زدني معرفة

ما المقصود بتقنية بلوك تشين Blockchain؟

يعد مصطلح "بلوك تشين" Blockchain أو سلسلة الكتل، أحد أشهر المصطلحات تكرارا في عالم التكنولوجيا والاقتصاد اليوم، مع العديد من الاستخدامات التي يصلح لها.

البلوك تشين أو سلسلة الكتل، تقنية جديدة تعد بتسجيل كل معاملات البيع والشراء إلكترونيا وبشكل آمن تماما، Davidstankiewicz، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

وباختصار فإنه من الممكن تعريف تقنية البلوك تشين بأنها: ((دفتر الأستاذ للبيانات اللامركزية التي تتم مشاركتها على نحو آمن)).

يبدو تعريفا معقدا أليس كذلك؟ ..

لمزيد من التعقيد، فإن تقنية البلوك تشين لها أسماء أخري للدلالة عليها مثل (سلسلة الكتل) أو قواعد البيانات المتسلسلة.

إذن ما معني ذلك كله؟.

بلوك تشين "سلسلة الكتل":

من يعرفون علم المحاسبة، سيدركون أن تقنية بلوك تشين تتشابه كثيرا مع (دفتر الأستاذ العام) General Ledger في علم المحاسبة، وهو نظام تستخدمه الشركات منذ مدة طويلة، لتوفير سجلات مالية لكل تعاملات الشركة.

وكما قلنا فإن البلوك تشين هو (دفتر الأستاذ)، في هذا الدفتر الإلكتروني الذي لا يمكن التعديل عليه أو تغيير بياناته، يتم معالجة وتدوين المعاملات المالية، والعقود، وبيع الأشياء سواء كانت مادية مثل الأراضي والعقارات، وسلاسل التوريد، ونقل الأموال من طرف إلى آخر.

كما يحتوي الدفتر على عمليات تتبع المعاملات على الأشياء غير المادية أيضا مثل براءات الاختراع، حقوق النشر، أو العلامات التجارية.

عمليا، فإن أي شيء له قيمة، حتى ولو كانت ضئيلة يمكن بيعه وتتبعه عبر بلوك تشين... ولعل هذا ما يجعل البعض يعتبره بمثابة مصلحة للتوثيق لكن بصورة إلكترونية.

لكن قد يثور سؤال في أذهان الكثيرين هنا مفادة، أننا نفهم أنه لا يمكن التعديل على (دفتر الأستاذ) .. هذا شيء جيد للثقة والأمان، لكن أليس من الممكن أن يحدث خطأ في تسجيل بيان معاملة ما؟ .. بالطبع هذا أمر محتمل، إذن فما الوضع في هذه الحالة؟.

للتغلب على هذا المأزق، فإن سجل المعاملات إذ حدث فيه خطأ، يجب إضافة معاملة جديدة لتصحيح هذا الخطأ، ويتم عرض كلا المعاملتين بعد ذلك، الصحيحة والخاطئة.

كيف تعمل تقنية بلوك تشين:

كل معاملة باستخدام البلوك تشين يكون لها رمز تجزئة خاص بها لا يتكرر أبدا، Credit: BeatingBetting.co.uk، (CC BY 2.0)، via Flickr.

يمكن أن نحدد أربعة خطوات تعمل من خلالها تقنية البلوك تشين ويمكن من خلالها تسجيل المعاملة، وهذه الخطوات هي:

  1. الخطوة الأولى: يتم تسجيل المعاملة، على سبيل المثال نفترض أن السيد (سالم) يبيع للسيد (محمد) أسهم في شركة مقابل ١٠٠ جنيه إسترليني، يسرد السجل تفاصيل هذه المعاملة، بما في ذلك التوقيع الرقمي للطرفين.
  2. الخطوة الثانية: يتم فحص تفاصيل الصفقة أو المعاملة بواسطة شبكة البلوك تشين، وذلك عبر أجهزة الحواسيب المتطورة التي تعمل فيها، وتتأكد من أن الصفقة صحيحة.
  3. الخطوة الثالثة: في حالة قبول الصفقة، يتم إضافة سجلاتها إلى سلسلة الكتل، وتحصل على رمز فريد يسمي (التجزئة) لتمييزها إذ لا يمكن أن يتكرر في أي صفقة أخرى، ويتكون هذا الرمز من سلسلة من الحروف والأرقام، كما يتم إضافة رمز الكتلة السابقة إليها، لتكون المعاملات مرتبة بشكل صحيح.
  4. الخطوة الرابعة: تتم إضافة الصفقة إلى بلوك تشين، وتحصل على ترتيبها بداخلها حسب رمز التجزئة.
ملحوظة: إذا كنت ستبيع بيت، رواية، أو حتى تغريدة على تويتر (بالفعل باع المبرمج الأمريكي الشهير ومؤسس موقع تويتر جاك دورسي، باع أول تغريدة له على الموقع)، فإن كود التجزئة الذي سيصدر مكون من حروف وأرقام بغرض تمييز المعاملة سيكون دوما بنفس الطول.
وربما يقول بعض الأشخاص هنا أنه وبعد معرفة طريقة عمل التقنية، فإنه يجد أن الاختلافات بين بلوك تشين وبين الأنظمة التقليدية الموجودة فعلا ليست بالكبيرة.
فما الفارق بين بلوك تشين ونظام التسجيل في البنوك مثلا.. وما الفارق بينه وبين نظام جدول البيانات في إكسل Excel، أو حتى أنظمة الشهر العقاري والتوثيق التقليدية؟.

يتم تسجيل عمليات سلسلة الكتل بلوك تشين على حواسيب هذه المنظومة بشكل لا مركزي، I Wayan Kerta، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.


الإجابة والفارق الأساسي هنا أنه نظام لا مركزي، لا يوجد هنا مؤسسة أو بنك أو حتى حكومة تسيطر عليه، بل يتم الاحتفاظ بنسخ متطابقة من كل معاملة على أجهزة الحاسوب التابعة لشبكة بلوك تشين والتي يشار إليها باسم (العقد) والموزعة في العديد من الأماكن وليست في مكان واحد.

الميزة الأساسية الثانية، تظهر من طريقة عمل بلوك تشين أو سلسلة الكتل، كما تظهر من اسم التقنية نفسها.
فأسم البلوك تشين والذي يترجم إلى العربية (سلسلة الكتل) هو نتيجة لأن بيانات المعاملات تكون مخزنة في كتل، وكل كتلة تكون متصلة بالكتلة السابقة، مما يشكل بنية تشبه السلسلة.
إن استخدام تقنية البلوك تشين، يمكنك فقط من إضافة كتل جديدة إلى البلوك تشين. لا يمكنك تعديل أي كتلة أو حذفها بعد إضافتها إلى البلوك تشين كما هو الحال مع إكسل على سبيل المثال، حتى ولو اكتشفت أن بها خطأ يلزمك إضافة كتلة جديدة بها التصويب.

مميزات تقنية بلوك تشين:

الداعمين لتقنية بلوك تشين والذين يرونها تكنولوجيا المستقبل، يجرون إلينا العديد من المميزات لاقناعنا بها.

أولا: مما يعتبره الكثيرون أحد أهم ميزات بلوك تشين، أنه يمكن لأي شخص أن يشاهد هذه "البيانات" أو "الكتل"، التي يتم تخزينها في قاعدة بيانات سحابية ضخمة (مثل تلك التي تستخدمها شركات التواصل الاجتماعي أو الشركات المصنعة للهواتف لتخزين بيانات مستخدمي الهواتف عليها).

هذا يعطي للبلوك تشين الشفافية أو كما تصفه واحدة من أشهر المؤسسات المالية والمصرفية في العالم "غولدمان ساكس" بأنه تقنية جديدة لكسب الثقة.

ثانيا: تقنية "بلوك تشين" تعد بمثابة القلب أو حجر الأساس لتجارة العملات المشفرة مثل البيتكوين ((تنوه المعرفة للدراسات إلى وجود الكثير من المحاذير الشرعية، والعلماء المعتبرين، ودور الإفتاء التي حرمت تجارة العملات المشفرة.. قمنا بعرض تكنولوجيا بلوك تشين بشكل عام، ونحن نخلي مسؤوليتنا أمام الله عن اي استعمال لها في مجال تجارة العملات المشفرة)).

مثل الكثير من الأشياء في حياتنا، سيكون لها استخدامات حلال شرعا، واستخدامات محرمة، نحن نبرأ تماما من اي استخدام لتقنية البلوك تشين في أي معاملات محرمة بعد فهم طبيعتها من خلال تقريرنا هذا، CC0 Public Domain، JB Stran.

ثالثا: في عالم ينتظره الكثيرون على الإنترنت "ونقصد هنا الميتافيرس"، الذي سيجعل البشر يتعلمون ويتسوقون ويمارسون الرياضة ويحضرون المناسبات والمباريات عبر الإنترنت دون مغادرة مكانهم، فإن البلوك تشين ستوفر تسجيل شراء الناس لصكوك الملكية لشراء أي شيء في عالم ميتافيرس أو NFT.

رابعا: تعتمد تكنولوجيا دي-فاي DeFi على تقنية البلوك تشين.

تتيح لك تكنولوجيا دي-فاي DeFi، التمويل اللامركزي لاقتراض العملات المشفرة، والمراهنة على نتائج المباريات والأحداث الهامة، والدخول في مراهنات (وكلها أشياء محرمة).

عيوب بلوك تشين:

"لا يوجد تقنية كاملة بشكل مطلق"، هذه حقيقة تنطبق على كل ابتكارات الإنسان، ومن بينها تقنية بلوك تشين.

ولعل من أبرز عيوب تقنية بلوك تشين Blockchain، أنها وبرغم ما يقال عن عدم إمكانية تغيير بيانات دفتر الأستاذ فيها، فإن قراصنة الإنترنت اثبتوا أنهم قادرين على فعل ذلك، حتى ولو كان الأمر شديد الصعوبة.

أنصار تقنية بلوك تشين يردون على هذه الجزئية بأن شبكة البلوك تشين تقوم بإجراء عمليات فحص مستمرة للتأكد من تطابق جميع نسخ دفتر الأستاذ.

نعم، هناك أكثر من نسخة لأي عملية على تقنية بلوك تشين يتم توزيعها داخل قاعدة بيانات شبكة البلوك تشين، وبالتالي فإن محاولة اختراق النظام أو خداعه ستظهر كنسخة غير سليمة وسيتم تعديلها.

أيضا تتمتع تقنية بلوك تشين بما يشبه جرس انذار، إذ يرسل النظام تنبيها لجميع المشاركين فيه في حالة أن أحد الأشخاص يقوم بمجرد محاولة تغيير بيانات دفتر الأستاذ، بل ويحدد لهم بدقة من يقوم بهذه المحاولة.

إذا حاول شخص ما التلاعب وإحداث تغيير على أي كتلة في البلوك تشين، سيصدر النظام جرس انذار وسيحدد الشخص الذي يفعل ذلك وفي أي منطقة بالتحديد من سلسلة الكتل، لذا فإن مهمة المخترقين ليست سهلة في مزاجهة بلوك تشين، mohamed mahmoud hassan، CC0 Public Domain.

العيب الثاني الذي يشير إليه الكثيرون حين يتحدثون عن بلوك تشين، أنها لا تحتاج إلى (وسيط مثل البنوك أو المؤسسات المالية) لاتمام الصفقات فيما يتعلق بأي شيء العملات الرقمية، السندات والأسهم، والعقارات، وحقوق الملكية الفكرية..إلخ.

ومع ذلك فلدي المتحمسين للبلوك تشين رد مفاده أن هذا ليس بعيب، بل قد يمثل مصدر ثقة، خصوصا وأن بعض الدول والحكومات تتسبب المركزية فيها في تعطيل حركة التجارة والمعاملات، بل وتعطي الفرص لظهور وازدهار الفساد، كل هذا لن يكون موجودا مع بلوك تشين.

إذا استمعنا أصلا لشرح تقنية بلوك تشين فإنها تقنية صممت حتى لا يحتاج المتعاملين لوسيط بينهم، وهي نقطة وبموضوعية شديدة قد يعتبرها البعض عيبا، ومعظم هؤلاء من يحبذون دوما وجود وسيط يستحب أن يكون رسميا لضمان تعاملاتهم المالية.

بينما يعتبرها جزء آخر ميزة، وهؤلاء من يريدون الابتعاد عن البيروقراطية الحكومية حول العالم، خصوصا في عالم أصبح أكثر سرعة وتحركا واللحظة فيه لها ثمنها، عالم عنوانه إنترنت الأشياء IoT‏، والميتافيرس، يحتاج إلى أسلوب جديد وطريقة أفضل في إنهاء الأمور.

المؤيدين لعدم وجود وسيط يتحدثون كذلك عن ميزة عدم دفع رسوم مقابل إنهاء المعاملات، خصوصا أن بعض أنظمة التسجيل والتوثيق المركزية في عدد من الدول تأخذ نسبا على كل عملية بيع وشراء قد يراها البعض مبالغا فيها.

العيب الثالث، هو وجود حالة من الضبابية حول سيطرة الحكومات على تقنية بلوك تشين.

فبينما تقدم التقنية نفسها باعتبارها شيء غير مركزي غير خاضع لسيطرة الحكومات، يجادل العديد من الخبراء بأنه لا يمكن أصلا تصور أن تخرج التجارة والمال والمعاملات عن سيطرة الحكومات، ويرددون العبارة الشهيرة: (لا يوجد شيء سياسي أكثر من المال) على حد وصف البروفيسور كاثي موليغان، الاستاذة في مركز إمبريال كوليدج لأبحاث وهندسة العملة المشفرة في لندن.

لذا فوفقا لهؤلاء فإن هناك حكومة ما (أو حتى عدة حكومات)، وربما جهة خفية، تتحكم في البلوك تشين وتسيطر عليه، وستظهر للعلن يوم يسيطر البلوك تشين نفسه على كل شيء في التجارة والمعاملات الحول العالم، وهو افتراض يتشابه كثيرا مع نظريات المؤامرة.

العيب الرابع، وهو عيب افتراضي، ويدور حول سؤال تخيلي مفاده، ماذا لو سقطت هذه الشبكة السحابية التي تم تسجيل عليها ملكيات كل شيء في الحياة من الأبرة حتى الصاروخ، في هذه الحالة سنكون أمام مهزلة حقيقية وسيدعي كل شخص ملكية أشياء ليست له.

قد يحدث هذا نتيجة حرب نووية، أو كارثة طبيعية مزلزلة، أو حتى اختراق تكنولوجي كبير يتوصل إليه قراصنة الإنترنت والذين اثبتوا قدراتهم على اختراق منظومات أعتى أجهزة الأمن في العالم، وحينها ستضيع الملكيات وسيفقد كل شخص إثبات أنه مالك منزله أو سيارته.

تقييم تقنية بلوك تشين:

هل قد تعيش يوما تطلب فيه توصيل وجبة طعام سريعة إلى منزلك عبر البلوك تشين؟ ... Davidstankiewicz، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

بشكل موضوعي تعد تقنية بلوك تشين ثورة هائلة في عالم التكنولوجيا والتجارة معا.

وتحتاج هذه التقنية حاليا لشيئين أساسيين هما (المعدات التكنولوجية القوية مثل الحواسيب، والمعرفة بطريقة استخدامها تقنيا وتجاريا)، لذا وفي الوقت الحالي فإنها ستنحصر على من يمتلك هذه المعدات وتلك المعرفة.

لكن وبصورة موضوعية، فبمرور الوقت سيصبح امتلاك هذه المعرفة وتلك المعدات أكثر سهولة وأوسع نطاق.

كما ذكرنا فإن بعض الدول بدأت بالفعل في تطبيق تقنية بلوك تشين، على سبيل المثال وعلى الصعيد العربي، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة أنها ستقبل إجراء التعاملات الحكومية بتقنية بلوك تشين، بل جعلت من أهدافها الوصول لإجراء نصف هذه التعاملات عبر بلوك تشين، وجعل دبي أول مدينة في العالم تدار بالكامل بالبلوك تشين.

ومن بين المشاريع الإماراتية التي ستعتمد على البلوك تشين هو المشروع الذي يعرف باسم ((دورة حياة المركبة)) والذي سيتيح معرفة تسلسل ملكية السيارة، وهل تعرضت لحوادث من قبل ام لا.. وما هي الأضرار التي تعرضت لها والاصلاحات التي تلقتها.

لذا، فإن البلوك تشين قد تغير الطريقة التي يتعامل فيها الناس تجاريا وماليا، ولكن يبدو أن هذا سيستغرق الكثير من الوقت حتى يتم تحقيقه بالفعل، وخصوصا إذا ما علمنا أن هناك أمل أو طموح أن نعتمد حتى في شراء الخضروات الطازجة من السوق على بلوك تشين.

ستواجه بلوك تشين العديد من العقبات ليس فقط التقنية، بل والسياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، وستحتاج للمزيد من الوقت، من المؤكد أنه سيختلف من دولة إلى أخرى، وهو أمر طبيعي مع كل تقنية جديدة تريد إحداث تغيير شامل على نمط حياة البشر، ذات يوم كانت شبكة الإنترنت ذاتها تمر بهذه المرحلة.

لا يمكن أن يتجاهل أي شخص المحاذير الشرعية الكثيرة والمتعددة الموجودة حاليا في استخدام تقنية بلوك تشين، لذا فمن باب أولى الابتعاد عنها تماما في الوقت الحالي، وتحري طلب الرزق الحلال، وإلا فمع كل استخدام لتقنية البلوك تشين في الوضع الحالي، عليك أخذ فتوى شرعية من جهة مختصة في كلٌّ حالة على حِدَة.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -