التلمود .. ثاني أقدس كتب اليهود .. ما هي أقسامه ومحتوياته .. وما الفرق بينه وبين التوراة؟

التلمود أو (تلمود)، هي كلمة عبرية تعني (التعليم) أو (الدراسة) أو (التعلم).

نسخة من التلمود معروضة في المتحف اليهودي في بازل، سويسرا، طبعة نشرها الناشر السويسري أمبروسيوس فروبن بين عامي 1578–1581، LGLou، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

ولعلنا نلاحظ هنا التشابه الكبير بين كلمتي (تلمود) العبرية و (تلميذ) العربية، والسبب في ذلك أنهما من أصل سامي واحد.

ما هو التلمود؟:

التلمود هو كتاب من الكتب المقدسة في الديانة اليهودية، بل يعد واحدا من أهم تلك الكتب، إذ يحتوى على التعاليم التي ينبغي على اليهود الالتزام بها، وهم يعتزون به كثيرا ويعتبرونه أهم ما أنتجوه في التاريخ اليهودي.

وفي الأصل، كان التلمود يتم تناقله شفاهة بين حاخامات اليهود بشكل سري، بحيث لا يعلمه أحد سواهم، فأساسا جاء التلمود كنتاج (تفسيرات) هؤلاء الحاخامات لتعاليم اليهودية.

لكن، ونتيجة لتعاقب السنوات والأجيال، خاف الحاخامات أن يضيع التلمود، فقرروا كتابته وتدوينه، وكان ذلك في القرنين الأول والثاني من بعد ميلاد المسيح عيسي بن مريم -عليهما السلام-.

وبرغم أن الكثيرون يعرفون اسم (التلمود)، وأنه كتاب مقدس عند اليهود، فإن هناك حالة تشبه (الغموض) التي تحيط دوما بهذا الكتاب، فتجد الناس لا يعرفون شيئا عنه سوى أنه أحد الكتب اليهودية وليس أكثر من ذلك.

أقسام التلمود:

ينقسم التلمود إلى قسمين اثنين رئيسيين هما:

  1. القسم الأول: (المشناة): وهو متن التلمود ونصوصه الرئيسية، ومن بينها بعض من آيات التوراة، وتعني كلمة المشناة "المعرفة أو الشريعة".
  2. القسم الثاني: (جمارا): وهو شرح المشناة، أي شرح نصوص التلمود، وتعني كلمة جمارا "الإكمال".
بالإضافة إلى بعض النصوص المساعدة، أما الكتاب نفسه فهو كتاب ضخم الحجم، ويزيد عن عشرين مجلدا.

على ماذا يحتوي التلمود؟:

صفحة من صفحات التلمود، Chajm Guski، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

نجد في التلمود العديد والعديد من (المناقشات، التعليقات) على تاريخ اليهود، وكذلك على شريعتهم، وبوجه الخصوص تطبيق الشريعة اليهودية في مختلف مجالات الحياة لليهود.

كما نجد في التلمود كذلك إشارات إلى عادات اليهود وثقافاتهم وغير ذلك من محتويات متعددة.

لذا، كان اليهود حتى وقت قريب (ربما قرن أو قرنين من الزمان) وفي جميع مجتمعاتهم تقريبا التي كانوا يعيشون فيها قبل إقامة كيانهم الغاصب على أرض فلسطين المحتلة، كانوا يعتبرون التلمود بمثابة محور حياتهم وثقافتهم.

كما كان التلمود هو الأساس الذي بنوا عليه كل أفكارهم وتطلعاتهم، باختصار كان هو الدليل الذي يعتمد عليه كل يهودي ويهودية في حياتهم اليومية.

فعلي سبيل المثال، نجد يهوذا بن إيلاي أو (يهوذا اللاوي) وهو حاخام وطبيب وفيلسوف وشاعر يهودي أندلسي، يقول عن التلمود: ((يجب اعتبار من يستمد منه المرء الجزء الأكبر من معرفته [" التلمود "] معلمًا)).

في ظل العصر الحديث، لا يزال هذا الأمر "الاعتماد على التلمود كدليل حياة" عنوانا بارزا لكي تعرف اليهودي المتدين من غير المتدين أو اليهودي العلماني.

ما الفرق بين التوراة والتلمود؟:

لعل من أكثر الاسئلة التي يهتم بها الكثير من الناس، هو معرفة الفارق بين التوراة والتلمود.

كما صرح القرآن الكريم، فإن التوراة هي كتاب أنزله اللَّهُ -سبحانه وتعالى- على نبيه موسي -عليه السلام-.

صورة مجمعة لكل مجلدات التلمود، מתעניין14، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

أما التلمود، فهو "التفسير" الذي فسرت به التوراة بواسطة الحاخامات اليهود، ولعل هذا يعيدنا إلى ما قلناه أنه في الأصل لم يكن مكتوبا في كتاب معين، بل كانوا يتناقلونه بينهم شفاهة.

وهكذا، فلا يعتبر التلمود كتابا نزل من عند اللَّهُ -سبحانه وتعالى-.

أما اليهود وبرغم أنهم يصفونه بأنه "نتاج محادثات بين أجيال متعاقبة من الحاخامات"، إلا إنهم يدعون أن اللَّهُ -سبحانه وتعالى- قد أعطاه لموسي -عليه السلام- حينما كان على الجبل، ومنه تم تداوله إلى أخيه هارون، ومن بعدهما إلى أنبياء بني إسرائيل المتعاقبين.

وهذا ما ينص عليه التلمود نفسه من أن الروح القدس أو ما يسمونه (روح هقودش) هو من أوحى بالتلمود.

وهكذا .. بالنسبة لليهود، يعد التلمود هو ثاني أهم الكتب الدينية مباشرة بعد التوراة، وهو أحد أهم مصادر القوة الروحية الممنوحة للحاخامات حتى يومنا هذا.

من كتب التلمود؟:

من جميع ما سبق، يتضح جليا أن من كتب التلمود هم حاخامات اليهود.

ولتدقيق الحديث هنا، فإن طائفة (الفريسيون) والتي ينتمي إليها غالبية اليهود منذ قديم الأزل، هي من تضع التلمود في تلك المكانة العالية.

أما بقية الطوائف -وهم الأقلية- فينكرونه، ويعتبرونه مجرد كتاب كتبه الحاخامات الفريسيون لا أكثر.

الفرق بين التلمود البابلي والتلمود الفلسطيني:

التلمود البابلي ، المجلد الثاني والعشرون ، Masechet Sanhedrin ، تحرير. & طباعة A.J. مينكس و سبرشنر ، لوو (ليمبيرج ، بلجيكا) عام ١٨٦٤، Library of Jewish Community in Bielsko-Biala, Poland، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

في عالمنا اليوم، هناك كتابين من التلمود وليس كتابا واحدا.

  • الأول هو (التلمود الفلسطيني) (Talmud Yerushalmi):

ويسمي كذلك (تلمود الأورشليمي) أو (تلمود القدس)، وهذا ما يعتقد أنه التلمود الذي جمعه اليهود الذين بقوا في فلسطين.

كان من قام بهذا العمل بالتحديد حاخمات كانوا يعيشون في طبرية برئاسة حاخام كان يسمي (سمعان بن جاملئيل)، وذلك بعد أن دمر الملك البابلي أورشليم عليهم سنة 586 ق.م.

لكن عملية جمع التلمود الفلسطيني استغرقت وقتا طويلا حيث استغرقت نصف قرن من الزمان، وبالتحديد في الفترة بين عامي 166 : 216 ميلادي.

لذا كان من الطبيعي أن يكون بن جاملئيل هذا قد توفي، وكان على رأس العمل على جمع وكتابة التلمود الفلسطيني وقتها حاخام يدعي (يهوذا أهاناسي) أو يهوذا الرئيس والذي يسمي كذلك (يهوذا الأمير).

ويتكون التلمود الفلسطيني من ستة أقسام هي (العبادة، الأعياد، أحكام النساء، المعاملات، القرابين، الطهارة)، تحتوى على 63 مبحثا، فيها 524 فصلا.

  • الثاني هو (التلمود البابلي) (Talmud Bavli):

وهو ما جمعه اليهود الذين أسرهم هذا الملك في بابل، فيما يعرف تاريخيا باسم "الأسر البابلي".

ويعتقد أنه بخلاف الفارق في فترة كتاب التلمودين البابلي والفلسطيني، ومن كتبوه، ومكان كتابته، فإن هناك فارق آخر يتمثل في الشرح، فإن شرح (جمارا) تلمود فلسطين مختلف عن شرح (جمارا) تلمود بابل.

التلمود، JenJ17، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

وتقول (الموسوعة اليهودية) أن ما في أيدينا اليوم من كتابي التلمود تم كتابته في الفترة الممتدة بين القرنين الثالث والخامس بعد الميلاد.

ولكن الكتاب الأهم بينهما اليوم بحسب الموسوعة اليهودية أيضا هو التلمود البابلي، لدرجة أنها تقول إننا لو استخدمنا فقط لفظ (تلمود) فيكون المقصود بها هو تلمود بابل.

نصوص من التلمود:

اخترنا لكم هذا النص من نصوص التلمود، لما رأينا فيه من أهمية تتعلق بمكانة التلمود عند اليهود، هذا النص بالتحديد جعل التلمود ليس مجرد كتابا من عند اللَّهُ -حسب زعمهم- شأنه شأن التوراة، بل جعلوا فضل تعلمه أفضل من فضل تعلم التوراة.

فنقرأ هذا النص من نصوص التلمود عن من يقومون بدراسة تلك الكتب:

((إن من درس التوراة فعل فضيلة لا يستحق المكافأة عليها، ومن درس المشناة فعل فضيلة يستحق المكافأة عليها، ومن درس الجمارة فعل أعظم فضيلة)).

ما هو التلمود في الإسلام؟:

إذا ما نظرنا نظرة إسلامية إلى التلمود لوجدناه كتاب يحتوى على العديد من المفاهيم المغلوطة بل والخطيرة، والتي تصل إلى حد الشرك بالله.

  • أوصاف لا تليق بجلال اللَّهُ -سبحانه وتعالى-:

ففي التلمود، أن اللَّهُ -عز وجل- يبكي حزنا من التعاسة والمآسي التي حلت باليهود -دعونا نتذكر الظرف التاريخي الذي كتب فيه التلمود، والذي لحق إنهيار مملكتهم-، وهو وصف حاشا لله أن يتصف به.

كما أن هذا الوصف يجعلك تسخر من التلمود وممن كتبوه، فكيف لله -عز وجل- أن يبكي -حاشا لله- على شيء هو من قدره واجراه في ملكه بحكمه وإرادته؟.

صورة لمخطوطة من التلمود البابلي، معروضة في متحف يسمي (متحف الشتات)، تل أبيب، فلسطين المحتلة، هذه المخطوطة نسخها سليمان بن شمشون، فرنسا، عام 1342، Sodabottle ،(CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons.

ولعلك ستدرك مدى ضحالة كتاب التلمود عندما تعلم أن فيه أن اللَّهُ -عز وجل- يتعلم التلمود مع الملائكة، أو يلعب مع الحيتان!!!.

هذه الأوصاف لم تذكر في القرآن الكريم صراحة، ولكن اللَّهُ -عز وجل- قد توعد من قالوا مثلها بالعذاب، وذلك في قوله تعالى:
((سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)) (ختام الآية 139 من سورة الأنعام).

قراءة كتاب التلمود:

الحقيقة أنه لا يوجد ما يبرر إنشغال الشخص العادي بقراءة كتاب التلمود.

وذلك لما سبق وأوضحناه من التحريف والخزعبلات التي يزخر بها، كما أنه لن يفيده لا في حياته ولا في دينه، علاوة على أن قراءة التلمود ليست سهلة من الأساس.

ذلك لأن التلمود لا يوجد به تسلسل للأفكار، بل تجدها متتالية بدون رابط بينها في كثير من الأحيان، أيضا فإنه يعرض العديد من الآراء والأفكار حول كل قضية أو مسألة، دون أن يحدد لليهودي المتدين الذي يقرأه، ما هو الرأي الصائب أو الذي يجب اتباعه من بينها.

لذا فإن هذه المهمة من الأنسب أن تقتصر على العلماء والمتخصصين من الدارسين في مقارنة الأديان، وكذلك الباحثين في الشؤون الإسرائيلية، وباحثي العلوم السياسية والإستراتيجية.

بشكل عام، لا توجد إلا ترجمة عربية وحيدة للتلمود (التلمود البابلي) وصدرت في العام 2012 تحت إشراف مركز دراسات الشرق الأوسط بالأردن.

كان الهدف من هذه الترجمة هو اكتشاف الإسرائيليات التي قد تكون اخترقت التراث أو التاريخ الإسلامي وتنقيته منها، كما تساهم كذلك في فهم الشخصية اليهودية وتطورها تاريخيا، واستمر العمل عليه لعدة سنوات من مجموعة من الباحثين المتخصصين.

تعليقات