تحليه مياه البحر .. هل يقدم الحل لتأمين مستقبل الأرض؟

الماء، أغلى الموارد على كوكب الأرض .. الذي وبحسب الأمم المتحدة فإن ندرته أصبحت تؤثر بالفعل على 40٪ من البشر، حتى قيل إن الحرب القادمة ستكون بسبب الصراع عليه.

محطة تحلية مياه العزيزية، جدة، المملكة العربية السعودية
محطة تحلية مياه العزيزية، جدة، المملكة العربية السعودية، Waleed Alzuhair، CC BY-NC-SA 2.0 DEED، via Flickr.

في يومنا هذا وبحسب جامعة (كارنيجي ميلون) الأمريكية فإن هناك 4 مليار شخص على وجه الأرض يعانون من ندرة المياه.

3٪ فقط من كميات الماء على كوكب الأرض هي مياه عذبة، وثلثيها لا يمكن استغلاله أصلا لأنها إما جبال جليدية في القطبين، أو لا يمكن أن نصل إليها، وبالتالي فمن كل المياه على كوكبنا، فإن 1% منها فقط هو ما في حوزتنا للشرب والزراعة والصناعة وغير ذلك من أنشطتنا في كل زمان ومكان.

سمع العالم جرس الإنذار.. وبدأ خلال المائة سنة الأخيرة في البحث عن حلول لأزمة نقص المياه، نظر حوله وفكر .. فكان من أبرز الحلول (تحلية المياه).

ويقصد بتحلية المياه هو جعلها صالحة للشرب، فيا تري هل يمكن أن يحل ذلك أزمة المياه في عالمنا؟ ..

لماذا لا يمكننا شرب ماء البحر؟:

إذا ما عرفنا أننا نعيش على كوكب تغطي المسطحات المائية 71% من مساحته، وأن 97% من مياه الأرض هي مياة مالحة ربما يطرح البعض سؤال .. إذا لماذا لا نشربها بشكل مباشر وتنحل أزمة المياه.

بغض النظر عن أن الكثيرون لن يستطيعوا شربها أصلا بسبب طعمها، فهناك أسباب عديدة لعدم شرب الماء المالح:

١) لن تستطيع كلية الإنسان التخلص من الكميات الكبيرة من الملح، وهذا قد ينتج عنه الإصابة بمشاكل في الكلى أو جفاف .. إذ سيدخل الناس دورة المياه بشكل مستمر.
٢) ارتفاع نسبة الأملاح يرفع ضغط الدم، وهذا قد يؤدي لحدوث فشل في بعض أعضاء الجسم.
٣) تشنجات عضلية.

أكبر محطة لتحلية مياه البحر في أوروبا تقع في برشلونة ، إسبانيا، مع قدرة على تحلية 200.000 متر مكعب من المياه يوميا
أكبر محطة لتحلية مياه البحر في أوروبا تقع في برشلونة ، إسبانيا، مع قدرة على تحلية 200.000 متر مكعب من المياه يوميا، Le plombier du désert، CC BY-SA 4.0 DEED، via wikimedia commons.

إذن فإن الناس لا يمكنهم شرب الماء المالح، وحتى الحيوانات لن تشربه، وإذا جربنا الري به في الزراعة، فإن الأشجار والنباتات ستموت.

لكن الخبر الجيد الذي لا يزال لدي البشرية، أنه يمكننا تحويل الماء المالح إلي مياه عذبة لها العديد من الاستخدامات.

ما هي المياه التي يمكن تحليتها؟:

بحسب بيانات (هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية)، نحن يمكننا تحليه المياه من مصدرين:

  1. مياه البحر: والتي تشكل 99% من هذه المياه.
  2. المياه الجوفية المالحة أو قليلة الملوحة: تشكل نسبة 1% فقط من الماء المالح في كوكب الأرض.

تاريخيا، جاء الاحتياج لتحلية مياة البحر أولا للبحارة والتجار الذين كانوا يجوبون بحار ومحيطات العالم، وكان لا يمكنهم أن يتخلوا عن جزء كبير من حمولة السفن لتخزين المياه عليها .. من هنا بدأت الحاجة لتحلية مياه البحر وظهرت أول الآلات المخصصة لذلك.

ولنا أن نتخيل كيف يمكن أن تتغير الحياة على كوكبنا إذا نجحنا في تحليه هذه المياه بكميات كبيرة وتكاليف قليلة، إن حضارتنا الإنسانية نفسها ستتغير ملامحها.

ما هي طرق تحليه مياه البحر؟:

  • الطريقة الأولى: التقطير:

هناك علماء مختصين يدرسون طرق تحلية المياه، وبالفعل هناك تطورات مستمرة تحدث في هذا المجال.

لكن حتى الأشخاص العاديين بوسعهم تحليه المياه بأنفسهم باستخدام أدوات بسيطة للغاية (كوب، ووعاء كبير يستخدم في تجميع الماء المكثف، كوب يصلح أن يوضع داخل هذا الوعاء، غلاف بلاستيكي أو أي غطاء نظيف لتغطية الوعاء، حجر صغير، وضوء الشمس)، حيث تسمي هذه العملية باسم (التقطير).

بطريقة ما يتشابه التقطير بشدة مع هطول الأمطار
بطريقة ما يتشابه التقطير بشدة مع هطول الأمطار، صورة من Santosh Kumar، CC BY-SA 2.0 DEED، via wikimedia commons.

ميزة التقطير أنها عملية بسيطة، وفي نفس الوقت يمكن استخدامها لإزالة الكثير من الشوائب (بشكل أساسي الملح) من الماء، لأنه يتبخر وينفصل عن المواد الصلبة.

تشبه هذه الطريقة ما يحدث بشكل طبيعي، عندما تقوم الشمس بتبخير الماء المالح من المحيطات والبحار، حيث يصعد الماء نتيجة تسخينه للهواء ويبقي الملح في البحر أو المحيط، ثم يعود الماء للأرض من جديد لكن هذه المرة على شكل أمطار وثلوج عذبة يمكن شربها.

وهذه الطريقة لابد أن يتعلمها الناس لأنها وسيلة غير معقدة وفي نفس الوقت مهمة للبقاء على قيد الحياة في العديد من الظروف الصعبة، مثل من تاه في الصحراء، أو حتى للناس في قطاع غزة والذين بدأوا في تقطير مياه البحر المتوسط عقب قطع إسرائيل إمدادات المياه عنهم مع اندلاع معارك طوفان الأقصى.

أيضا فإن الحروب في المستقبل قد تشهد استخدام أسلحة تسمي (أسلحة النبض الكهرومغناطيسي)، وهي قنابل لا تقتل البشر بشكل مباشر لكنها تجعل حياتهم مستحيلة، إذ تضرب شبكات الكهرباء والاتصالات .. لذا تخيل مدينة كبيرة مثلا وشبكة المياه فيها قد تعطلت بالكامل بدون جرح إصبع طفل صغير.

هذه الطريقة البدائية يجري حاليا تطوير تقنيات جديدة لتحسينها، مثل الأبحاث التي تم نشرها في المجلة العلمية المرموقة Water Science & Technology (علوم وتكنولوجيا المياه)، والخبر السعيد أنها تمت على يد علماء من جامعة الإسكندرية في مصر.

الباحثون منى نعيم ومحمود عليوة وأحمد الشافعي وعبير منير، طوروا التقطير، والذي يتميز بأنه رخيص لانه لايحتاج لكميات كبيرة من الطاقة، وحتى تلك الطاقة يمكن توفيرها من الشمس مثلا.

في بحثهم، جعل العلماء المصريين عملية التقطير من مرحلتين الأولى تمر فيها المياه بعملية تصفية عبر غشاء مصنوع من سيراميك أو بوليمر، والثانية هي التبخير للماء المقطر وتكثيفه وجمعه.

  • الطريقة الثانية: محطات تحلية المياه العملاقة:

دعونا نضرب مثالا هنا بمحطة كارلسباد لتحلية المياه في جنوب كاليفورنيا الأمريكية.. إنها أكبر محطة من نوعها في نصف الكرة الغربي.

هذه المحطة لها قدرة على توفير 50 مليون جالون من مياه البحر المحلاة يوميًا.

صورة من قلب المفاعل النووي BN-350 الذي تم تشييده على شاطئ بحر قزوين، بقدرة 350 ميغاواط كان يتم استخدامها في توليد الطاقة البخارية اللازمة لتشغيل محطة تحلية المياه المرتبطة بها
صورة من قلب المفاعل النووي BN-350 الذي تم تشييده على شاطئ بحر قزوين، بقدرة 350 ميغاواط كان يتم استخدامها في توليد الطاقة البخارية اللازمة لتشغيل محطة تحلية المياه المرتبطة بها، public domain.

حتى الاتحاد السوفيتي قبل تفككه وبالرغم من كثرة الأنهار فيه، قام بتحلية المياه باستثمارات ضخمة، حيث كان السوفييت هم أول من انشأوا محطات نووية لتحلية المياه في مفاعل BN-350 بكازاخستان -توقف عن العمل في نهاية التسعينات-.

في الولايات المتحدة، إسرائيل، الإمارات العربية المتحدة، ودول مدن أخرى في الشرق الأوسط وأستراليا ووسط أوروبا، أصبح هناك اعتمادا كبيرا على تلك المحطات، ولاية كاليفورنيا بمفردها بها 20 محطة لتحلية مياه البحر، وفي تكساس هناك محطات لتحلية المياه الجوفية المالحة.

وهكذا أصبحت هذه المحطات تمثل (المفتاح الأساسي) لتحلية مياه البحر خلال السنوات المقبلة، حيث تسعى الكثير من الدول لزيادة قدرتها، وفي نفس الوقت التقليل من تأثيراتها السلبية على البيئة.

حيث تعمل هذه المحطات في عملية متعددة الخطوات تعتمد على (التناضح العكسي)، ما يستهلك الكثير من الكهرباء.

التناضح العكسي أو (تحليه المياه بالأغشية) فكرته ببساطة تعريض مياه البحر لضغط شديد وهائل وتمريرها من خلال غشاء شبه منفذ لا يمكن لأيونات الملح أو أي مواد كيميائية أخرى من العبور خلاله، فتعبر منه فقط المياه، وبهذا يتم فصلهما عن بعضهما البعض.

لكن هذه الطريقة وبالرغم من أن البشر يستخدمونها بشكل مستمر منذ عقود طويلة، فإن لها مشاكلها، فهي مكلفة ماليا للغاية، كما أنها تستهلك الكثير من الطاقة كما أسلفنا، وذلك لأن الملح يرتبط بروابط كيميائية قوية مع الماء الذي يذوب فيه، ومن الصعب كسر تلك الروابط إلا بكثير من الطاقة.

في ذات الوقت ينتج عن عملية التحليه بهذه الطريقة كميات كبيرة من الماء المالح والملوثات الأخرى التي تنفصل عن الماء ثم يعاد ضخها في البحر من جديد، ما يخلق مشاكل للمخلوقات والبيئة البحرية.

هناك مشكلة أخرى لهذه الطريقة، وهي أنها صالحة فقط بالنسبة للدول التي تطل على البحار والمحيطات، أما الدول الحبيسة فلا يمكنها استخدامها.

محطة تحلية المياه في عسقلان المحتلة، حقق الكيان الغاصب اختراقات مهمة في تقنيات إدارة المياه وتحليتها
محطة تحلية المياه في عسقلان المحتلة، حقق الكيان الغاصب اختراقات مهمة في تقنيات إدارة المياه وتحليتها، Unknown author، CC BY-SA 4.0 DEED، via wikimedia commons.

وحتى الدول المطلة على بحار ومحيطات، ستواجه مشكلة أخرى، إذا كنت تمتلك نهرا، فالمياه تسير فيه بشكل طبيعي ومجانا دون جهد منك .. لكنك إذا قمت بتحلية مياه البحر فستحتاج لصرف مبالغ باهظة لنقلها إلى الداخل سواء بشق قنوات أو عبر أنابيب عملاقة، وهذا يرفع فاتورة تحليه المياه أكثر.

لكن الأمل يبقي في حدوث تطورات تكنولوجية كبيرة تخفض من التكاليف البيئية والاقتصادية لمحطات تحلية مياه البحر العملاقة.

  • الطريقة الثالثة: الطرق التكنولوجية الحديثة:

هناك حاليا تنافس علمي بين العديد من الباحثين في العديد من دول العالم لتطوير طرق جديدة لتحلية مياه البحر، نذكر هنا بعضا منها:

وحدة تحلية المياه بالطاقة الشمسية المتنقلة:

الباحثين في (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT) أحد أهم معاهد البحث العلمي على مستوى العالم، أعلنوا عن انتاجهم وحدة تحويل مياه البحر إلى مياه صالحة للشرب بضغطة زر.

الوحدة متنقلة ويمكن حملها بسهولة فهي لا تزن سوى 10 كجم فقط، وتصلح لتوليد مياه شرب نقية ونظيفة .. لكن أهم ما يميزها أنها لا تحتاج إلى مرشحات أو مضخات عالية الضغط.

الميزة الثانية والبارزة هي طريقة حصولها على الطاقة، يحدث ذلك من خلال وحدة توليد طاقة تعمل بالطاقة الشمسية.

هناك فكرة شبيهة لذلك ظهرت كذلك في الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات، وهي عبارة عن عوامة كالتي يستخدمها الناس للعوم في البحر صيفا، ويتم تزويدها بما يشبه الخيمة البلاستيك المحيطة بها تماما وجهاز صغير لتوليد الكهرباء من طاقة الشمس.

يتم الدفع بها في المياه المالحة وتركها تعمل .. وإن كان يعيبها أنها لا تقوم إلا بتحلية كميات قليلة من الماء.

غشاء قرص العسل:

هذا الغشاء هو أحد المشاريع التي يعمل عليها في جامعة (كارنيجي ميلون) بولاية بنسلفانيا الأمريكية.

الغشاء حمل هذا الاسم لأنه على شكل قرص العسل بالفعل، ويبلغ سمكه بضع ذرات فقط، ويمكنه تحلية المياه بطاقة أقل بكثير مما هو مستخدم حاليا.

وحدة تحلية المياه تحت سطح البحر:

وحدة تحلية المياه التي تعمل في أعماق البحار من شركة Waterise النرويجية.
وحدة تحلية المياه التي تعمل في أعماق البحار من شركة Waterise النرويجية.

هذه الوحدة حصلت شركة Waterise النرويجية على براءة اختراع بخصوصها.

فكرة هذه المحطة أنه إذا كانت مشكلة محطات تحلية المياه العملاقة هي أنها كثيفة الاستهلاك للطاقة، فإن الحل يكون في إنشاء محطات على عمق يصل إلى 400 متر تحت سطح البحر.

عند هذه المسافة الهائلة ينتج ما يعرف باسم (الضغط الهيدروستاتيكي).

يبدو الأمر معقدا؟..

ببساطة شديدة الضغط الهيدروستاتيكي هو الضغط الناتج عن المياه على سطح شيء تغمره المياه.

بمعني أن المحطة ستكون مغمورة بالمياه .. وستمارس المياه ضغطا على سطحها، هذا بالضبط هو الضغط الهيدروستاتيكي.

هذا الضغط يتم استخدامه كمصدر للطاقة اللازمة لتحلية المياه، وبحسب نيلز بيتر رايت، الرئيس التنفيذي لشركة Waterise فإنهم يوفرون بتلك الطريقة ما بين 30 : 40% من الطاقة المطلوبة.

يشبه الأمر وكأنك تعصر برتقالة بيديك أو بعصارة يدوية، تخترق قشر غلاف البرتقالة فيخرج العصير، بالضبط هذا ما يحدث هنا يتم ضغط جزيئات الماء المالح، وتنفصل المياه عن الملح وتصبح صالحة للاستهلاك.

فبدلا من تمرير المياه عبر الأغشية كما في الطرق العادية لتحلية المياه، يتم هنا سحب الماء من داخل الملح.

وأنت .. اترك لنا تعليقا برأيك عن ما هو الحل الأمثل بالنسبة لك من أجل توفير المياه في دولتك أو في العالم ككل؟.

المعرفة للدراسات
بواسطة : المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات الإستراتيجية والسياسية، هي محاولة عربية جادة لتقديم أهم الأخبار العربية والعالمية مع التركيز علي تحليل مدلولاتها، لكي يقرأ العرب ويفهمون ويدركون. نمتلك في المعرفة للدراسات عددا من أفضل الكتاب العرب في عديد من التخصصات، لنقدم لكم محتوى حصري وفريد من نوعه. facebook twitter
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-