصالون "إسكورت" ، التي تم إطلاقها لأول مرة في أوروبا في الستينيات.


ولعلنا لن نجد أفضل من المدير التنفيذي السابق لشركة فورد الهند ، فيناي بيبارسانيا، ليصف لنا وقع ذلك علي المستهلك الهندي، لقد كانت صدمة كبيرة للهنود الذين اعتادوا على أسعار ماروتي سوزوكي المعقولة.


ويقودنا السيد عمار ماستر المحلل في LMC، لنقطة أخرى هامة، وهي إن منتجات شركة فورد Ford من السيارات قليلة، ولا تتيح للمشتري في الهند إلا عدد قليل من الاختيارات، وهو ما حرم الشركة حتى من المبيعات الجيدة التي حققتها سياراتها الرياضية متعددة الاستخدامات مثل EcoSport و Endeavour.


لقد فكرت فورد Ford  بالفعل في كيفية التعامل مع هذه المشكلة، ودرست جلب المزيد من طرازات سياراتها للطرح في الهند، لكنها في النهاية أحجمت عن ذلك، بدعوى أن تلك السيارات لن تحقق ربحا في الهند.


أبدت أسواق الهند أنها تتطلب من الشركات العالمية النضال للنجاة فيها، وكان المهم علي الدوام أن تنجح في تحقيق الوصول لنقطة السعر المناسب، لأن الشركات كانت قد ارتكبت خطأ أساسيا وهو أنهم جلبوا لذلك السوق ذو المواصفات الخاصة، نفس السيارات عالية التكلفة التي تحتاج لأسواق ناضجة ومستهلكين ذوي دخول عالية لشرائها بأعداد ضخمة كل عام.


مع منتصف العام ٢٠٠٠، ظهرت خصوصية السوق الهندي بشكل أكثر وضوحا، ففي ذلك العام صدر قرار الحكومة الهندية بخفض معدل الضريبة على السيارات التي يقل طولها عن ٤ أمتار (١٣،١٢ قدمًا). لقد ترك ذلك القرار شركة فورد ومنافسيها من كبرى الشركات العالمية يصنعون سيارات الصالون الخاصة بهم في السوق الهندية، والتي يبلغ طولها ٤ أمتار، كان قرار الضرائب كالقشة التي قصمت ظهر البعير، ومن يومها خابت مبيعاتها.


حتى عندما بدأ المصنعون الأمريكيون في محاولات حثيثة لتصنيع سيارات صغيرة جيدة ومربحة، باءت محاولاتهم جميعهم بالفشل، ولم تخرج من أي شركة أمريكية في الهند سيارة تستطيع تحقيق المعادلة. ويمضي الوقت وتتراكم الخسائر أكثر فأكثر.


صعود وهبوط:

إعلان عن سيارة فورد IKON موديل ٢٠٠٠، ضمن السيارات التي طرحتها فورد في السوق الهندية، Michael، (CC BY-NC-SA 2.0)، Flickr. 


برغم كل تلك المصاعب، والسوق الذي يشبه عمليات القوات الخاصة في الجيوش، قررت شركة فورد Ford في عام ٢٠١٥ أن تستثمر مليار دولار كاملة لبناء ثاني مصانعها في الهند، برغم أن مصنعها الأول كان لديه طاقة فائضة من الأساس.


قامت خطط فورد وقتها علي اساس نظرة مستقبلية استهدفت جعل الهند قاعدة تصدير لسياراتها لآسيا، وفي نفس الوقت، زيادة حصتها في السوق. 


كانت تخطط لجعل الهند قاعدة تصدير وزيادة حصتها في السوق المتوقع أن تصل أعداد السيارات المباعة فيه إلى ٧ ملايين سيارة سنويًا بحلول عام ٢٠٢٠ و ٩ ملايين بحلول ٢٠٢٥.


لكن هذه الأرقام الطموحة لم تحدث قط، والأكثر قتامة أن نمو سوق السيارات في الهند قد توقف بشكل عام، وقبل قرار مغادرة الهند، لم تكن فورد Ford تستخدم سوي ٢٠٪ فقط من طاقة مصانعها السنوية المجمعة البالغة ٤٤٠ ألف سيارة.


بيأس، حاولت فورد أن تستخدم قدراتها المعطلة في مصنعيها في الهند، عبر إنتاج سيارات مدمجة compact cars، وهي السيارات العائلية (من ابرز أمثلتها في السوق العربية سيارات تويوتا كورولا)، وتصديرها من الهند للدول الناشئة في آسيا، لكن سوء الحظ ظل ملازما لفورد في الهند عندما تحول تفضيل المستهلكين العالميين إلي سيارات الدفع الرباعي SUV.


لكن وبتتبع خطوات فورد Ford في الهند، سيكون من السطحية وصف ما حدث فقط بسوء الحظ، بل تضافرت فيه عوامل سوء الإدارة، وسوء التحليل، وانغلاق الفهم وعدم الإدراك لطبيعة السوق رغم أن الشركة أصبحت تملك تجربة تزيد عن عشرين عاما فيه.


تتضح كل تلك العوامل فيما حدث في عام ٢٠١٨، حينما بدا أن فورد Ford أخيرا تتصرف بشيء من المعرفة للسوق الذي تعمل فيه، فقررت تغيير هيكلة تكلفة إنتاج سياراتها في الهند لتنزل بالسعر لمستويات تنافسية، وبدأت بالفعل في العام التالي ٢٠١٩ في العمل علي مشروع مشترك مع شركة ماهيندرا آند ماهيندرا ليمتد الهندية Mahindra & Mahindra Ltd وصمم الطرفان بالفعل سيارة منخفضة التكاليف، ولكن وبعد ثلاث سنوات من العمل، وفقط في ديسمبر الماضي، قرر الطرفان إلغاء المشروع وتخليا عن الفكرة.


احتاجت فورد لإغراق ٢،٥ مليار دولار في الهند منذ دخولها السوق منتصف التسعينات، وإلي حرق ٢ مليار دولار أخرى خلال العقد الماضي وحده ، حتى تتخذ في النهاية الشركة قرارا بعدم استثمار المزيد.


رئيس شركة فورد إنديا أنوراغ ميهروترا ، هو من أطلق رصاصة الرحمة أخيرا، حينما قال للصحفيين الأسبوع الماضي: "لمواصلة الاستثمار ... كنا بحاجة لإيجاد طريق لتحقيق عائد معقول على الاستثمار الذي ننفقه، لكن لسوء الحظ ، نحن غير قادرين على القيام بذلك".


---------

ترجمة المعرفة للدراسات، مع العديد من الإضافات والمعلومات من المعرفة للدراسات.

الترجمة من وكالة أنباء رويترز، (تقرير من اعداد أديتي شاه)، تحرير كيفن كروليكي وكريستوفر كوشينغ.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-