الخنزير .. كل شيء عن الحيوان المثير للجدل الذي حرمته الأديان

الخنزير، ذلك الحيوان المثير للجدل والأسئلة، الذي حرم أكله على المسلمين ومن قبلهم اليهود، بل استقذرته حتى الشعوب القديمة.

خنازير داخل مزرعة في دولة فنلندا، kallerna، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

برغم هذا، هناك شعوب كاملة تتعامل معه باعتباره حيوان لطيف، بل ومفيد اقتصاديا وحتى طبيا. وهناك من يتعامل معه باعتباره حيوان مثله مثل سائر الحيوانات لا أكثر ولا أقل.

دعونا اليوم نتحدث عنه عن قرب، نفهم أمره وحكايته، بأسلوب منطقي وعقلاني، نعرف ما هو حيوان الخنزير أصلا، كيف عامله الناس منذ قديم الزمان، موقف الإسلام منه، كما سنرصد أيضا حالة الخلاف الفقهي والطبي الحالية حول مدى جواز الاستفادة من الخنزير في الطب.

الخنزير:

الخنزير هو حيوان من (مجموعة الثدييات)، وعادة ما يسمي بالخنزير، أو الخنزير الأليف، وذلك على اعتبار أن هناك نوع آخر من الخنازير يسمي (الخنزير البري أو الأوراسي).

وبخلاف كونه آكل للقمامة والقاذورات، فإن الخنزير أيضا حيوان آكل اللحوم، يمكن تربيته، متساوي الأصابع، وذو حافر، وذيل منحني.

يتراوح طول جسم الخنزير (إذا احتسبنا رأسه)، بداية من ٠،٩ إلى ١،٨ متر (أي ما يعادل من ٣ إلى ٦ أقدام)، ومع هذا فإن الخنازير التي يتم تربيتها في مزارع، حيث يتم تغذيتها جيدا، قد يتجاوزون تلك الأحجام.

أيضا يعتمد حجم ووزن الخنازير على السلالة التي تنتمي إليها.

ومن ناحية اللون، تختلف ألون الخنازير أيضا بين الوردي أو البني أو الأسود.

في يومنا هذا، وفي الدول التي يأكل سكانها لحم الخنزير، تنتشر مزارع تربية الخنازير.

ويوضح ((قاموس جامعة كامبريدج البريطانية)) أسماء وأنواع اللحم المنتج من الخنزير: ((لحم بورك pork)) أو ((لحم باكون أو القَدِيد أو قديد الخنزير أو لحم الخنزير المقدد bacon)) أو ((لحم هام وهو لحم الفخذ الخلفي للساق لبعض الحيوانات، لاسيما الخنازير ham)).

كراهية قديمة:

هناك حكمة يعتقد إنها إنجليزية تقول ((لا تصارع خنزيرا في الوحل، فتتسخ أنت ويستمتع هو))، صورة لمجموعة من الخنازير وهي تمرغ أنفسها في الوحل، محمية حيوانات بوبلار سبرينغ في بولسفيل بولاية ماريلاند، الولايات المتحدة، Poplar Spring Animal Sanctuary، Mark Peters، (CC BY 2.0)، via wikimedia commons.

ربما يكون مفهوما أن السبب وراء عدم تقبل النفسية المسلمة واليهودية لحيوان الخنزير هي (النصوص الدينية) التي حرمته، فإننا قد نندهش حينما نعلم أنه حتى الشعوب القديمة اعتبرته حيوانا نجسا.

إذ نجد أن قدماء المصريين والفينيقيون والأحباش قد اعتبروه حيوانا نجس.

قدماء المصريين مثلا كان يتحتم على من لمس منهم حيوان الخنزير ولو خطأ أن يغتسل، ومن كان يعمل منهم في مهنة تربية أو رعي الخنازير، كان محروما من دخول هياكل المعابد المصرية القديمة.

حتى على الصعيد الاجتماعي، يبدو أن المصريين القدماء كانوا يعاملون رعاة الخنازير باعتبارهم طبقة دنيا، إذ لم يكن مسموح لراعي الخنازير بالزواج إلا من إبنة راعي خنازير مثله، وهذا ما ذكره المؤرخ اليوناني الشهير (هيرودوت) الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد فيما كتب عن مصر.

هذه الكراهية القديمة للخنزير، تقودنا إلي أن الأمر ربما يتعلق بفطرة الإنسان نفسها التي تأبي التعامل مع حيوان يعيش ويأكل القاذورات والقمامة، فالإنسان يميل دوما لأن يأكل الأشياء الطيبة.

رأي الإنسان إذن حيوانا بهذه الصفات، بل ويزيد عليها أنه حرفيا يتمرغ في بوله -تقول ناشيونال جيوغرافيك أن الخنزير يتمرغ في الوحل وحتى في بوله ليبرد جسمه-، ويأكل البراز، فشعر تجاهه بكراهية.

ولعل أصوات شخير الخنزير العالية والتي تسبب أزعاجا للكثيرين بمجرد سماعها، أعطت الناس سببا آخر لكراهيتها.

ومع ذلك فإن هذه الحضارات القديمة لا يمكن فصلها عن الأديان، ومن ثم.. فإن هذه الكراهية قد تكون ناتجة عن تحريم الأنبياء الذين بعثوا لهؤلاء الناس والأمم السابقة لأكل لحم الخنزير، حتى وإن لم يكن بين أيدينا نصوصا مكتوبة كالقرآن الكريم والتوراة، فإن هذه الأمم بعث فيها أنبياء وكانوا يحرمون عليهم بعض الأطعمة.

الكنعانيين أيضا كان لهم سببا خاصا لكراهية الخنازير.

فبحسب أسطورة (أدونيس) وهو إله الربيع والإخصاب في معتقداتهم، انتهت حياة هذا الإله في قتال ضد خنزير في منطقة وادي الكلب في لبنان، بعدما انتهي القتال بموت الخنزير وأدونيس معا.

الخنزير في الإسلام:

خنزير صغير في نيو فورست، جنوب إنجلترا، هذه الحيوانات محرم أكلها في الديانة الإسلامية واليهودية، Richard New Forest، (CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons.

كما هو معروف للكل تقريبا، فإن الخنزير هو أحد الحيوانات المحرم أكلها في الدين الإسلامي.

سبب هذا التحريم هو نص واضح وقطعي من القرآن الكريم، حدد الخنزير بالذات.

إذ يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173)) {الآيات الكريمة من سورة البقرة}.

ومن السنة النبوية المطهرة، نجد أيضا حديثا رواه الشيخان -البخاري ومسلم- في الصحيحين عن جابر، أن النبي ﷺ خطب الناس يوم الفتح فقال: (إن الله ورسوله حرم عليكم: بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام).

إذن فلحم الخنزير محرم أكله على المسلمين بنصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية.

وقد لحق بالتحريم أيضا (شحم الخنزير)، فهو أيضا محرم أكله على المسلمين.

بل إن الحديث الشريف، حرم كذلك (بيع الخنزير)، فلا يجوز لمسلم أن ينشئ مثلا مزرعة لتربية الخنازير، حتى ولو لم يأكل منها، وخصص كل انتاجها لبيعها إلي الدول التي يؤكل فيها، فهذا عمل حرام شرعا، وأمواله بالتبعية تكون أموال محرمة.

ولكن هناك حالة استثناء على ذلك هي حالة (الضرورة).

في حالات محددة يباح للمسلم أكل لحم الخنزير، Show Pig، Rictor Norton & David Allen from London, United Kingdom، (CC BY 2.0)، via wikimedia commons.

وقد أوضح علماء الدين الإسلامي وبينوا حالات الضرورة التي تبيح للمسلم أكل لحم الخنزير، فقالوا أنها الحالات التي إن لم يأكل فيها المسلم من لحم الخنزير لهلك ومات.

فمثلا حالة من تاه في الصحراء ونفذ طعامه حتى كاد يموت، ثم وجد أمامه خنزير، فهنا يحل له قتله وأكل لحمه.

أيضا حالة المجاعة، التي لا يجد الناس فيها الطعام، فإذا كاد الإنسان يموت يحل له في هذه الحالة أكل لحم الخنزير.

وأضاف بعض العلماء حالة ثالثة، وهي حالة الأسير الذي يقع في قبضة العدو، فيجبرونه على أكله.

هذا التحريم ينسحب أيضا على الديانة اليهودية، فلحم الخنزير محرم على اليهود، وإن كان مباحا لدي المسيحيين، لما ورد في (العهد الجديد) من تحليل كل الأطعمة في قصة شهيرة لبطرس الرسول.

أضرار لحم الخنزير:

في الحقيقة، فإننا نود هنا بالتحديد وقبل أن نعرض لأضرار لحم الخنزير أن نقول شيء هام، هو أنه يجب على المسلمون عندما يأتيهم أمرا من خالق السماوات والأرض أن يسلموا له ويطيعون، وهذا المعني تكرر في أكثر من آية من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

ولكن لا يمنعنا هذا الدين (الإسلام) بعد أن نؤمن ونسلم راضيين بأحكامه، أن نفهم أسبابها إذا كان لها أسباب تدركها عقولنا.

علاوة على ذلك، فإنه قد يطلع على هذا التقرير إناس من غير المسلمين، ويهم هؤلاء أن يعرفوا لماذا حرم الإسلام لحم الخنزير ، ليدركوا أن هذا ليس رأي بشر وإنما وحي يوحي.. بل قد يهمهم معرفة أضراره من الناحية العلمية بعيدا عن رأي أي دين في هذه القضية.

خنزير موضوع على موقد الشواء في أحد المطاعم، Loozrboy، (CC BY-SA 2.0).

ونذكر هنا من أضرار لحم الخنزير:

١- ما ذكرته المجلة العلمية (the Journal of Internal Medicine) من أن تناول ٣ شرائح صغيرة من لحم الخنزير يوميا، يزيد من مخاطر الوفاة بأمراض القلب بنسبة ٢٥%.
٢- بحسب هذه الدراسة، يزيد تناول لحم الخنزير كذلك من خطر الإصابة بالسرطانات التالية:

  • أورام البنكرياس بنسبة ١٩٪
  • أورام الأمعاء بنسبة ١٨٪
  • أورام الثدي بنسبة ٩٪
  • أورام البروستاتا بنسبة ٤٪.
٣- الخنزير كثيرا ما يصاب بداء (الدودة الشريطية)، وتناوله ينقل يرقات هذه الدودة إلى جسم الإنسان، حيث لا تهضمها المعدة، بل تتعلق بجدارها وتنضج، ثم تسير في مجري الدم لتصيب العضلات، الكبد، الدماغ، وغيرها من الأعضاء.
مع الوقت، تتطور هذه اليرقات إلي كيسات، وأخطرها كيسات الدماغ التي تسبب صداعا شديدا، تشنجات وعرقلة في دورة كهرباء الدماغ، انخفاض ملحوظ في قدرة العقل على معالجة المعلومات، وقد ينتهي الأمر بالوفاة.
٤- يزيد تناول لحم الخنزير من خطر الإصابة بمرض السكرى بنسبة ٣٢٪ وأمراض القلب بنسبة ٢٥٪.
٥- نتيجة لكون لحم الخنزير أحد أكثر أنواع اللحوم الحيوانية احتواء على (الكوليسترول)، فإنه يعد سببا أساسيا في زيادة احتمالية إصابة الإنسان بتصلب الشرايين.
٦- وجود الخنزير نفسه كحيوان حتى بدون أكل لحمه قد يسبب داء الطوامر، وهو داء مخيف، ينتهي إلى أن يعيش الدود واليرقات داخل قروح في جسم الإنسان.

مشكلات أخرى:

بخلاف ما ثبت علميا من أضرار لحم الخنزير، فإن هذا الحيوان له أضرار أخرى.

ففي كتابه Cows, Pigs, Wars and Witches: The Riddles of Culture (نقله أحمد م. أحمد إلى العربية تحت عنوان "مقدّسات ومحرّمات وحروب: ألغاز الثقافة)، نجد عالم الانثروبولوجيا الأمريكي الشهير مارفن هاريس، يشير إلي نقطتين في غاية الأهمية بالنسبة للخنازير.

النقطة الأولى: أن الخنازير معظم غذائها من الحبوب، وبالطبع لا نحتاج للتأكيد هنا على أننا نعيش في عالم يموت فيه الناس ويعاني عشرات الملايين من الجوع، وبطون البشر أولى من بطون الخنازير.

النقطة الثانية: أن الخنازير وبعكس العديد من أنواع الحيوانات الأخرى التي يمكن تربيتها مثل (الماعز، الاغنام، البقر) لا تنتج الحليب.

فوائد الخنزير:

في عصرنا الحاضر، بدأت بعض الدول الغربية تبحث عن فوائد للخنزير، وخصوصا من الناحية الطبية.

ومن ذلك ما تم على سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية، عندما تم زراعة كلية خنزير لأحد المرضي.

في هذا المقام بالتحديد، وجدنا اختلافا كبيرا بين علماء الدين الإسلامي الذين انقسموا بشأنه إلي رأيين.

  1. الرأي الأول: ذهب إلى القول بالتحريم المطلق لأي استخدام لأي جزء من الخنزير، سواء كان ذلك في الطعام أو حتى في التداوي والعلاج.
  2. الرأي الثاني: ذهب أصحابه للقول بأن النص القرآني الكريم، جاء لتحريم (لحم الخنزير) وأن المقصود هو تناوله، وليس الانتفاع بما قد يمكن الانتفاع منه من أعضاءه في الطب والتداوي.

ونحن في ((المعرفة للدراسات)) قررنا أن نعرض للرأيين ولحجج أصحاب كل رأي منهما بشكل محايد، دون أن نساند رأي على حساب الآخر، ونترك للقارئ الكريم حريته في أن يستفتي قلبه، أو أيا من الشيوخ والعلماء الذين يثق في أرائهم وعلمهم.

الرأي الأول: عدم جواز التداوي بأعضاء من الخنزير:

فنجد من بين أصحاب هذا الرأي، الدكتور (عطية لاشين) وهو عضو لجنة الفتوى الرئيسية في الأزهر الشريف اعتبر أن ذلك الفعل "لا يجوز شرعا".

ويدافع أصحاب هذا الرأي عن رأيهم في مواجهة من يقولون أنه خاطئا -بل إن البعض قد يزيد في الوصف فيقول أنه (متخلفا)، ويمنع المسلمين من الاستفادة بالإنجازات الطبية والعلمية التي حققها الغرب-.

قبل هذا أو ذاك، فإنهم يقولون أن الحديث عن (فوائد الخنزير)، هو حديث مكرر بل وربما مستهلك.

فمع مطلع القرن الحادي والعشرين، كثر الحديث عن الخنزير، وأنه سيكون بالتحديد الحيوان المناسب للبشر ليحصلوا منه على الأعضاء الداخلية ليزرعوها لدي المرضي التي تلفت أعضائهم في أجسادهم.

قيل وقتها أن هناك "تماثل" بين القلب والرئتين والكبد والكليتين والبنكرياس والطحال لدي الخنزير مع الإنسان، علاوة على أن الاعتماد على الخنازير سيقلل إلي حد كبير من تكاليف هذه العمليات المعروف أنها باهظة الثمن.

ومع ذلك، فإن الكثير من العمليات الجراحية التي تم فيها نقل أعضاء من الخنزير إلي جسم إنسان حي انتهت بالفشل، وتوفي الكثير منهم عقب أيام قليلة من إجراؤها.

بل إن آخر العمليات والتي صاحبتها حملة دعائية كبيرة تبشر بنقل قلب خنزير معدل وراثيا إلي مريض في يناير ٢٠٢٣، انتهت بوفاة المريض (ديفيد بينيت) عقب شهرين فقط من إجراء الجراحة.

لذا يقول الدكتور عطية لاشين: ((من أتي بحيوان الخنزير سواء كان لحمه أو بأحد أجهزة جسمه فهو آثم)).

الرأي الثاني: جواز التداوي بأعضاء من الخنزير:

ويري أصحاب هذا الرأي إباحة التداوي بأعضاء من جسد الخنزير، إذا كانت حالة المريض تقتضي ذلك.

ومن أشهر من قالوا بهذا الرأي الشيخ المصري الراحل (يوسف القرضاوي)، الذي اعتبر أن زرع جزء من الخنزير في جسد مريض ليس أكلا للحم الخنزير، إنما هو انتفاع به لحالة ضرورة.

أيضا أخذ هذا الرأي الشيخ (ابن عثيمين) والذي قال في إجابة له عن جواز وضع شريان من قلب خنزير في قلب إنسان مريض: "لا بأس به، وينظر إلي الأنسب لقلبه لأن هذا ليس من الأكل، وهذا من باب الضرورة".

وأنتم،، ما رأيكم، هل ترون أنه من الممكن أن يستفيد البشر من الخنزير طبيا ذات يوم؟.. ام أن عقبات مثل التحريم الديني، وعدم الملائمة الطبية أصلا ستظل مانعا أمام ذلك؟.

تعليقات