زدني معرفة

من هو بوذا؟ .. قصته الحقيقية

غوتاما بوذا.. أحد أشهر الأسماء في العالم، كيف لا وهو مؤسس الديانة أو الفلسفة البوذية، أعطها الصفة التي تريد ... أتباعه يقدرون بحسب بعض الاحصائيات بنحو 6% من البشر على هذا الكوكب المعمور، أي نحو نصف مليار إنسان، ما يجعل البوذية أحد أكثر الأديان أو الطرق الفلسفية انتشارا حول العالم.

تمثال بوذا، يعد بوذا أحد أكثر الشخصيات التي صنعت لها تماثيل عبر التاريخ، كما تباع له مجسمات يوميا بمبالغ كبيرة، World History Encyclopedia‏، (CC BY-NC-SA 4.0).

ويتركز معظم أتباع بوذا في دول جنوب شرق آسيا، وبالتحديد في الهند والصين وبنغلادش وكمبوديا وكوريا وغيرها من الدول، فدعونا نتعرف على بوذا .. الذي يعتقد البعض فيه النبوة .. ويعتقد البعض الآخر فيه الصلاح ومنهم من قال أنه "الخضر" .. بينما يرفعه البعض لدرجة إله، كواحد من الأصنام التي لا تزال تعبد حتى يومنا هذا.

الفلسفة البوذية تبدو شديدة التعقيد، ومليئة بالمصطلحات الغير مفهومة إلا لمن درسها، لذا سنحاول في تقريرنا هذا تبسيط الأمر قدر المستطاع لكي تصل الفكرة إلى جميع القراء.

من هو بوذا:

لا يعرف على وجه الدقة، متى ولد "سيدهارتا غوتاما"، الذي سيعرف على الدوام باسم "بوذا" وسيلقب أحيانا بالمتنور.

فهيئة الإذاعة البريطانية على سبيل المثال تحدد عام مولده في سنة 544 قبل الميلاد، بينما تقول منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، أو ما يعرف اختصاراً بالـيونسكو، بأن بوذا كان من مواليد سنة 623 قبل الميلاد، وهكذا تدور المصادر صعودا وهبوطا لكنها تحصر تاريخ ميلاده بين القرنين السادس والرابع قبل ميلاد المسيح.

وكتاريخ ميلاده، فإن الكثير من أحداث حياة بوذا دار حولها الخلاف، هل وقعت بالفعل ام لا؟. 

وهنا نود التوضيح أن ((بوذا)) ليس اسما لشخصه، وإنما هو أحد ألقابه، ويعني في اللغة السنسكريتية وهي إحدى اللغات القديمة في الهند: ((الشخص الحكيم أو المتنور أو الشخص الأكثر تيقظا))، وإن كان قد التصق اسم بوذا باسم سيدهارتا غوتاما، فأصبح هو المقصود به دوما حينما يقال بوذا.

أما أسمه الأصلى "سيدهارتا" فيعني في اللغة السنسكريتية (الإنجاز المثالي)، وذلك لأنه وبحسب الأسطورة البوذية فإن أمه التي كانت تدعي (مايا) قد شاهدت رؤيا بأنها ستلد قائدا ومعلما روحيا عظيما.

أما مسقط رأسه فكان في منخفضات تيراي بالقرب من سفح جبال الهيمالايا، في منطقة "لومبيني" التي كانت تخضع في ذلك الزمن لحكم مملكة عظيمة القوة تسمي (مملكة كوسالا)، إنها منطقة تتبع اليوم دولة "نيبال"، في تلك المنطقة كان يعيش شعب يسمي "شعب ساكيا"، مكان الميلاد هذا سيمنح بوذا لقبين إضافيين من قائمة ألقابه الطويلة، فلقب بـ "حكيم شعب ساكيا" وكذلك "ساكياموني".

لومبيني، هنا المكان الذي يعتقد أنه شهد ميلاد بوذا، يعد هذا المكان مقصدا للحجاج البوذيين، Bj Khanal، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

أصبحت لومبيني اليوم من أكثر الأماكن المقدسة في البوذية باعتبارها المكان الذي ولد فيه بوذا، ومنذ القرن الثالث ق.م تحولت إلى مقصد لحج البوذيين.

سيموت بوذا في مكان آخر، بالتحديد في منطقة تسمي "كاسيا" وتتبع حاليا الهند، في حين كانت وقتها أرضا خاضعة لحكم مملكة تسمى "مملكة ماجادها".

وبرغم كثرة النصوص التي تتحدث عن كونه عضوا في العائلة المالكة في ساكيا، إلا أن هناك وجهه نظر أخرى.

ففي كتابه (البوذية ... مقدمة قصيرة جدا) ترجمة صفية مختار، ومراجعة هاني فتحي سليمان، المنشور عن مؤسسة هنداوي، يقول مؤلف الكتاب البروفيسور (داميان كيون) أن سيدهارتا غوتاما أو بوذا كان منتميا  إلى الطبقة الثانية من الطبقات الأربع المعروفة في الهند وقتها.

يقصد البروفيسور كيون، طبقة المحاربين الذين جمعوا بين الحرب والثروة والأرستقراطية، والمعروفة باسم الخطيين (باللغة السنسكريتية: الكشاتريون).

ويرجح البروفيسور داميان كيون، أن السبب وراء النصوص المتعددة التي تربط بين بوذا والعائلة المالكة، هو رغبة أتباع البوذية أنفسهم في تعلية شأن ومقام زعيمهم الأول.

على أى حال، فإن انتماء بوذا حتى للطبقة الثانية في المجتمع "الكشاتريون" كان يضمن له الكثير من رغد العيش، ما يتناقض تماما مع المبادئ التي عاش يدعو إليها، فكأنه كان يتمرد أولا على الطبقة التي كان ينتمي إليها.

وتتحدث المصادر البوذية هنا عن أن بوذا قد أخذ قراره هذا بعدما أدرك الحقائق الصعبة في الحياة مثل الشيخوخة والمرض.

تأسيس البوذية:

تمثال بوذا الكبير، في فوكيت، تايلاند، Photo by CEphoto, Uwe Aranas / © CEphoto, Uwe Aranas، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

بدأت البوذية كديانة أو كفكر فلسفي مع صاحبها "بوذا"، وحتى وإن كانت الموسوعة البريطانية Brittanica تذهب للقول أن لفظ "بوذا" استخدم في العديد من الديانات الهندية القديمة، فإنه أصبح اليوم وبلا جدال مقصورا على الإشارة لبوذا "سيدهارتا غوتاما"، وديانته البوذية.

والبوذية تعني في لغته (الشخص المستيقظ) والمقصود هنا المستيقظ على الواقع أو على الحقيقة بعدما وصل لحالة كبيرة من السلام الداخلي والحكمة، لا الاستيقاظ من النوم الذي نمارسه جميعا كل يوم.

ومما لفت نظرنا أننا وجدنا عددا من المصادر البوذية المهمة، تقول أن بوذا نفسه لم يقل عن نفسه أنه إله أو حتى رسول،  وإنما كان بحسب وصف نفس المصادر "إنسانًا مستنيرًا ، يفهم الحياة بأعمق طريقة ممكنة".

ومع ذلك، فلا يمكن لأي باحث حقيقي عن بوذا، والبوذية بشكل عام، أن ينكر أو يتجاهل حقيقة أن الكثيرين من اتباعه يصنفونه إله.

هذه الحالة من التضارب قد يكون سببها تعاليم ومبادئ بوذا نفسها، والتي هي في جوهرها تعاليم "إلحادية" حيث لا تؤمن بوجود خالق للكون، وتنفصل عن فكرة وجود قوة عليا واحدة تتحكم في الأشياء.

حالة التضارب تلك، ستلازمنا في العديد من الأمور المتعلقة ببوذا، ليس فقط بتعاليمه ومبادئه، بل حتى كما شاهدنا من قبل في قصة حياته نفسها، ولعلنا نفهم السبب وراء ذلك عندما نعلم أن أول محاولة لكتابة سيرة حياته انتظرت خمسة قرون كاملة بعد موته، أي أن كل المعاصرين له وأجيال من بعدهم كانوا قد ماتو، فلم يبقي لمن أراد تقصى آثار بوذا سوى مقتطفات وسير صغيرة كتبت عنه هنا أو هناك.

أما التعاليم التي دعا إليها بوذا، فقد جمعت في كتاب سميت فصوله باسم (نيكايا) أو (أغاما).

إذا ما فتحنا هذه الكتب وبحثنا في تعاليم بوذا فسنجدها تتركز على هدف رئيسي هو أن يتحرر الإنسان من المعاناة، ومساعدته على أن يعيش حياته بشكل جيد.

تمثال بوذا تم تصميمه على النمط الصيني الحديث، التمثال معروض في معبد فو غوانغ شان البوذي في لندن ، المملكة المتحدة، John Wigham، (CC BY 2.0)، via wikimedia commons.

لكن مشكلة تعاليم بوذا الأساسية هي أنها جعلت مصدر المعاناة الإنسانية في (رغباته).

لذا فوفقا للبوذية فإن الشخص (المستيقظ) هو الشخص الذي يستطيع تحرير نفسه من الألم والمعاناة عن طريق التخلص من جميع رغباته.

والحقيقة أن رغبات الإنسان قد تورده في المهالك بلا شك، لكن بوذا جعل الرغبة في مطلقها شيء سئ، فالرغبة في النجاح العملي أو التفوق الدراسي أو إحراز أي شيء إيجابي تظل شيئا سيئا عند بوذا، وتظل سبب في معاناة الإنسان.

إن الأخذ بهذه الأفكار والعمل بها، سيحول الناس إلى مجموعة كبيرة من الكسالي معدومي الرغبة والأهداف، وبذلك تتعارض البوذية مع الإسلام الذي يأمر أتباعه بالتوسط، فيعملون للآخرة وكأنهم يموتون غدا، ويعيشون للدنيا كأنهم يعيشون أبدا.

وعن ذلك، تقول الكاتبة والمدونة الأردنية (سوسن إبراهيم محمد صالح) في مقال لها تحت عنوان "حافز الحياة: بوذا والرغبة"، تقول: "ولكن ما هي قيمة وجودنا إذا لم نرغب بأن نصبح أفضل، إذا لم نجتهد أكثر لنصبح نسخا محسنة من ذواتنا ولكي نخدم عالمنا ومحيطنا الذي نعيش بينه. بل ما هو مقصد وجودنا إذا لم نتطلع قدما في الحياة؟!".

نعود مجددا إلى (بوذا) نفسه، لنجد أن أول ما طبقه على نفسه من ترك الرغبات، هو ترك رغبته في زوجته وفي كل النساء وهو لا يزال في عنفوان شبابه ابن السادسة والعشرين.

البوذية في العصر الحالي:

لا تزال البوذية تتركز قوتها عند منابعها الأصلية في شرق وجنوب شرق آسيا، بيد أنها بدأت تجد لها صدى وأتباع في الغرب حيث الحياة المادية البحتة، فتأتي أفكار بوذا كمضاد لها، ما يخلق لها شعبية عند الكثيرين ممن أرهقتهم الحياة الحديثة بمتطلباتها التي لا تنتهي وإيقاعها شديد السرعة.

هذا ويعد الاحتفال بيوم ميلاد بوذا، أحد أهم المناسبات التي يحتفل بها البوذيين.

رهبان بوذيين يحتفلون بيوم ميلاد بوذا أو "فيساك"، Boinghiem، (CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons.

يسمي ذلك اليوم بيوم "فيساك"، وبخلاف كونه يوم مولده، فوفقا للمعتقدات البوذية، فهو أيضا يوم وصوله حالة التنور، وهي الحالة المثلى في البوذية، كما كان هو اليوم نفسه الذي مات فيه عن عمر ثمانين سنة.

في عالمنا اليوم أيضا يسمي الدين أو الفلسفة التي دعا إليها بوذا بالبوذية، ويشار إلى اتباعه باسم (البوذيين).

وإذا ما عدنا إلى كتاب (البوذية ... مقدمة قصيرة جدا) للبروفيسور (داميان كيون)، فإننا نجد حالة توصيف رائعة عن حالة البوذية وأتباعه.

يضرب البروفيسور كيون مثالا من قصة رواها بوذا نفسه عن ملك أمر بجمع مجموعات من العميان، وأحضر لهم عددا من حيوانات الفيلة، وطلب من كل مجموعة أن تصف له الفيل الذي أمامها، فقامت كل مجموعة بوصف الفيل حسب الجزء الذي تلمسته أيديهم منه.

فمنهم من وصفه بأنه جرة ماء، وهؤلاء من أمسكوا رأسه، ومن أمسك أذنيه وصفه بأنه مروحة الغلال التي كانت تستخدم في بذر حبوب القمح، ومن لمس نابه قال أنه يشبه الوتد.

يري البروفيسور كيون أن أتباع البوذية مثل هؤلاء العميان، كل منهم يمسك بجزء منها وهو لا يري ولا يعرف بقية تفاصيلها، ويصر أن باقي الفرق البوذية خاطئة وهو المصيب، وهكذا أصبحت البوذية مجرد أجزاء مبعثرة هنا وهناك.

ولعل السبب الرئيسي في ذلك أن بوذا لم يحفظ عنه في حياته ما قاله، ولم يكن هناك من يدون ويكتب تعاليمه، بل إن الكثير من تعاليم البوذية الحالية هي نتاج ما قاله تابعيه على مدار السنوات، ولم يثبت أنها صادرة عنه.

فعلى سبيل المثال، هناك اختلاف بين درجة التقشف أو التخلي عن الرغبات في البوذية، فهناك من يذهب للقول بأنها يجب أن تكون كاملة وتامة، في حين يذهب فريق آخر للقول بأنها وسطى بين التقشف التام وبين الأنغماس في الرغبات والأمور الحسية.

موقف الإسلام من بوذا:

إننا عندما نقول "موقف الإسلام من بوذا" فإننا نتحدث من وجهة نظر "واقعية" وليس بناء على نظريات أو استنتاجات أو محاولات لربط شخصية " سيدهارتا غوتاما" أو بوذا بأي شخصية صالحة.

إننا ننظر إلى التعاليم البوذية الحالية، والتي هي معتقدات باطلة تماما في دين الإسلام، تناقض عقيدة التوحيد.

 وبرغم وجود العديد من الدراسات الجادة التي تذهب للقول بأن مبادئ بوذا وتعاليمه قد تم العبث بها وتغييرها على مر القرون التي تلت وفاته، فإنه ليس بوسع أحد إلا التعامل مع البوذية (بصورتها الحالية) المناقضة للإسلام.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -