كان المنطاد خطوة وقفزة هائلة إلى الأمام نحو تحقيق حلم الإنسان في الطيران.

المنطاد
نسخة ملونة من صورة التقطت لمنطاد هيندنبورغ، أكبر منطاد صنعه الإنسان خلال زيارته إلى ليكهورست بالولايات المتحدة الأمريكية في يناير 1937، بالتدقيق في الصورة نلاحظ شعار اللجنة الأولمبية الدولية، حيث اقيمت في العام السابق فقط واحدة من أشهر دورات الألعاب الأولمبية في التاريخ وهي دورة برلين 1936، public domain via NAID.

وبالرغم من أن الطائرات كانت هي تفسير الحلم وتحقيقه، فقد حجزت المناطيد لنفسها مكانا مهما في عالمنا، بالرغم من أنه قد لا ينتبه إليه الكثيرون.

من لحظات التشويق والمتعة، مرورا بأغراض المراقبة والاستطلاع، وحتى تنفيذ الهجمات في الحروب، دعونا نحلق معا ولو لمدة دقائق في خيالنا مع المناطيد.

ما هو المنطاد؟:

المنطاد يا عزيزي هو مركبة جوية ((أخف من الهواء)) مزودة بأنظمة توجيه ودفع.

ظهرت المناطيد لأول مرة على يد مخترعيه الأخوين جوزيف وإتيان مونتجولفييه، في عرض اقيم في سبتمبر عام 1783 أمام بلاط الملك لويس السادس عشر وماري أنطوانيت.

مثل ذلك العرض قنبلة علمية جذبت لها أنظار العلماء من كل مكان، لدرجة أنه لم يمر بضعة شهور حتى نجح الفيزيائي الفرنسي جاك تشارلز في زيادة مدى ووقت رحلات طيران المنطاد بفضل استخدامه غاز الهيدروجين، وهو الغاز الذي سيظل مفضلا في تشغيل المناطيد حتى عندما يتم الدفع به كسلاح في الحرب العالمية الأولى.

وبالرغم من أنه وسيلة طيران أسبق منها، إلا أن البشر اعتبروا المناطيد "ثانوية الأهمية" عقب تنفيذ الاخوان رايت أول تحليق ناجح بالطائرة في 17 ديسمبر عام 1903، حيث أخذت قيمتها في التراجع أمام الطائرات التي بدت أسرع، وأكثر موثوقية.

أيضا واجهت المناطيد انخفاضا في شعبيتها بشكل حاد وأصبحت مصدر لقلق الناس بشأن سلامة من يستقلها منذ كارثة تحطم منطاد هيندنبورغ عام 1937، والتي خلفت 36 قتيلاً.

ويمكن أن نعتبر أن هناك نوعين أساسيين من المناطيد، هما:

المنطاد
بطن أحد المناطيد ويظهر تثبيت فيه مكانا لجلوس طاقم القيادة ومحركات ذات مراوح، Tatiana Sapateiro، CC BY 2.0 DEED، via wikimedia commons.

  1. البالون: ذو قدرة منخفضة على الطيران ومسافة تحليقه قليلة للغاية، وهو بالفعل يكون على شكل بالون يتدلي منه حبال تحمل المكان الذي يقف فيه الركاب، والذي كثيرا ما يكون مصنوعا من الخشب ويأخذ شكل السلة.
  2. المنطاد: يتمتع بقدرة عالية على الطيران والمناورة، ويستطيع التحليق لمسافات طويلة والبقاء في الجو لأيام متتابعة.

ما هي أسماء المنطاد؟:

أصل اسم ((المنطاد)) غير مؤكد.

في الوقت الحالي، تستخدم كلمات dirigible و airships و Blimps كأسماء للمناطيد، ولكن هناك قصة وراء تلك الأسماء.

فعندما ابتكر الإنسان المنطاد كان يسمي dirigible، إنها كلمة مشتقة من الكلمة الفرنسية diriger ومعناها "التوجيه"، ومع ذلك فإن الطرازات الأولى من المناطيد لم يكن هناك إلا وسائل بدائية للغاية للتحكم بها وتوجيهها، وكان طيرانها إلي حد كبير يعتمد على اتجاه الرياح.

ثم ظهر الجيل الثاني من المناطيد وهو (المنطاد الصلب) والذي يعرف أيضا باسم منطاد زبلين، نسبه إلى مصنعه، الكونت والجنرال الألماني (فرديناند فون زبلين).

منطاد زبلين مثل اختراقا مهما في صناعة المناطيد، لأنه تميز بقوة رفع أكبر بكثير من مناطيد الجيل الأول، كما كان أفضل من حيث وسائل توجيهه والطيران به.

أعقب ذلك مزيدا من التطور، وتزويد المناطيد بمحركات تسمح لمن يحلق بها أن يتحكم بها خلال الطيران تغير اسم المناطيد إلى الكلمة الإنجليزية airships، وقد حدث ذلك لأول مرة في الحرب العالمية الأولى كما سنري عندما نتحدث عن المنطاد الحربي.

كيف يطير المنطاد؟:

تتنوع أسماء المنطاد
مشهد ساحر الجمال لمجموعة من مناطيد الهواء الساخن فوق وادي الملوك بمدينة الأقصر المصرية وقت الغروب، Mustang Joe، CC0 1.0 DEED، via Flickr.

تختلف الطريقة التي يطير بها المنطاد بحسب نوعه.. مثلا، منطاد الهواء الساخن أو ((البالون)) الذي يستخدم الغاز لتوليد الرفع الذي يجعله يرتفع في السماء.

عندما استطاع العلماء تحديد وزن الهواء، اكتشفوا أن القدم المكعب من الهواء يصل وزنه حوالى 28 جرامًا، لكن هذا الوزن ليس ثابت بالضرورة، بل يتغير بتغير "درجة حرارة الهواء" نفسه.

وهكذا يعتمد منطاد الهواء الساخن (يسمي كذلك: بالون الهواء الساخن) في عمله وقدرته على الطيران على مبدأ علمي بسيط للغاية وهو المبدأ الذي يقول أن:
((الهواء الساخن يتمدد وتقل كثافته، وبالتالي يرتفع إلى الأعلى لأنه يصبح أخف وزنا، وأن الهواء البارد يتقلص فتزيد كثافته ووزنه فينخفض إلى الأسفل)).

هذا الأمر ربما شاهدناه جميعا في ((الماء المغلي)) الذي يتصاعد منه فقاعات الهواء الساخن.

المهم .. نعود إلى المناطيد.

يتم ملء المناطيد بغاز يجب أن يتسم بخفة الوزن (مثل غاز الهيليوم) على سبيل المثال ما يسمح لها بالارتفاع والتحليق في الجو.

على العكس، هناك المناطيد الحديثة التي تحلق بالمحركات، وتستطيع أن تتحرك للأمام عبر الهواء، تماما مثل الطائرات.

هذه الأنواع الحديثة يمكنها الطيران مثل الطائرات الهليكوبتر والتحليق في مختلف الظروف الجوية، بل والبقاء في الجو لعدة أيام.

تصميم المنطاد:

منطاد حربي
بشكل ما، هناك نوع من التشابه بين تصميم المنطاد وبين الأسماك، في الصورة منطاد نشره الجيش الأمريكي في أفغانستان بعد تزويده بمعدات مراقبة واتصالات على مدار 24 ساعة ليكون قادر على رصد أي عملية لوضع العبوات الناسفة من قبل مقاتلي طالبان، Defense Visual Information Distribution Service، public domain.

بالتبعية يختلف كذلك تصميم المنطاد حسب نوعه، البالون مثلا تصميمه بسيط للغاية، التعقيد يبدأ مع المنطاد ذو المحركات.

ربما لاحظت من قبل أن الكثير من أنواع المناطيد تكون أضخم في الأمام، ثم يبدأ يتقلص حجمها ببطء كلما اقتربنا من نهاية المنطاد في الخلف.

ألا يذكرك هذا الشكل بشيء يا عزيزي القارئ؟ ..

ستكون قوي الملاحظة لو لاحظت التشابه بين المنطاد وبين الأسماك، والحيتان والفقمات، وكذلك العديد من أنواع الطيور.

الهدف من تصميم المنطاد بهذا الشكل هو تقليل مقاومة الهواء، كما يمنع كذلك من تشكيل دوامة هوائية في طريقه.

لكن كيف يحافظ المنطاد على تصميمه بهذا الشكل؟.

هذه الأنواع من المناطيد تكون مملؤة بغاز مضغوط بداخلها هو من يحافظ لها على هذا الشكل.

المنطاد الحربي:

مثله مثل الكثير من الاختراعات والابتكارات، شق المنطاد طريقه نحو الحروب.

وكانت الحرب العالمية الأولى بمثابة البداية الحقيقية لاشتراك العديد من الاختراعات والابتكارات في الحروب مثل الدبابات وأقنعة الغاز.

كما كانت الفرصة سانحة كذلك لإدخال تكنولوجيا البالونات أو المناطيد الأخف من الهواء في الاستخدامات العسكرية.

في تلك الحرب، دفعت البحرية البريطانية بالمناطيد واستخدمتها في مهام الدوريات وخصوصا دوريات المراقبة والاستطلاع، كما كانت جزء من القوافل التي كانت تعمل على البحث عن والهجوم على الغواصات الألمانية.

الأمريكيين من جانبهم، وبالرغم من أنهم لم يكونوا أول من استخدموا المناطيد كسلاح، لكنهم صنعوا بالونات أكبر وأكثر قوة وقادرة على القيام بالمزيد من المهام أكثر من أي جيش آخر.

عقب الحرب، وفي الفترة السابقة للحرب العالمية الثانية، طور الأمريكيين الأمر أكثر، فخرج للنور المنطاد K-2.

كان K-2 هو أهم منطاد من سلسلة من المناطيد من فئة أسمها K التي كانت واحدة من أكبر مناطيد الغاز التي استخدمتها البحرية الأمريكية في تاريخها، واختلف كل طراز من هذه المناطيد عن الآخر من حيث حجمه، وكذلك من حيث المحرك الذي يستعمله.

واستمرت هذه المناطيد في العمل لدي البحرية الأمريكية وخاضت بها الحرب العالمية الثانية، بل كانت مكونا مهما في طيران البحرية الأمريكية خلال الحرب، خصوصا فيما يتعلق بالقتال المرير الذي خاضته ضد الغواصات الألمانية من فئة U-Boats.

وفي فترة ما بعد هذه الحرب ظلت تستخدم خلال سنوات الخمسينات.

المنطاد في وقتنا الحالي:

في الوقت الحالي لا يزال المنطاد له العديد من الاستخدامات.

منطاد المراقبة:

انه يخدم في العديد من الجيوش حول العالم، ولعل القراء الاعزاء من شمال سوريا يعرفون جيدا مناطيد المراقبة التي يستخدمها الجيش التركي على الحدود بين البلدين.

كذلك جيش الاحتلال الإسرائيلي وفي خضم الاشتباكات الدائرة بينه وبين قوات حزب الله اللبناني، أطلق في يناير 2024، أكبر منطاد مراقبة في العالم بطول يبلغ 117 متر بهدف رصد واكتشاف مواقع إطلاق الصواريخ والمسيرات.

المنطاد الإسرائيلي والذي يحمل اسم (Sky Dew) والذي يعني باللغة العربية ندى السماء، فبالرغم من كونه أكبر منطاد في العالم حاليا، إلا أنه ليس أكبر منطاد عسكري في التاريخ.

صاحب الرقم القياسي هو منطاد البحرية الأمريكية من طراز ZPG-3W والذي بلغ قطره 85 قدمًا، وكانت مساحته تعادل 1,500,000 قدم مكعب (أي ما يعادل 42,450 مترًا مكعبًا)، ومع طول 123 متر يصبح أطول من المنطاد الإسرائيلي بستة أمتار.

لم يصنع من هذا المنطاد العملاق إلا أربع نسخ فقط دخلوا الخدمة عام 1958، ولكن في العام 1960 انفجر منطاد من الأربعة، وسرعان ما أحالت البحرية الأمريكية الثلاثة الآخرين إلي التقاعد بحلول عام 1962.

لكن يظل المنطاد الصيني الذي حلق فوق الأراضي الأمريكية مطلع عام 2023 هو أشهر منطاد مراقبة وتجسس لفت أنظار العالم كله نحوه، عندما اكتشف الأمريكيين ذات يوم أن منطاد صيني يحلق على ارتفاع شاهق فوق مواقعهم العسكرية الحساسة دون أن يحسوا به.

  • منطاد الدعاية:

وفي أغراض الدعاية والاعلان نجده حاضرا في العديد من المعارض المختلفة حول العالم، بل قد تقوم بعض الشركات أحيانا باستخدام المنطاد للتحليق حاملا شعارها.

كما تستخدم المناطيد في تغطية الأحداث الرياضية المهمة، مثلما يحدث من استخدام مناطيد شركة Goodyear الشهيرة في تغطية منافسات الجولف أو كرة القدم الأمريكية.

  • منطاد الرحلات السياحية:

مثل استخدام المناطيد في الرحلات السياحية أحد أبرز مظاهر انفتاح أوروبا وتطورها في مطلع القرن العشرين.

أما الرحلات التي كان يدعو إليها المهندسين الذين عملوا على تصميم وبناء المناطيد مثل العبقري الإيطالي (أنريكو فورلانيني) الذي حضر إلى الولايات المتحدة وبدأ في توجيه الدعوات للشخصيات البارزة لركوب منطاده وتجربة الطيران من خلاله، فقد مثلت خير دعاية لهذا الاختراع الجديد وقتها.

في يومنا هذا لا يزال هناك استخدام واسع للمناطيد في أغراض الترفيه، مثل رحلات الاستمتاع بالمناظر الجميلة والسياحية من الهواء، وقد يحمل المنطاد راكب واحد يطير بمفرده، أو قد يجتمع عدة ركاب في الرحلة الواحدة.

أيضا ظهرت مشاريع لمناطيد متطورة مثل مناطيد Flying Whales والتي من المخطط لها أن تكون قادرة على نقل كل شئ بداية من قطع الصواريخ وحتى حزم المساعدات الإنسانية.

وفي كثير من الأحيان تنطلق العديد من المناطيد معًا في نفس الوقت، للقيام بالرحلات الترفيهية لمدد غالبا تتراوح ما بين ساعة وحتى ثلاث ساعات لا تقطع خلالها إلا بضعة كيلومترات فحسب، وغالبًا ما تعود للهبوط في نفس نقطة الإقلاع أو بالقرب منها.

المصادر:

المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات الإستراتيجية والسياسية، هي محاولة عربية جادة لتقديم أهم الأخبار العربية والعالمية مع التركيز علي تحليل مدلولاتها، لكي يقرأ العرب ويفهمون ويدركون. نمتلك في المعرفة للدراسات عددا من أفضل الكتاب العرب في عديد من التخصصات، لنقدم لكم محتوى حصري وفريد من نوعه. facebook twitter
تعليقات