الكريسماس .. كل شيء عن عيد الميلاد

الكريسماس أو عيد الميلاد، وكما أن لهذا العيد اسمين، فإن له أكثر من تاريخ للاحتفال به، فالكاثوليك يحتفلون به يوم 25 ديسمبر / كانون الأول من كل عام حسب التقويم الغريغوري، في حين يحتفل به الأرثوذكس في 7 يناير / كانون الثاني حسب التقويم اليولياني، وقبلهم بيوم واحد 6 يناير / كانون الثاني يحتفل الأرمن به.

شجرة عيد الميلاد، (CC BY-NC 2.0)، via U.S embassy in Chile.

وكما أن له أكثر من اسم وموعد، أصبح الكريسماس أو عيد الميلاد أكثر من مجرد عيد ديني مقدس للمسيحيين، فهو أيضا ظاهرة ثقافية وتجارية عالمية.

عن عيد الميلاد:

إنه احتفال يزيد عمره عن ألفين عام، وفي كل عام يتجدد احتفال الناس به بتقاليد وممارسات دينية وثقافية بل وحتى تزداد معه معدلات شراء الأشياء والسلع التي ترتبط بالأعياد مثل الحلوى والأشجار والهدايا.

هذا وتتنوع وتختلف العادات والتقاليد الشعبية في الاحتفال بالكريسماس في جميع أنحاء العالم، ولكنها تشترك في بعض المظاهر الرئيسية للاحتفال مثل تبادل الهدايا، تزيين أشجار عيد الميلاد، تبادل بطاقات ورسائل التهنئة، الحضور للصلاة في الكنائس والتي تنتهي في منتصف الليل مع دق الأجراس، وتناول الطعام مع العائلة والأصدقاء، وبالطبع ينتظر الأطفال قدوم صديقهم (بابا نويل).

وعادة ما يستمر الاحتفال بعيد الميلاد أو الكريسماس لمدة يومين متتاليين، ويبدأ من عشية يوم ٢٤ ديسمبر لدى الكنيسة الكاثوليكية، في حين أن عشية العيد لدى الكنيسة الأرثوذوكسية تكون يوم ٦ يناير.

ووفقا لما هو معتقد على نطاق واسع حاليا لدي اتباع الديانة المسيحية فإن الكريسماس أو عيد الميلاد هو ذلك اليوم البعيد الذي ولد فيه يسوع (أو يسوع المسيح أو المسيح أو النبي عيسي) ابن السيدة مريم -عليها السلام- في فلسطين، وفي قلب الشتاء، خلال فترة من أكثر فترات العام برودة، ومع ذلك فإنه لا يوجد (تأكيد ديني) في القرآن الكريم أو حتى في الانجيل نفسه عن التاريخ الدقيق لميلاد السيد المسيح.

أيضا من النظرة التاريخية، فإن السنوات التالية لرفع السيد المسيح -عليه السلام-، لم تشهد احتفالا بيوم مولده، بل كان الاحتفال المسيحي الرئيسي هو الاحتفال بعيد الفصح.

كيف بدأ الاحتفال بعيد الميلاد؟:

لطالما كانت فترة منتصف الشتاء وقتًا جيدا للاحتفال في جميع أنحاء العالم.

وتشير المصادر التاريخية إلي أنه حتى وقبل بعثة السيد المسيح -عليه السلام- بقرون، كان الأوروبيين لديهم احتفالاتهم في تلك الفترة نفسها.

للاحتفال بعيد الميلاد جذور تاريخية يحددها الكثير من المؤرخين بالأعياد الوثنية القديمة في أوروبا، (CC BY 3.0)، via wikimedia commons.

ففي ذلك الوقت (منتصف الشتاء) كان الناس يودعون أكثر فترات الشتاء قسوة، التي تقل خلالها ساعات النهار وتزيد ساعات الليل، وكان بإمكانهم التطلع إلى أيام أطول وساعات طويلة من ضوء الشمس.

وفي المائة الرابعة بعد ميلاد المسيح، قرر مسؤولو الكنائس جعل هذا اليوم عطلة.

سيتطور ذلك الاحتفال في أعقاب تحول أوروبا إلي الديانة المسيحية، وهكذا وبحلول القرون الوسطي، أصبح عيد الميلاد أو الكريسماس احتفالا يستمر بصخب لعدة أيام وليالي متتالية.

سانتا كلوز:

تاريخيا وثقافيا واجتماعيا، أصبح سانتا كلوز - المعروف أيضًا باسم القديس نيكولاس أو كريس كرينجل أو بابا نويل – هو أشهر الشخصيات المرتبطة بعيد الميلاد.

يُعتقد بشكل أساسي أنه الرجل الجالب للسعادة، برداءه الشهير ذو اللون الأحمر ولحية بيضاء كثيفة وكومة من الهدايا، والذي يجلب الألعاب للفتيات والفتيان الطيبين عشية عيد الميلاد.

ما قد لا يعرفه الكثيرون أن هذه الصورة الشهيرة عن سانتا كلوز تتعارض مع الفكرة الأصلية في اللوحات التي رسمت خلال القرن الثامن عشر، والتي كانت تصوره كشخص نحيف وعصبي وقصير القامة.

أيضا، من المهم الإشارة هنا إلى الحقيقة التي تقول أن سانتا كلوز هو انعكاس لشخصية حقيقية تدعي (القديس نيقولاوس الأسقف)، ويعتقد أن السيد نيكولاس هذا قد ولد في وقت ما حوالي سنة ٢٨٠ ميلادية في باتارا، وهي منطقة بالقرب من ميرا الواقعة حاليا في تركيا.

تشير القصة التاريخية إلي أنه كان ابنا وحيدا لزوجين من الأثرياء، وورث عنهما ثروة طائلة استعملها في مساعدة الناس، والسفر بين القري والأرياف لتقديم يد العون والمساعدة للمحتاجين.

لشعبيته التي لا مثيل لها، استخدمت شخصية بابا نويل حتى في منشورات الدعايا الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، كما نري في هذا الملصق الدعائي، U.S. National Archives and Records Administration، public domain.

وتعد قصة ثلاث شقيقات فقيرات أنقذهن من قرار والدهن ببيعهن للعبودية أو الدعارة بسبب فقره، وذلك من خلال تزويدهن بمهر حتى يمكن أن يتزوجن، واحدة من أشهر قصص القديس نيكولاس.

هذه الشخصية بهذه الأبعاد الدينية والعاطفية والثقافية والتي قد تكون مخلوطة ببعض المبالغات والقصص غير الواقعية كعادة حكايات الشعوب، أصبحت الآن علامة تجارية بارزة، وتعد صورها ومجسماتها والأغاني التي تتحدث عنها من أكثر الأشياء التي تباع في عيد الميلاد.

كما استخدمت العديد من الشركات شخصية بابا نويل للترويج لمنتجاتها كما فعلت شركة المشروبات الغازية الأمريكية الشهيرة (كوكاكولا)، بل ووصل الأمر إلى حد استخدامه في ملصقات الدعايا الحربية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه يتم الاحتفال بشخصية سانتا كلوز بشكل مستقل في ذكرى وفاته التي توافق ٦ ديسمبر من كل عام، تقليديًا يعتبر الكثيرون هذا اليوم يومًا محظوظًا للزواج.

ويمكننا أن نعتبر أن ارتباط القديس نيكولاس أو (بابا نويل) بعيد الميلاد كان بمثابة الدرع الواقي له ضد ما حدث فيما يعرف باسم (عصر النهضة الأوروبية).

وعصر النهضة هو مصطلح يشير لحركة ثقافية بدأت في إيطاليا في القرن الرابع عشر ثم غزت بقية أنحاء القارة العجوز، وكان من أخص مظاهرها تخلي الأوروبيين عن تقاليدهم الدينية ومن أبرزها تبجيل القديسين.

وسط ذلك، حافظ القديس نيكولاس على سمعته الإيجابية، خاصة في هولندا.

أشجار عيد الميلاد:

تعد أشجار عيد الميلاد أيضا من أهم مظاهر الاحتفال بالكريمساس.

تختلف وتتنوع أشكال شجرة عيد الميلاد من حيث المكان الذي توضع فيه، وتكلفتها، بل وحتى الدولة التي تصنعها، لكن كل تلك الأشجار تتفق جميعا في أنها مخصصة للاحتفال بعيد الميلاد، © Copyright Fabian Musto and licensed for reuse under this Creative Commons Licence.

ويعود تاريخ استخدامها إلى الاستخدام الرمزي للأشجار الدائمة الخضرة في كل من مصر القديمة وروما.

وكان للألمان دور كبير طوال سنوات وقرون في الاحتفاظ بالأشجار المضاءة بالشموع كأحد مظاهر الاحتفال بالكريمساس، حتى ظهرت في الاحتفالات في أمريكا لأول مرة في القرن التاسع عشر.

في يومنا هذا تعد الإضاءة السنوية لشجرة مركز روكفلر الشهير في قلب مدينة نيويورك الأمريكية، هي أحد أهم مظاهر الاحتفال بعيد الميلاد عالميا وليس داخل أمريكا فحسب.

الكريسماس ما بين الوثنية والمسيحية:

تطور عيد الميلاد عبر السنوات، فالعيد الذي بدأ كعيد ديني للاحتفال بذكري ميلاد المسيح، تحول وخصوصا منذ مطلع القرن العشرين ليصبح احتفال به العديد من المظاهر والتقاليد الوثنية.

فعيد الميلاد الذي نراه في عالمنا المعاصر، هو نتاج لقرون متتالية من التقاليد الدينية والعلمانية بل وحتى الوثنية، من جميع أنحاء العالم، وليس عيدا دينيا صرفا.

هناك توجه داخل الديانة المسيحية يدعو للتخلص من المظاهر الوثنية في الاحتفال، وظهرت عبارات مثل (احتفظ بالمسيح في عيد الميلاد) سواء داخل الكنائس أو حتى في تطبيقات التواصل الاجتماعي، للتذكير دائمًا بأن هذا العيد في الأصل هو (عيد ديني).

بل إن هناك من يتحدث عن أن تسمية عيد الميلاد بالكريسماس هي تسمية خاطئة من الأصل، وأن الصواب هو (اكسماس) أو "”Xmas بدلا من Christmas، بل ويعتبرون أن تغيير الاسم بمثابة (حرب) ضد يسوع المسيح.

ما هو أكثر من هذا، أن هناك تيار أكثر تشددا، يشير إلى حقيقة أن الكتاب المقدس لا يذكر تاريخ ميلاد المسيح، وهم من أجل ذلك ينكرون شرعية الاحتفال بعيد الميلاد ولو في شكل ديني صرف.

ظهرت تيارات دينية مسيحية تنتقد مظاهر الاحتفال بعيد الميلاد، بل وذهبت تيارات أخرى للقول بأنه لا علاقة له بالدين المسيحي أصلا، Image: News Øresund - Johan Wessman, Flickr creative commons license.

ولنضف فوق ذلك، وبرغم من أن هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أن ولادته قد تكون حدثت في فصل الربيع، فإن البابا القديس يوليوس الأول (بابا الكنيسة الكاثوليكية في الفترة بين  6 فبراير 337 إلى 12 أبريل 352)، قد اختار تحديد 25 ديسمبر ليصبح يوم عيد الميلاد.

بينما ذهب الباحث في تاريخ الأديان ((بيتر آرتشر)) للقول بأن هناك العديد من المؤرخين يعتقدون بأن السيد المسيح ولد في فصل الصيف.

لذا ظهر رأي قوي عند المؤرخين يقول أن الكنيسة قد اختارت هذا التاريخ بالتحديد في محاولة لاستيعاب مهرجان (ساتورن) وهي احتفالات رومانية قديمة، كانت تقام سنويا لإله الحصاد عند الرومان (ساتورن) يوم 17 ديسمبر، وتستمر لمدة يومين.

أرادت الكنيسة إذن على ما يبدو، أن تحول هذا العيد الوثني إلى عيد ديني، لكن ربما ظل العيد يحتفظ بجذوره وأصوله الوثنية ولو تحت السطح، حتى عاد ليظهرها من جديد.

وبحلول عام 432 كان الاحتفال بعيد الميلاد قد وصل إلى مصر، وإلى إنجلترا بحلول نهاية القرن السادس الميلادي.

لكن الرأي التاريخي الذي يمتلك في جعبته الكثير من الأدلة حول الأصول الوثنية للاحتفال بعيد الميلاد يذهب للقول بأنه من خلال إقامة عيد الميلاد في نفس وقت احتفالات الانقلاب الشتوي التقليدية، زاد قادة الكنائس بالفعل من فرص احتضان عيد الميلاد بشكل شعبي، لكنهم وفي الوقت نفسه تخلوا عن القدرة على إملاء كيفية الاحتفال به، ما أبقي أصوله الوثنية عالقة به.

لقد كان الكثير من الناس -ولا يزالون- يحضرون للصلاة في الكنيسة، ثم يخرجون للاحتفال بصخب في أجواء مليئة بالخمر والرقص ليتحول الأمر إلى ما يشبه الكرنفالات في الشوارع أو الحفلات الخاصة في البيوت.

المبالغة في الاحتفال بعيد الميلاد:

هناك ظاهرة ينبغي الإشارة إليه حين يتم الحديث عن الكريسماس أو عيد الميلاد، وهي ظاهرة ترصدها وبشدة حتى وسائل الإعلام الغربية، إنها حالة الشراء المفرط والاستهلاك بكميات ضخمة وهدر الطعام.

وفي تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية ((بي بي سي)) نصح خبير توفير المال مارتن لويس، بأن يقوم الناس بالاتفاق فيما بينهم على عدم تبادل الهدايا غير الضرورية، وأن يكتفوا بتقديم هدايا لأقرب المقربين فقط، وليس كما يفعل البعض بشراء هدايا وتقديمها لأسرته ثم لعائلته الأكبر وكذلك الأصدقاء.

احتفال اتباع الديانات الأخرى بعيد الميلاد:

لا يمكن إنكار أن هناك الكثيرون من اتباع الديانات الأخرى يحتفلون بعيد الميلاد.

في الإسلام بالتحديد، يعد المسيح شخصية عظيمة، كنبي من أنبياء الله، ولكن ذلك لم يمنع وجود خلافات بين الفقهاء حول جواز تهنئة المسيحيين بهذه المناسبة، وإن كان شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، والذي يعد إمام أكبر مؤسسة إسلامية في العالم قد أباح تهنئة المسيحيين بعيد الميلاد.


تعليقات