زدني معرفة

"البنادق في أغسطس" .. أفضل كتاب عن الحرب العالمية الأولى.. استخدمه الأمريكيين لمنع الحرب العالمية الثالثة

 حظيت الحرب العالمية الأولي، التي دائما ما كانت تعرف باسم (الحرب الكبرى)، إلي أن أشعل هتلر الحرب العالمية الثانية، بالكثير من الاهتمام الفكري، سواء كان ذلك من الأدباء أو المؤرخين، لتصبح أحد أهم مواضيع الكتب في كافة أرجاء المعمورة في القرن العشرين وحتي يومنا هذا، مع حوالي 25 ألف كتاب ومقالة علمية تناولتها، وهذا الرقم وفقا لتقرير نشرته مجلة (ذي ايكونوميست) البريطانية في التاسع والعشرين من شهر مارس 2014، أي بالتأكيد قد لحقته زيادة لا بأس بها.


غلاف كتاب البنادق في أغسطس.


من وجهة نظر الكثيرين، تربع علي عرش غابة تلك المؤلفات كتاب (البنادق في أغسطس) للكاتبة الأمريكية (باربرا توكمان)، فلم يتوقف عند حد كونه كتابا تناول بشكل استثنائي الظروف التي أدت إلي تلك الحرب المفجعة والشهر الأول منها، بل ظل وحتى يومنا هذا مرجعا للكثير من الساسة، والمحللين الاستراتيجيين.


فالكتاب لم يغرق في سرد أحداث ومعارك الحرب، لكن الكاتبة اقتصرت علي الفترة السابقة لاندلاع الحرب، وهي في ذلك تنقل القارئ لتلك الفترة بشكل أدبي يحبس الأنفاس، فإذا بك تظن أنك تعيش في العالم 1914، تعتصرك مشاعر الخشية من وقوع الحرب في أي لحظة، وكانت تلك نقطة التميز التي جعلت البنادق في أغسطس كتابا فريدا من بين كل الكتب التي تناولت الحرب العالمية الأولي، وهذا السبب ذاته هو الذي جعل (جائزة بوليتزر)،  -أرفع جائزة تمنحها الولايات المتحدة للأدباء والمصورين وأيضا الصحفيين- والتي تخطت عامها المائة –، والتي تشرف علي تقديمها جامعة كولومبيا الأمريكية، في "الأدب العام غير القصصي"، تذهب إلي باربرا توكمان وكتابها "البنادق في أغسطس"، في جائزة عام 1963.


الملفت للانتباه أيضا في أمر "البنادق في أغسطس" هو تأثيره فعليا علي أحداث جسام وقعت فيما بعد الحرب العالمية الأولي بعقود، كان علي رأسها "أزمة الصواريخ الكوبية"، التي دارت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، فحينما كان العالم يحبس أنفاسه خوفا من حرب عالمية جديدة هذه المرة سيكون الرعب النووي شريكا فيها، كان الرئيس الأمريكي الراحل "جون كينيدي" قد طبع عدة نسخ من (البنادق في أغسطس) ووزعها علي أفراد إدارته، وأمرهم بالاستفادة من الأخطاء التي يوضح الكتاب كيفية وقوعها واندلاع الحرب كنتيجة لها، لقد أشار كينيدي والعديد من المعاصرين لتلك الواقعة فيما بعد إلي الكتاب الذي كان مجرد كتابا عن الحرب العالمية الأولي ثم تصدر قوائم المبيعات حين صدوره،  ليمتطي الجواد ويصبح جزء من التاريخ عندما شارك في حل الأزمة وإنقاذ العالم من جنون السلاح النووي.


تتحدث السيدة توكمان في مقدمتها للكتاب عن علاقته بكتابها الشهير الآخر " انجلترا : الكتاب المقدس والسيف "، والذي يتحدث أساسا عن أرض فلسطين والصراع الذي دار بين الأديان الإلهية الثلاثة علي أرضها، ثم تنطلق لتشير إلي اقتراح وزير الخارجية الألماني "آرثر زيمرمان" علي كل من المكسيك واليابان بالدخول في تحالف مع ألمانيا، بهدف شغل الولايات المتحدة عن الحرب في أوروبا، وعن الوقت العصيب الذي بدأ في تلك الحقبة في بلادها "انجلترا"، ثم نتخطى معا صفحات تقص فيها قصة خروج كتابها إلي النور واعدادها له لننتقل إلي صلبه.


الجنازة:



صورة تذكارية للملوك التسعة في قلعة وندسور الملكية البريطانية في جنازة الملك إدوارد السابع. واقفين من اليسار إلى اليمين: ملك النرويج هاكون السابع، والقيصر فرديناند ملك بلغاريا، وملك البرتغال مانويل الثاني، والقيصر فيلهلم الثاني الإمبراطور الألماني، وملك اليونان جورج الأول، وملك بلجيكا ألبرت الأول. جالسًين من اليسار إلى اليمين: الملك ألفونسو الثالث عشر ملك إسبانيا والملك الإمبراطور جورج الخامس ملك المملكة المتحدة الجديد، وفريدريك الثامن ملك الدنمارك، صورة في 20 مايو 1910، صورة متاحة للاستخدام العام.


انطلاقة الكتاب كانت بعنوان "الجنازة"، بذكر جنازة الملك "إدوارد السابع" ملك انجلترا، التي حضرها في مايو 1910 تسعة ملوك في مشهد مهيب، جمع معهم أربعون من أصحاب السمو الملكي والإمبراطوري وسفراء دول، شكلوا معا ممثلين عن سبعين دولة، لقد كان العالم مجتمعا، و حتى الدول العربية تواجدت مع شقيق الخديوي المصري "محمد علي توفيق" الذي سيصبح وليا لعهد الملك فؤاد لفترة لكنه لن يتولي العرش الذي سيذهب لأبنه فاروق بينما يظل هو وليا للعهد طيلة حكم فاروق حتى ميلاد آخر ملوك مصر "أحمد فؤاد الثاني" عام 1951 قبل عامين فقط من إلغاء الملكية في مصر وإعلان الجمهورية، وبدا في الجنازة أن هذه الدول بعيدة عن الحرب، ولكن وفي الكواليس كان كل شيء يبدو مختلفا.


الخطط:


نصل إلي عنوان جديد هو "الخطط" فتشير توكمان إلي الحالة العسكرية التي أصابت ألمانيا، والتي تجعلها أقوي كل يوم، وأكثر اصرارا علي استخدام قوتها العسكرية المتنامية بشدة في تحقيق مكاسب استراتيجية علي الأرض.


في تلك الفترة، كان هناك حالة من "الإيمان" لدي الضباط الألمان من قيادتهم وعلي رأسها الكونت (ألفريد فون شيلفن) رئيس أركانهم بين عامي 1891-1906، إلي أصغرهم رتبا بمقولة الجنرال البروسي الشهير (كارل كلاوزفيتز):


 ""إن قلب فرنسا يكمن بين بروكسل وباريس "".


كان هذا يعني وجود معضلة لدي الألمان إذا ما ارادوا القتال، تتمحور حول كيفية جر بلجيكا لمعركة ضد ألمانيا أو إبقائها علي الحياد وسط الحرب المرتقبة وتداعيات ذلك.


وكذلك كان الألمان يضعون نصب أعينهم التحالف العسكري بين الروس والفرنسيين منذ عام 1892، وعلي الجانب الآخر تحالفهم هم مع النمسا، والذي يلزم ألمانيا بالدفاع عن النمسا ضد أي عدوان روسي، كان الكونت شيلفن، ومن مقر قيادته في برلين، يوازن كل تلك التعقيدات وتأثيرها علي خططه العسكرية.


وفي كل الحروب ، فإن حشد القوات يحتاج إلي الوقت، وتحتاج فرنسا مع مساحاتها الشاسعة وسككها الحديدية الهزيلة إلي ستة أسابيع وفقا للحسابات الألمانية لحشد قواتها، خلالها ستكون ألمانيا قد وجهت ضربتها حيث خطط شيلفن لمعركة سريعة وحاسمة أستمدها من خطة القائد التاريخي لقرطاج -تونس حاليا- "هانيبال" في معركته ضد الرومان في كاناي، ذلك علي الرغم من توقعات قادة آخرين أن أي حرب قادمة ستستغرق بين سبع إلي ثلاثين سنة بعدما أصبحت الدول أكثر قوة من أن تنهار لمجرد هزيمتها في معركة ما.


ومع الحديث عن الخطط الألمانية لانطلاق المعارك ووضع القوات البلجيكية وهل ستنضم لفرنسا أم لا؟، تنتقل القيادة الألمانية لقائد جديد هو الجنرال الشهير "فون مولتك"، الذي أنتقد وبشده أسلوب شيلفن في وضع كل قواته لأداء مناورة واحدة فقط ضد الروس والفرنسيين، لكنه أتفق معه حول خطط غزو بلجيكا.


نحن الآن في العام 1914، حيث سيقع حدثين هامين للغاية في ذلك العام ويشحذان الهمة الألمانية للقتال، الأول كان بطلاه انجلترا وروسيا ومحادثات بحرية ثنائية بين الدولتين، أما الثاني فكانوا هم أنفسهم الألمان أبطاله مع الانتهاء من عمليات توسيع "قناة كييل" والتي سمحت لهم بنقل المدرعات ذات النوعيات الجديدة مباشرة من بحر الشمال إلي بحر البلطيق.


في باريس:


ننتقل إلي الجانب الآخر حيث الفرنسيين المتذكرين لمقولة الكاتب "فيكتور هوغو" بأن عليهم تكوين قوتهم وتغذية (الغضب المقدس) وجمع جيش من الشعب كله للعمل دون توقف لدراسة أساليب العدو ومهاراته، أن تكون الأمة الفرنسية أمة لا يمكن مقاومتها، ووقتها ستتمكن من استعادة الالزاس واللورين من قبضة الألمان بعدما خسروها في الحرب البروسية-الفرنسية قبل أكثر من ثلاثة عقود، تلك الحرب التي أذلت فيها ألمانيا فرنسا. فكان الأمل أن تحيي فرنسا جيل ما بعد هزيمة عام 1870 ليكون جيل مسلح يحرز لفرنسا النصر مرة أخري.



القوات البروسية -بروسيا وقتها كانت ولاية ألمانية قادت تحالف الولايات الألمانية ضد فرنسا- تدخل باريس وتسير أسفل قوس النصر، صورة غير مؤرخة، الصورة موجودة في المجموعة العسكرية بمكتبة جامعة بروان الأمريكية الشهيرة.


من أجل ذلك نجد وضع لائحة ميدان جديدة للجيش الفرنسي، كوثيقة أساسية لتدريب وسلوك الجيش الفرنسي جاء فيها أن الجيش الفرنسي يعود لتقاليده حيث:


·         لا مكان إلا للهجوم.

·         خوض معركة حاسمة وكسر إرادة الخصم.

·         التخلص من أي مواقف دفاعية لأن الهجوم وحده هو الذي يحقق نتائج ايجابية.


 لكن رغم تغيير العقيدة الحربية الفرنسية، فإن الجغرافيا الفرنسية لم تتغير، تلك الجغرافيا التي تحتاج بطبيعتها إلي استراتيجية دفاعية، وهذا ما أنتبه إليه بعض الضباط الفرنسيين وخططوا لإنشاء وحدات من الاحتياط للتعامل مع هذه الحقيقة، ولكن القيادات رفضت تلك الخطط.


الملابس أيضا شغلت جزء من التفكير الفرنسي، كان البريطانيين قد اعتمدوا اللون الكاكي لجنودهم، الألمان كانوا علي وشك التغيير من اللون الأزرق إلي لون الحقل الرمادي، لكن مع العام 1912 كان الجندي الفرنسي لا يزال يرتدي المعاطف الزرقاء، القبعة و السراويل الحمراء، الفكرة أشعلت ذهن الجنرال الفرنسي "ميسيمي" عندما شاهد الجنود البلغاريين في البلقان وقد أصبحوا اقل وضوحا بفضل ملابسهم، وأدرك حاجة جنوده لذلك.


توقع الفرنسيين أن يقوم الألمان بهجوم عبر بلجيكا ووضعوا خطة تسمي "الخطة 17"، ولكنها تعرضت لنقد شديد حتى أن ضابطا برتبة عقيد في الجيش الفرنسي نشر كتابا عام 1913 انتقد فيه الطابع الدفاعي للخطة.


من موسكو إلي لندن:


في العام 1905 كان الفرنسيين والبريطانيين قد قرروا وضع خطط عسكرية مشتركة بعدما كشف اليابانيين ضعف حلفائهم المحتملين "الروس" وهزموهم في الحرب اليابانية-الروسية.


حينها ألقي القيصر الألماني قنبلة جديدة بزيارته إلي مدينة طنجة المغربية بعد ثلاثة أسابيع فقط من الهزيمة الروسية، كان ذلك إعلانا صريحا بأن ألمانيا تتطلع إلي فرنسا ومستعمراتها، ولما لا في الخطوة القادمة بريطانيا ومستعمراتها


رد البريطانيين علي التحدي الألماني عبر لجنة "اللورد إيشر" والتي كلفت بوضع دراسة لتحديث قوتهم العسكرية، لكن تلك اللجنة اصطدمت بمدى القوة التي كان قد وصل إليها الألمان بالفعل، وتوترت أعصاب الجميع بتوقع أن يستغل الألمان هزيمة الروس وبدء الحرب في الصيف المقبل، كان ذلك كله يدور وسط معمعة الانتخابات العامة في بريطانيا.


انتهت الانتخابات بفوز الليبراليين ذوي الميول المعارضة للحرب وأفكار أن النوايا الحسنة يمكنها الحفاظ علي السلام، وجاء لمنصب وزير الخارجية السير "إدوارد غراي" الذي سيفقد زوجته بعد ذلك بعدة أشهر، ومع ذلك فأن وزير الخارجية الليبرالي أكد للفرنسيين انه لا نية للتراجع عن أي ضمانات قدمها سلفه لهم بدعم بريطانيا لفرنسا في مواجهة ألمانيا، أما رئيس الوزراء "هنري بانرمان" المولع أصلا بفرنسا فقرر بدأ محادثات مع الجنرالات الفرنسيين للاستعداد لأي نازلة، هذه المحادثات كان لها أثر ايجابيا -وإن كان طفيفا- علي الجيش الفرنسي.


أما لدي قياصرة روسيا فبالنسبة للمساحة وبلغة الأرقام كانوا هم الأكبر أوروبيا، لكن الأداء المزرى الذي أدوه في الحرب ضد اليابان، جعل أمامهم مهمة أثارة مخاوف الفرنسيين والبريطانيين من الألمان بشكل أكبر، إذ أن الروس كانوا في سلسلة من التراجع ومن هزم نابليون قبل ذلك كان ثلج روسيا وليس جيشها، لكن وعلي أي حال فإن روسيا بقيت مفيدة لمواردها الضخمة، ولإمكانية شنها هجوم ضد ألمانيا في ذات التوقيت الذي يهاجم فيه الفرنسيين من الغرب، كما بقي في نفوس الروس رغبة في استعادة ماء وجههم.


رغم كل تلك العوامل كان للروس المزيد من العيوب بخلاف هزيمتهم أمام الألمان التي أبانت عن عورتهم العسكرية، فبخلاف ذلك أيضا فإن مصانعهم لا تكفي إلا لثلث المتوقع من القذائف المدفعية التي سيحتاجها جيشهم في القتال، وأقل من نصف الخراطيش اللازمة لبنادقهم، لكن الحلفاء لم يهتموا كثيرا بذلك رغم أن تقارير وصلتهم من جبهة القتال ضد اليابانيين أن الروس ضعيفين أيضا في المخابرات، يتجاهلون السرية والسرعة في الأداء، لا وجود للاندفاع والمبادرة والبراعة القيادية في أدائهم، و تنتقل الكاتبة للداخل الروسي حيث يحكم مجلس الدوما الليبرالي، ويعيش مجتمع مقموع أنتشر فيه عملاء البوليس السياسي.


عود ثقاب:


كان ذلك التفكير السائد في كبريات الدول الأوروبية قبل الحرب، برميل بارود يعوزه عود ثقاب. تحقق ذلك بالفعل مع اغتيال الأرشيدوق "فرانز فرديناند"، وريث عرش الإمبراطورية النمساوية-المجرية، في الثامن والعشرين من يونيو 1948 علي يد قوميين صرب، وبعظمة الإمبراطوريات التي شاخت فأصابها الخرف، قررت إمبراطورية ولي العهد المقتول احتلال صربيا، وأكدت ألمانيا دعمها للنمساويين إن هم قرروا تأديب الصرب علي جريمتهم.


وريث عرش الإمبراطورية النمساوية-المجرية وزوجته ، صورة من (صور غيتي).

تتوالي الأحداث ففي 23 يوليو ترسل النمسا إنذارا إلي صربيا، وفي 26 يوليو يرد الصرب بالرفض علي الإنذار الذي حمل بعض الشروط المذلة، ويعلن "بيتر الأول" ملك صربيا التعبئة العامة للجيش الصربي الضعيف، وعقب ذلك بيومين تعلن الإمبراطورية النمساوية-المجرية الحرب علي صربيا، ومن ثم تعلن روسيا بدورها حالة التعبئة العامة.


الأول من أغسطس: برلين:


حينها، قرر الإمبراطور الألماني أن يستغل الفرصة، إنها الحرب، ولابد له أن يستغل ما حشده من قوة عبر سنين لتحقيق المكاسب، لذا فلقد مال تجاه النمساويين والمجر، معلنا أنه سيدعمهم إذا ما قرروا غزو الصرب لتأديبهم، كان ذلك ببساطة يعني أن "فيلهلم الثاني" والذي يعلم الحلف الوثيق بين الروس والصرب، يعلن الحرب عليهم جميعا، وربما روسيا قبل الصرب الذين بدوا كأضعف طرف في تلك الحلقة من الأقوياء.


حينها حاول الانجليز أن ينزعوا فتيل القنبلة قبل انفجارها، دعوا الجميع لمؤتمر للسلام، مقترحين أن تقوم دول "ايطاليا والمانيا وفرنسا وبريطانيا" بالتوسط بين الامبراطورية النمساوية المجرية من جانب وصربيا وحليفتها روسيا من جانب آخر. لكن قيصر الألمان رفض ذلك الاقتراح، وأصبح فقط المصابون بالصمم هم من لا يسمعون طبول الحرب تقرع في كل أرجاء أوروبا.


في روسيا، اضطر القيصر "نيقولا الثاني" تحت ضغط الرغبة الشعبية للدفاع عن الصرب ضد الألمان، إلي إعلان النفير العام للجيش، والاستعداد لحرب طاحنة سيخوضها ضد الألمان والإمبراطورية النمساوية المجرية.



صورة لوحدة من وحدات الجيش الروسي، صورة من صور غيتي.


وبعنوان "الأول من أغسطس:برلين" تكتب باربرا فصلا جديدا، بدأ بأنه ومع ظهيرة الأول من أغسطس انتهت فترة إنذار ألماني تم توجيهه لروسيا، عقب ذلك بأربعة ساعات أعلن قيصر الألمان التعبئة العامة بدوره، وساد شعور عام بالقلق والتوتر أرجاء مدينة برلين خصوصا بين صفوف العمال الذين احتشدوا أمام بوابات القصر الإمبراطوري، ليخرج عليهم بعد فترة من الزمن ضباط يعلنون حالة التعبئة للشعب، الجموع المحتشدة هرعت لتفتك علي مدي أيام بكل من اشتبهوا في كونه عميلا للروس، خلال الأيام المقبلة سيموت الكثيرين من المشتبه بهم دهسا تحت الأقدام.


وكأنك ضغطت علي زر، فانبسطت علي الأرض مختلف وسائل المواصلات لتحشد قوات الجيش الألماني الضخمة، وكان الإمبراطور في قصره وسط حسابات معقدة، فخلف الروس قد يحارب الفرنسيين لكن من الجهة الغربية، فيدخلون بلاده بكل سهولة مع انخراط جيشه في الحرب ضد الروس شرقا، وخلف فرنسا يقبع رقم صعب في المعادلة هم البريطانيين مما يعني حربا طاحنة علي جبهتين، وحيث كان القيصر في قصره آتاه من يتوسل إليه لينقذ ألمانيا من هذا المأزق، بتحييد الفرنسيين بعيدا.


لسنوات سابقة كان قد نوقش عرض الحكم الذاتي علي "الألزاس" ضمن الدولة الألمانية، فإذا قبل الألزاسيين هذا العرض، لن يكون لدي الفرنسيين أي سبب تستطيع التحجج به لتحرير الأرض التي فقدتها منذ عقود، لكن العسكريين الألمان كانوا رافضين ذلك الحل لما رأوه في الألزاس من أهمية عسكرية، فكانوا يخشون من منح الألزاس الحكم الذاتي. لكن ورغم الرفض العسكري، فإن إنجاز هذا العمل اليوم ومنح الألزاس حكما ذاتيا تحت ظل العرش الألماني سيوقف أي هجوم فرنسي، وستظل الفرصة سانحة لتحريك القوات نحو الشرق حيث الروس بأمان وطمأنينة مع إبقاء فرنسا وانجلترا بعيدتين عن القتال.


طلب الألمان من الفرنسيين وقتها الرد في غضون 18 ساعة حول ما إذا كانوا سيبقون علي الحياد في حالة قيام حرب بين الألمان و الروس، وزادوا فوق ذلك طلب تسلمهم حصون تول وفردان مع إعادتهم لفرنسا عقب انتهاء الحرب، وللمفارقة فأن سفير ألمانيا في فرنسا البارون "فون شون" لم يستسيغ أن يسلم هذا الطلب الوحشي، كان يري أن بلاده هي المستفيد من حياد فرنسا في مثل تلك الحرب، وأن هذه الطلبات تستفز باريس لتقف ضد ألمانيا وليس العكس، فرد علي برلين طالبا تعديل الطلب، لكن الفرنسيين اعترضوا أشارته وقاموا بحل شفرتها، وردوا علي سفير ألمانيا بأن "فرنسا ستتصرف وفقا لمصلحتها".


برقية أخري وصلت إلي الخارجية الألمانية هذه المرة من لندن حيث السفير الألماني هناك، مع عرض من بريطانيا مفاده أن عدم الهجوم علي فرنسا يعني أن بريطانيا ستكون علي الحياد ومن خلفها فرنسا، وتتسارع الأحداث في قصر الإمبراطور الألماني، أوقفوا الهجوم ضد الفرنسيين.


كانت الخطة الألمانية تقضي بالاستيلاء علي تقاطع السكك الحديدية في لوكسمبورغ، تلك الدولة الصغيرة التي علي الحياد مع الدول الخمس الكبرى ومنها ألمانيا، أمر الإمبراطور بوقف قائد جيوشه "فون مولتك"، لكنه كان قد خرج من القصر فعلا لبدء تنفيذ الخطة، تبعه فورا مندوب عن الإمبراطور لإعادته، في تلك الليلة من ليالي أغسطس لم يكن القائد الألماني لديه من الصفو الذي يسمح له أن يستمع لتدخلات الإمبراطور في أمور عسكرية عالية الدقة، أو دراسة ترتيبات نقل مليون رجل من الغرب حيث كانوا سيهاجمون لوكسمبرغ ثم فرنسا في الخطوة التالية إلي الشرق حيث سيفتتحون القتال ضد الروس، كان مولتك في حالة عصبية.


كان من المقرر أن النقل لتلك الجحافل من الجند ومعداتهم، سيتم عبر السكك الحديدية، وأوضح مولتك أنه لا يمكن ذلك، لكن الأمور دائما لا تسير هكذا، كان هناك رجل آخر في حضرة الإمبراطور، إنه الجنرال المسئول عن السكك الحديدية، إنه الرجل الذي كانت السكك الحديدية في ألمانيا حينذاك لا يمكن أجراء أي تعديل فيها إلا بعد موافقته ويدري عنها كل شيء، ربما عدد صواميل قضبانها، رأي الرجل في قول الجنرال مولتك أنه لا يمكن النقل عبر السكك الحديدية، أهانه لشخصه إذ كان قد كتب فعليا من قبل أنه بإمكانه ذلك، كانت ليلة حادة بشكل عام ودارت نقاشات حادة بين مولتك ذو المزاج المعكر ليلتها والإمبراطور وكثير من القادة.


وللحفاظ علي الأمور في نصابها الصحيح، أرسل "فيلهلم الثاني" إمبراطور ألمانيا إلي أبن عمه الملك "جورج" ملك انجلترا طالبا منه الحفاظ علي هدوء الفرنسيين، بل وكان صريحا تماما معه حينما أوضح له أن هناك بعض المصاعب الفنية في نقل قواته المحتشدة عند الحدود مع فرنسا لكنه بالطبع سيمتنع عن الهجوم لو ظل الفرنسيين في حالة هدوء حتى يسحب قواته إلي مكان آخر، لذا فمن فضلك أيها الملك جورج أجعل الفرنسيين مطمئنين.


الأمور التي بدت أنها ستصبح أفضل، وأن الألمان سيسحبون قواتهم من الحدود الفرنسية مع طمأنة ملك الانجليز لهم، انتهت إلي كارثة، فمع عيب تقني جديد هذه المرة في التليجرام، اقتحمت القوات الألمانية الحدود مع لوكسمبورغ بعدما تأخر وصول الأوامر إليها بوقف الخطة، وفي وقت لاحق دخلت قوة ألمانية جديدة، وأمرت قائد القوة الأولي بالانسحاب "لقد حدث خطأ ما"، وأرسل رئيس وزراء لوكسمبورغ الإخبار إلي باريس ولندن وبروكسل، كما أرسل احتجاجا كان من نصيب برلين.


باريس ولندن:


سان بطرسبرج في روسيا، السفير الألماني يسلم إلي وزير الخارجية الروسي أعلانا بالحرب وأن مهمته كسفير لألمانيا قد انتهت، دار حوار مثير بين لعنات الشعوب التي أعلنها الوزير الروسي والتبرير بالدفاع عن الشرف الألماني الذي أبداه سفيرهم.


وتحت عنوان جديد هو "باريس ولندن" تنتقل الكاتبة للحديث عن سعي الفرنسيين للتغلب علي تردد لندن في مساندتهم، مجلس الوزراء الفرنسي، ومعه رئيس الدولة "بوانكاريه" المحامي الذي أتي في انتخابات 1913، وجدوا أنفسهم أمام كارثة، لكنهم وفي وقت الخطر تحولوا إلي قوة لا تلين لصالح بلادهم، كانت الحكومة تواجه مصاعب داخلية شديدة وهي الآن تواجه حربا، لكن في مثل هذه الظروف لا مجال سوي لشعار واحد "تعيش فرنسا".


مأزق جديد خلقته الديمقراطية هذه المرة، فبينما السلطة مطلقة للقيصر في روسيا فلابد من موافقة البرلمان علي أي اتفاقية للدفاع المشترك مع الروس، وبعد الشد والجذب والأخذ والرد أعلن الفرنسيين التعبئة، وكسابق الحال مع الألمان ضجت الشوارع برد الفعل، النشيد الوطني لفرنسا وبريطانيا وروسيا بدأ يعزف في المطاعم والمقاهي.


أما في لندن بدا وكأن الحكومة مصابة بانفصام في الشخصية، بين مؤيد ومعارض للتدخل الخارجي، كانت بريطانيا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي لا تفرض التجنيد علي مواطنيها، ويتكون جيشها فقط من المتطوعين، في هذا الوقت كان هدف فرنسا الرئيسي دخول بريطانيا معها الحرب كحليف، بينما كانت حاجة بريطانيا الأساسية هي أن تدخل الحرب بحكومة موحدة، بعدما رفض 18 وزيرا اعطاء فرنسا أي وعود بدخول الحرب إلي جانبها.



صورة لجنود ألمان فوق عدد من قوارب الطوربيد الألمانية في ميناء قبل بداية الحرب، صورة من الموسوعة البريطانية.


ربما كانت النقطة الايجابية الوحيدة وقتها لدي البريطانيين هي أسطولهم القوي الذي كان بعيدا عن هذا العبث السياسي، وفي حالة مستعدة تماما للحرب، وتوقع "لويد جورج" رئيس الوزراء البريطاني، أقصر طريق سيسلكه الألمان عبر بلجيكا وصولا إلي العاصمة الفرنسية باريس، ويظهر هنا تشرشل وزير البحرية وقتها، الذي ذهب إلي رئيس الوزراء يخبره أنه سيحرك الأسطول علي الرغم من قرار مجلس الوزراء برفض هذا التحرك من قبل، كان قرارا منفردا لابد أن يوافق عليه المجلس في اليوم التالي وإلا سيعود الأمر كما كان عليه.


إنذار في بروكسل:


كان البلجيكيين علي الحياد، مروا بخمسة وسبعين عاما من السلام، أنها أطول فترة متواصلة عرفوا فيها السلام في تاريخهم، أفاق البلجيكيين علي أخبار غزو ألمانيا للكسمبورج، لكنهم كانوا يميلون إلي تصديق السفير الألماني، صدق البلجيكيين أن النار قد تشتعل في سقف جارك، لكن سقفك سيظل سليما، خصوصا أنه كان لديهم تأكيد آخر من البريطانيين أنهم سيهبون لنجدتهم إذا ما حاول الألمان غزو بلادهم، ومع هذا فالملك ورئيس وزرائه ورئيس الأركان لم يكن بمقدورهم الاستمرار في تلك الثقة بالنفس طويلا، فصدر قرار نفذ بليل باستدعاء الجيش، دون توجيهه إلي حدود معينة أو هدف معين، كان الأمر كله يتمثل في استدعاء الجيش فقط وليس نشره باتجاه هدف ما.


وتحضر المرأة، زوجة الملك ألبرت ملك بلجيكا كانت الملكة إليزابيث، الألمانية الأصل، لتترجم ملكة بلجيكا النداء النهائي الذي سيرسله زوجها للقيصر الألماني وتعطي لزوجها أفضل الكلمات التي يمكن أن توصل المعاني التي يريد توصيلها إلي القيصر، كان الطلب الرئيسي أن يحترم القيصر الحياد البلجيكي، وأواصر الصداقة والقرابة بينهما، لكن الرسالة التي كتبتها الملكة لم تحصل علي الرد من القيصر إلي الأبد.


تلقت ألمانيا معلومات موثوق بها علي طول طريق (غيفت-نامور)، كان هذا يعني بالنسبة للألمان أن فرنسا تخطط لمهاجمتهم عبر الأراضي البلجيكية، بينما قال البلجيكيين أنه لا دليل يقيم تلك التهمة عليهم وأنهم لم يفتحوا أراضيهم لجنود فرنسا، لكن الألمان لم يختلفوا مع البلجيكيين وحسب، بل كانت رؤيتهم أنه لا يمكن الوثوق في قدرة الجيش البلجيكي علي وقف الفرنسيين، وتم إرسال رسالة لبلجيكا مفادها أن ألمانيا ستضمن الانسحاب عقب إحلال السلام ودفع التعويضات عن أي أضرار يتسبب بها الجنود الألمان وضمان الحقوق السيادية والاستقلال للمملكة البلجيكية. 


أما إذا عارضت بلجيكا مرور ألمانيا عبر أراضيها فستعتبر عدو وسيستخدم الخيار المسلح ضدها، وطلبت تلك الرسالة أنه وفي غضون 12 ساعة يتم إبلاغ ألمانيا برد لا لبس فيه، كان هذا يعني بالنسبة للبلجيكيين أنهم لو قرروا الدفاع فستهاجم بلادهم، ستدمر منازلهم، وسيتعرض الناس لأعمال انتقامية من قبل قوة تفوقهم عشر أضعاف، لكنهم لو قبلوا سيصبحون شريكا في الحرب علي فرنسا وستنتهي حالة الحياد، كما أن الألمان قد لا يتذكروا وعدهم بالانسحاب إذ حققوا النصر في الحرب، هذا الاختيار سينقص من شرفهم أيضا.


في النهاية، اختار البلجيكيين شرفهم، رفضوا الانذار الألماني.


الحرب:


حينها قرر الألمان انفاذ تهديدهم، توغلت قواتهم في الأراضي البلجيكية، لم يكن لدي البلجيكيين أي فرصة لمقاومة هذا الغزو، لكن برلين تعكر الصفو فيها حينما وصلها هي هذه المرة إنذارا بعدما اعتاد الألمان علي أنهم هم من يرسلون الانذارات، كان إنذارا من لندن، تعلم المملكة البريطانية العظمي التي لا تغيب عنها الشمس أنها لن تقف مكتوفة الأيدي نحو ما يفعله الألمان في بلجيكا.


لكن القيصر الألماني اختار بدء القتال المر، رفض انذار الملك البريطاني ابن عمه له، لذا ففي تمام الساعة الحادية عشرة من مساء الرابع من اغسطس / آب اعلنت بريطانيا الحرب على المانيا.


رسميا يؤرخ لبداية الحرب العالمية الأولى في الثامن والعشرين من يوليو عام 1914.


الخاتمة :


جنود فرنسيين في خندق أثناء القتال خلال معركة المارن الأولي، صورة من المكتبة الوطنية الفرنسية، الصورة للاستخدام العام.


انتهت معركة المارن الأولي في سبتمبر 1914، كما يعلم العالم بأسره، انتهت بانسحاب الألمان، لم يكن انسحابا ألمانيا فقط، لقد أضاع الألمان في المارن الأولي فرصتهم الذهبية للفوز بالحرب، في النهاية خسروا الحرب كلها فعليا وأنتصر الحلفاء، وبعيدا عن الأسباب التي قد تذهب بعيدا أحيانا باعتبارها مؤامرة علي ألمانيا، فلكن وحتى يحدث هذا استمرت الحرب واستمر سقوط القتلى حتى 11 نوفمبر 1918، فلم يكن هناك فرصة للعودة بعد أن سقطت الدول في فخ الحرب بعد أن فشلت الثلاثين يوما الأولي أن تكون حاسمة لتلك الحرب الكبرى، وأضاع الألمان فرصة استغلال تفوقهم العسكري ودخلوا في حرب خنادق مملة وثقيلة وكئيبة، وجلبت الحرب الويلات علي أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية منها والشمالية، ونيوزيلندا واستراليا.


في النهاية فأننا نقدم دعوة لكل دور النشر العربية، لترجمة هذا المؤلف الرائع، وإثراء المكتبة العربية به، ومن المؤكد أن جمهور القراء سيقابله أيما استقبال بترحيب شديد واهتمام واسع، مع الآخذ في الاعتبار أن الكتاب حقق أرقاما عالية في المبيعات طويلا، وهو الآن يحتل المركز التاسع في قائمة "أفضل كتب الحرب العالمية الأولي بيعا" علي موقع أمازون الأمريكي الشهير. ما يعني أن الدار التي ستتخذ القرار وتقوم بترجمته ونشره ستحظى بمكاسب مالية بجانب المكسب الأدبي والمعنوي.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -