ماذا لو توقفت ألمانيا عن صناعة السيارات؟.

نشرت مجلة (ذي إيكونوميست) الإنجليزية الشهيرة تقريرا فريدا من نوعه حمل سؤالا تخيليا عن (ماذا لو توقفت ألمانيا عن صناعة السيارات).

مصنع لسيارات فولكس فاجن
صفوف من سيارات فولكس فاجن خارج مصنع لتجميع السيارات يقع في بالميلا، بالقرب من لشبونة، إنه أكبر مصنع باستثمارات خارجية في البرتغال، صورة من Diego Delso، CC BY-SA 4.0 DEED.

التقرير بدأ بتخيل أن عملاق صناعة السيارات الألماني (فولكس فاجن) سار في نفس الدرب الذي سارت فيه من قبل عملاق صناعة الهواتف الفنلندي (نوكيا) الذي فاته التطور مع ظهور الهواتف الذكية التي تعمل بنظام اندرويد.

مضيفا أن مصير العلامة التجارية فولكس فاجن VW قد بات بالفعل "على المحك".

السقف يشتعل:

التقرير استشهد بالسيد (توماس شيفر) الرئيس الجديد لفولكس فاجن، عندما قام بتقديم (عرضاً تقديمياً) لفريق الإدارة في الشركة في أوائل شهر يوليو / تموز الماضي.

في هذا العرض لم يخفف الرئيس الجديد من مشاكل شركته من قبيل ارتفاع تكاليف الانتاج، انخفاض الطلب على سياراتها، تزايد المنافسة في سوق السيارات بشكل عام .. والقائمة تطول.

توماس شيفر استخدم في هذا العرض التقديمي عبارة The roof is on fire أو (السقف يشتعل) للتحذير من المصير الذي قد يواجه شركته.

هذه العبارة بالتحديد (السقف يشتعل) هي واحدة من أشهر نداءات التحذير في تاريخ الشركات والأعمال في العصر الحديث، إنها نفس العبارة التي استخدمها (ستيفن إيلوب) الرئيس السابق لشركة نوكيا، والذي شبهها في عام 2011 بعد وقت قصير من توليه رئاستها بأنها "منصة مشتعلة".

آنذاك كانت نوكيا هي أكبر شركة لتصنيع الهواتف المحمولة في العالم... ولكنها الآن اختفت تقريبا من المنافسة.

في حالة نوكيا يضيف التقرير لم يساعد هذا النداء على الاستيقاظ .. وبعد سنوات قليلة فقط تم تفكيك الشركة وبيعت أعمالها في مجال إنتاج الهواتف المحمولة لشركة مايكروسوفت الأمريكية والتي أغلقته أصلا.

ستيفن إيلوب الاسم الذي ارتبط دوما بإنهيار نوكيا
ستيفن إيلوب الاسم الذي ارتبط دوما بإنهيار نوكيا، luca.sartoni، CC BY-SA 2.0 DEED، Via wikimedia commons.

فهل من الممكن أن تعاني شركة فولكسفاجن العملاقة، أو مجموعتها الأم الأقوى، التي تمتلك تسع علامات تجارية أخرى من بينها (أودي وسكودا وبورشه) ، بل هل قد يصل الأمر ليطال أقوى الصناعات في ألمانيا ككل، من مصير مماثل لمصير نوكيا؟ وإذا حدث ذلك، فماذا يعني ذلك بالنسبة لأكبر اقتصاد في أوروبا؟.

أرقام صناعة السيارات في ألمانيا:

بشكل عام، يبدو أن احتمال إنهيار وشيك لصناعة السيارات الألمانية هو أمر (غير مرجح)، ففي عام 2022، كانت فولكس فاجن هي أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم من حيث الإيرادات، مما منحها الكثير من الأموال لدعم أكبر علاماتها التجارية.

واصلت الشركة النمو، وفي 27 يوليو 2023 أفادت أن المبيعات ارتفعت بنسبة جيدة بلغت 18% في النصف الأول من عام 2023 على أساس سنوي، لتصل إلى 156 مليار يورو (ما يعادل 174 مليار دولار).

في ذات الوقت، حافظت شركة بي إم دبليو ومرسيدس بنز، وهما الشركتان الكبيرتان الأخريان في قطاع السيارات في ألمانيا على المكانة الجيدة لكليهما.

برغم ذلك، فإن كارثة إنهيار صناعة السيارات في ألمانيا لم تعد بعيدة عن التصور.

الصناعيون الألمان يشعرون بقلق حقيقي بشأن المستقبل، كما أن (معهد إيفو) وهو المعهد الألماني الأشهر المتخصص في الأبحاث الاقتصادية خفض في يوليو 2023 مؤشر ثقة الأعمال الصادر عنه، كان ذلك التخفيض للشهر الثالث على التوالي.

رؤساء شركات السيارات الألمان يرددون المخاوف نفسها التي عرضها (توماس شيفر) رئيس فولكس فاجن، بل ويضيفون إليها شكاوى أخرى مثل البيروقراطية الألمانية المعقدة، ودقة التنافس الحادث مع الشركات الصينية.

ويضيف التقرير أن شركات صناعة السيارات على وجه الخصوص هي أكثر من يتعرض لهذه التحديات مقارنة بباقي الصناعات الألمانية، حيث يتعين عليهم التفاوض على القيام بالعديد من التحولات في طريقة عملهم ومرة واحدة.

مصنع فولكس فاجن في فولفسبورج
مصنع فولكس فاجن في فولفسبورج، صورة من unserekleinemaus عبر pixabay.

فشركات صناعة السيارات الألمانية ينقصها الكثير في العديد من المجالات، إذ يجب عليهم على سبيل المثال لا الحصر أن يزيدوا من أسطول سياراتهم الكهربائية، علاوة على تعلم كيفية تطوير برمجيات السيارات الحديثة.

إذا نجح الألمان في فعل ذلك، فمن المرجح أن سياراتهم ستحصل على (قيمة مضافة) من العديد من النقاط والنواحي الأخرى.

لكن المطلعين على تفاصيل وأسرار صناعة السيارات الألمانية يعترفون بأن المصانع سوف تضطر إلي تقليص حجم العمالة فيها أو حتى قد تقوم بعض الشركات بإغلاق كامل لعدد من مصانعها.

نفس المصير سيواجه العديد من الموردين المسؤولين عن صناعة بعض أجزاء السيارات، وخاصة أولئك الذين يصنعون قطع غيار محركات الاحتراق الداخلي وعلب التروس.

التنافس مع الصين:

ثم انتقل التقرير للحديث عن ضرورة أن تقوم صناعة السيارات الألمانية بمعالجة ما وصفه بأنه (مشكلة الصين المتنامية).

في وقت ما استفادت شركات صناعة السيارات الألمانية من النمو السريع للعملاق الآسيوي في العقود الأخيرة، حيث باعت هناك الكثير والكثير من سياراتها.

على سبيل المثال، في النصف الثاني من عام 2022، حققت شركات السيارات الثلاث الكبرى في ألمانيا حوالي 40٪ من إيراداتها في الصين.

لكن يبدو أن حظهم الجيد في الصين قد أنقلب الآن وتحول إلى حظ تعيس.

سيارة مرسيدس بنز E كلاس في الصين
سيارة مرسيدس بنز E كلاس في الصين، صورة من Dinkun Chen، CC BY-SA 4.0 DEED، via wikimedia commons.

لقد خفضت شركة فولكس فاجن من توقعاتها لمعدلات تسليمها للسيارات على المستوي العالمي، ويرجع ذلك أساسًا إلى تباطؤ المبيعات في السوق الصيني.

لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، والأمور قد تصبح أسوأ، خصوصا أن المنافسون الصينيون بدأوا في التوسع خارج الصين، وخصوصا في أوروبا.

في العام الماضي، ولأول مرة، صدرت الصين سيارات أكثر من ألمانيا: حوالي 3 ملايين سيارة للصين و2.6 مليون سيارة لألمانيا .. وكأن الأمور تنقلب وبدأ التاريخ يعيد نفسه لكن بشكل معكوس، وسيكون الدور من نصيب صناعة السيارات الصينية لغزو أوروبا.

هل تتجه صناعة السيارات الألمانية إلى الانقراض؟:

كل هذه المشاكل باتت تتجمع معاً في فولفسبورغ أحد أكبر مدن ولاية سكسونيا السفلى، وموطن المقر الرئيسي لمصنع "السعادة من خلال القوة"، الذي تحول في ما بعد إلى شركة "فولكسفاغن، هنا في هذا المكان نجد ما يمكن أن نعتبره (السقف) الذي وصفه رئيس الشركة توماس شيفر بأنه قد شب فيه حريق.

وكما قلنا فإن مجموعة فولكس فاجن تتكون من تسع علامات تجارية.

بحسب تقارير صحفية ألمانية، فإن الطلبات على السيارات الكهربائية من إنتاج تلك العلامات، منخفضة جميعها عن المخططات التي وضعتها الشركة، وتختلف النسبة بين ما هو مخطط وما يباع فعلا من 30 : 70٪ حسب كل علامة تجارية.

كما أن الشركة لا تزال تعاني مع مشاكلها مع البرمجة، وكان أبرز دليل على ذلك قيامها في شهر مايو/أيار 2023 بتغيير فريق إدارة Cariad، وهي الوحدة المسؤولة عن المنتجات الرقمية التي تزود بها سياراتها.

وبخلاف الأرقام الأقل من المخطط لها في ألمانيا، تبدو نسبة فولكس فاجن من مبيعات سوق السيارات الكهربائية سريع النمو في الصين نسبة بائسة، حيث لا تبلغ حصتها في هذا السوق الواسع إلا 2٪ فقط.

عواقب زوال صناعة السيارات الألمانية:

على مدار السنين، ظلت صناعة السيارات في ألمانيا أحد أهم مصادر توفير فرص العمل سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، صورة لعمال في مصنع فولكس فاجن في فولفسبورج، 23 يناير 1973
على مدار السنين، ظلت صناعة السيارات في ألمانيا أحد أهم مصادر توفير فرص العمل سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، صورة لعمال في مصنع فولكس فاجن في فولفسبورج، 23 يناير 1973، Attribution: Bundesarchiv, B 145 Bild-F038791-0004 / Schaack, Lothar / CC-BY-SA 3.0.

ربما تختلف العواقب المحتملة لاحتمالية زوال شركات صناعة السيارات الألمانية على حسب الحجم الذي يراه كل شخص لهذه الصناعة أصلا.

بشكل مباشر توظف صناعة السيارات الألمانية ما يقل قليلا عن 900 ألف شخص في ألمانيا، ثلثهم في شركات السيارات والباقي لدى الموردين الذين يصنعون بعض أجزائها ويسلمونها للشركات.

هذا الرقم بالرغم من ضخامته إلا إنه لا يمثل سوى 2٪ من إجمالي القوى العاملة في ألمانيا.

أيضا لننتبه إلى حقيقة أخرى تقول أن ما يقرب من ثلاثة أرباع سيارات الركاب المباعة تحت علامة تجارية ألمانية يتم تصنيعها الآن في خارج ألمانيا أصلا -لا يشمل ذلك شاحنات نقل البضائع-.

في عام 2022 على سبيل المثال كان عدد السيارات التي أنتجتها المصانع المحلية الألمانية (3,5 مليون مركبة فقط) هذا الرقم يقرب من نفس الرقم الذي أنتجته ألمانيا من السيارات في منتصف السبعينيات!!!.

حقائق بديلة:

التقرير تحدث عن المطلعين على تفاصيل صناعة السيارات الألمانية والذي وصفهم بأنهم (قلقون) بدأوا التفكير في "تدابير بديلة".

هؤلاء يرون حقائق مهمة تشير لضرورة وجود ونمو صناعة السيارات الألمانية، منها أن تلك الصناعة تنتج أكثر من نصف قيمة صناعة السيارات في الاتحاد الأوروبي ككل، إنها بذلك تتفوق بأميال على فرنسا صاحبة المركز الثاني في صناعة السيارات الأوروبية مع نسبة تتوقف عند 9٪.

حقيقة أخرى تقول أن السيارات تشكل ما نسبته 16% من إجمالي صادرات السلع الألمانية.

برج مقر الإدارة الرئيسي لشركة بي ام دبليو في ميونخ
برج مقر الإدارة الرئيسي لشركة بي ام دبليو في ميونخ، صورة من "Diego Delso, delso.photo, License CC-BY-SA.

وعلى الرغم من أن صناعة السيارات الألمانية وعندما بلغت ذروة أهميتها الاقتصادية عام 2017 لم تشكل إلا 4,7% فقط من إجمالي القيمة المضافة للاقتصاد الألماني، فإن هذه النسبة قلت لتتوقف عند حد 3,8% في عام 2020.

هذه الأرقام ورغم أنها تبدو ضئيلة إلا إنها وفقًا لحسابات (نيلز يانسن) وهو باحث من معهد كيل الألماني للاقتصاد العالمي تظل أعلى بحوالى نقطة مئوية عن شركات صناعة السيارات في اليابان وكوريا الجنوبية.

وبالرغم من ذلك كله، فإن التركيز على الأرقام الضيقة للصناعة يتجاهل الأهمية الحقيقية لقطاع السيارات بالنسبة للشركات العامة المحدودة في ألمانيا.

ويقول أوليفر فالك، الذي يدير مركز إيفو للتنظيم الصناعي والتكنولوجيات الجديدة: "إن أجزاء مهمة من الاقتصاد الألماني ومؤسساته تعتمد عليه".

لدينا مثلا الموردين .. ليسوا هؤلاء وحدهم هم من يعتمدون تماما في عملهم على شركة فولكس فاجن ونظيراتها.

فوفقا لدراسة أجراها باحث يدعي توماس بولس من مركز الابحاث الاقتصادي (آي دبليو) في عام 2020 فإن الطلب العالمي على السيارات الألمانية يمثل أكثر من 16% من القيمة المضافة التي تنتجها شركات تصنيع المعادن والبلاستيك في ألمانيا.

كما قدرت هذه الدراسة أن هذا الطلب العالمي على السيارات الألمانية ساهم بشكل غير مباشر في توفير 1.6 مليون وظيفة أخرى بجانب الوظائف المرتبطة بالصناعة مباشرة (مثال: مطعم فتح أبوابه بجوار مصنع لسيارات ويعتمد على استهلاك العمال).

بهذا يصل إجمالي عدد الأشخاص الذين تدعمهم صناعة السيارات إلى 2.5 مليون، أي أكثر من 5% من القوى العاملة الألمانية.

بخلاف ذلك، فإن الاستثمارات وضخ الأموال بجانب الابتكارات والابحاث والتطوير في ألمانيا ترتبط بشكل وثيق مع صناعة السيارات في البلاد.

في عام 2020 على سبيل المثال، شكلت صناعة السيارات 35% من إجمالي تكوين رأس المال الثابت في كل الصناعات الألمانية.

وبناء على أرقام (جمعية المانحين للنهوض بالعلوم في ألمانيا) Stifterverband ففي العام 2021 كان قطاع تصنيع السيارات مصدرًا لأكثر من 42% من عمليات البحث والتطوير R&D في مجال التصنيع الألماني كله، كما كان المسؤول عن تمويل ما نسبته 64% من إجمالي التمويل المخصص للبحث والتطوير R&D الذي أجرته شركات ومؤسسات أخرى بخلاف أقسام البحث والتطوير R&D في شركات صناعة السيارات نفسها.

هذا الأمر يعد عرف معمول به في ألمانيا حيث تقوم الشركات من جميع المجالات بالإنفاق على عمليات البحث والتطوير R&D حتى ولو كانت غير تابعة لها، كالتي تحدث في الجامعات مثلا.. ثم تستفيد في النهاية من النتائج والابتكارات التي تتوصل إليها.

النتيجة كانت أن شركات صناعة السيارات استحوذت على ما يقرب من نصف براءات الاختراعات للشركات في عام 2017، مقارنة بنسبة الثلث فقط في عام 2005.

ولا ننسي بجانب كل ذلك أن صناعة السيارات تعتبر عنصرا أساسيا يتباهي به المجتمع الألماني وخصوصا فيما يتعلق بالمساواة بين أقاليم الدولة الألمانية المختلفة، حيث حرصت الحكومات دوما على بناء مصانع السيارات في مناطق ضعيفة اقتصاديًا، وكان بناء مصنع فولكس فاجن في فولفسبورج المثال الأبرز على ذلك.

في النهاية لدينا سؤال .. ما توقعاتكم لصناعة السيارات الألمانية وهل من الممكن أن تنهار بالفعل أو أن أقصى شيء قد يحدث لها هو مصاعب كبيرة ستنجح في التغلب عليها في نهاية المطاف؟.

تعليقات