زدني معرفة

معبد حتشبسوت.. قصة ووصف أحد أروع معابد مصر القديمة

سبعة آلاف عام من الحضارة أو تزيد، إنها الحضارة المصرية القديمة، التي تفوقت في كل شيء تقريبا. في الطب ، والهندسة، والمعمار، والفلك، والرياضيات، والحكمة، والقانون، وخلفت من ورائها آثارا لم تغيرها السنين، ولم يبدل ملامحها تعاقب الأحداث والناس.

في بطن الوادي، بني مهندس أحب ملكة، وعمال تفانوا في خدمتها، بنوا معبد حتشبسوت، آثرا عظيما تركته لبلادها منذ نحو أربعة آلاف عام، Maha AbdelKarim، (CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons.

ومن بين أهم الآثار التي تركها المصريين القدماء من خلفهم، ((معبد حتشبسوت))، تلك التحفة الفنية الاستثنائية، كجزء من ((الدير البحري)) على الضفة الغربية لنهر النيل في الأقصر، جنوب مصر، على بعد نحو ٧٠٠ كم من العاصمة المصرية القاهرة.

الملكة حتشبسوت:

لعل من المفيد، بل من الضروري أولا أن نتعرف على صاحبة المعبد، إنها "الملكة حتشبسوت"، واحدة من أشهر الملكات في مصر القديمة، بل وربما في التاريخ الإنساني كله.

نحن الآن في مصر، وبالتحديد في العام ١٥٠٣ قبل الميلاد، في عهد الأسرة الثامنة عشر من الأسر الحاكمة لمصر القديمة.

الأقدار تقود حتشبسوت، ابنة الملك (تحتمس الأول)، وتمهد لها الطريق نحو العرش التي ستعتليه لواحد وعشرين سنة مقبلة، حتى عام ١٤٨٢ قبل الميلاد.

كان ذلك بعد وفاة أخوها غير الشقيق وزوجها في الوقت نفسه الملك (تحتمس الثاني) -عرف عن العائلات المالكة في مصر القديمة زواج الملك من أخته-، والذي تزوجته حتشبسوت وهي لا تزال فتاة صغيرة.

في ذلك الوقت كان ولي العرش هو (تحتمس الثالث)، إنه إبن زوجها الراحل من زوجة أخرى تسمي "إست".

كان تحتمس الثالث لايزال صغيرا جدا على الصعود لعرش مصر، ما مهد طريقها لتصبح وصية على العرش.

لكن حتشبسوت كانت طموحة جامحة، أخذت ترتب الأمور لنفسها ولسلطتها الخاصة، لا لأبن زوجة أخرى من زوجات الملك الراحل، فيما بدا قصة كلاسيكية تكررت كثيرا في قصور الملوك على مدار التاريخ وفي كل البلاد.

شرعيا كانت حتشبسوت وصية على عرش مصر، لكن من الناحية الواقعية كانت هي الحاكمة الفعلية للبلاد، وبمرور الوقت، اكسبت نفسها شرعية الأمر الواقع، وارتدت ثياب الملك، صورة لتمثالها في متحف المتروبوليتان الشهير في نيويورك، أمريكا، خلال جولة ترويجية عام ٢٠١٣، Carlos Bustamante Restrepo، (CC BY-NC-ND 2.0)، via Flickr.

ومع مرور سبع سنوات على موت زوجها، لم تكن قد خلعت رداء الحزن عليه فحسب، بل خلعت زي الوصية على العرش وارتدت ثوب الملكة، وحملت جميع إشارات الملك بين يديها.

بخلاف الشكل، تمكنت حتشبسوت من السلطة واقعيا، فصار لها ملك مصر شكلا وفعلا، وجرت الأنهار من تحتها، وصارت تهديدا كبيرا على احتمالية وصول "تحتمس الثالث" إلى حقه الشرعي في العرش.

ومما وصلنا عن تلك الحقبة، مقولة أحد الخدم في بلاط حتشبسوت التي وصفها فيها قائلا: (أدارت كل شؤون الأرض وفقا لرغباتها).

في تلك الأثناء كان الملك المرتقب والذي يخضع لوصاية أمه (تحتمس الثالث) قد زرع نفسه وسط جيشه ثم تولي قيادته بعد أن درس جميع المهارات القتالية والعسكرية، وأظهر عن قدرات استثنائية يمتلكها هذا القادم من سلالة الملك أحمس، الملك المصري الذي حرر بلاده من الهكسوس.

وفي أحد العروض التي كانت تقام أمام الشعب وقتها، أظهر تحتمس الثالث لشعبه أن مليكهم القادم، سيكون ذو قدرات عسكرية هائلة.

لكن ربما لم يكن "تحتمس الثالث" نفسه يعلم أنه سيصبح أحد أفضل القادة العسكريين في التاريخ، ولربما كان هو أول قائد عسكري لم يهزم في أي معركة قط، بخلاف ما أبتكره من تكتيكات قتالية لم تعرف من قبله، ولا تزال تدرس في المعاهد العسكرية حول العالم حتى الآن.

لكن قبل كل هذا، بدا أن على تحتمس الثالث، خوض معركته الداخلية ضد الملكة، ضد حتشبسوت التي أصرت أن تظل ملكة.

الأقدار وحدها هي من منعت التصادم بين حتشبسوت التي ركنت إلى الدعة والقعود عن القتال، وبين تحتمس الثالث الذي كان إستراتيجيا حقيقيا، رأي الأعداء يتربصون بمصر من كل ناحية مستغلين تهاون الملكة، وظنهم فيه أنه فتى غر لا خبرة له.

إذا اراد أي مصري الافتخار بقوة بلاده، فلن يجد مثالا أفضل من الرجل صاحب هذا التمثال، إنه الملك الأقوى في كل العصور، تحتمس الثالث ابن الملكة حتشبسوت، Elias Rovielo، (CC BY-NC-SA 2.0)، via Flickr.

ستموت حتشبسوت، وسيدفنها تحتمس الثالث في نفس المكان الذي بنته لهذا الغرض بالذات، في معبدها الذي يدور حديثنا حوله اليوم.

ومن مرقدها هناك، ستكون حتشبسوت قد أهدت لمصر، لبلادها، أعظم هداياها ولو بغير قصد، عندما أفسحت المجال لبدء عصر (تحتمس الثالث) الذي سيصبح أعظم حكام مصر عبر تاريخها المديد.

لن يكتفي تحتمس الثالث بصد خطر أعداء مصر، بل سيوسع رقعة سيطرته شمالا لتصل إلى العراق وسوريا، ويدمر (مملكة ميتاني) أقوى أعداء مصر، ويأسر حريم ملكها، وجنوبا يتوسع في السودان، ليبني إمبراطورية مصرية عظيمة ومترامية الأطراف.

برغم مجده الذي لم يحققه أحد سواه، ظل تحتمس الثالث حانقا على أمه حتشبسوت، وفي نفس الوقت الذي كان يضيف لانتصاراته العسكرية، كان يمحو سجلها الملكي، وينسب الآثار التي قامت بها لأسلافها المباشرين، الملكين تحتمس الأول جده، وتحتمس الثاني والده.

لا يعرف على وجه التحديد، ما سر الكراهية التي حملها تحتمس الثالث تجاه الملكة حتشبسوت.. هل كان صراع صامت على العرش؟.. ام لكراهية ورثها عن أمه تجاه زوجة أبيه الأخرى، أم الم قيل وقتها عن علاقة حب جمعت حتشبسوت بالمهندس "سنموت"، وهو نفسه المهندس الذي شيد لها معبدها في الدير البحري، والذي لم يكن منتميا إلى الأسرة الحاكمة.

المعبد الجنائزي في الدير البحري:

استغرقت عملية بناء مقبرة حتشبسوت ١٣ سنة، إذ بدأت في العام السابع من حكم حتشبسوت الذي استمر ٢١ سنة، ولم تنتهي إلا قبل عام واحد من نجاح تحتمس الثالث في الصعود لعرش أبيه ((بالتحديد بين عامي ١٤٩٦ : ١٥٠٢ ق.م)).

اختارت حتشبسوت أن تسمي معبدها بإسم ((المعبد الجنائزي))... أما اسم "الدير البحري" فتاريخيا لم يعرف المكان بهذا الاسم طيلة عصور مصر القديمة، وإنما بدأ في الظهور عقب انتشار المسيحية في مصر، حيث استخدم المسيحيين المنطقة المليئة بالمعابد، كمعابد وأديرة مسيحية.

أما المهندس العبقري "سنموت"، والذي عهدت إليه حتشبسوت بمهمة وضع تصميم معبدها، فقد بني المعبد تحت مجموعة من المنحدرات الضخمة في باطن الوادي، وهو عبارة عن ثلاث طبقات متدرجة.

صورة علوية لمعبد حتشبسوت، من: World History Encyclopedia، (CC BY 4.0).

صمم "سنموت" معبد حتشبسوت على الطراز الكلاسيكي المتبع في المعابد المصرية القديمة، واجهة المعبد على سبيل المثال نجد أنها مكونة من عدد كبير من الشرفات، يصل ارتفاع بعضها إلى ٩٧ قدمًا.

المعبد نفسه يتكون من ثلاث مستويات "طوابق" ضخمة، يحتوى كل طابق منها على صف من الأعمدة في نهايته، أما في المنتصف نجد السلم الذي يصعد منه الناس بينها.

وبحسب وزارة الآثار المصرية، فقد استلهم "سنموت" تصميم معبد حتشبسوت المتدرج أساسا من معبد الملك "منتوحتب نب حبت رع" من الدولة الوسطى، والذي بني معبده في منطقة الدير البحري قبل بناء معبد حتشبسوت بنحو ٦٠٠ سنة.

معبد حتشبسوت من الداخل:

إذا ما صعدنا إلى الطابق العلوي من المعبد، سنجد فناء مفتوح موضوع به العديد من تماثيل الملكة حتشبسوت، على هيئة وصورة "أوزيريس" إله الموتي في مصر القديمة.

كما نجد في معبد حتشبسوت أيضا، عدد من المقصورات، التي خصصت كل واحدة منها لأحد الآلهة عند المصريين القدماء، ربما يكون أهمهم مقصورة "حتحور" إله السماء، والحب، والجمال والخصوبة، وعلى النقيض تماماً مقصورة "أنوبيس" إله الموت والتحنيط والمقابر والحياة الأخرى.

ولأن المصري القديم -انعكس ذلك على الحضارة المصرية القديمة ككل فكانت حضارة غارقة في تفاصيل الموت والبعث- كان دوما ما يعلق باله وفكره بالموت، وبالحياة الأبدية من بعدها، خصصت حتشبسوت هذا المعبد لتقديم القرابين لكي تضمن بحسب معتقداتها حياة أبدية ناعمة في الخلود لنفسها، ولوالدها الملك الراحل (تحتمس الأول).

معبد حتشبسوت يكشف لنا أيضا عن نوع من "التعلق العاطفي" في نفس حتشبسوت تجاه والدها الراحل "تحتمس الأول" ، ما دفعها لتخصيص بعض أرجاء المعبد له.

كما بني المعبد لهدف آخر، فمنه ستقام المراسم الجنائزية لحتشبسوت نفسها بعد موتها، في الوقت الذي ستنتقل فيه لتمثل للحساب أمام "أوزيريس" إله البعث والحساب وهو رئيس محكمة الموتى عند قدماء المصريين، وأحد أهم تسعة إلهه في الديانة المصرية القديمة.

صف من التماثيل منتصبة عند مدخل الطابق العلوي من معبد حتشبسوت في الأقصر، Marc Ryckaert، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

واختارت حتشبسوت أن تخصص معبدها الجنائزي لإله الشمس لدي المصريين القدماء "آمون رع"، وبلمحة من اعتدادها بنفسها كسيدة قوية وصلت لعرش مصر، اسمت حتشبسوت معبدها بإسم "جسر جسرو"، ومعناه (أقدس المقدسات) أو (قدس الأقداس).

وفي تسمية أخرى "جسر جسرو آمون" أي "قدس أقداس آمون".

قدس الأقداس هذا بالتحديد تم شق الجبل الذي يلتصق به المعبد من أجل إقامته فيه، ليكون بمثابة آخر شيء يمكن الوصول إليه.

كما زاد من قداسة معبد حتشبسوت، ارتباطه بالربة (حتحور)، المسؤولة عن رعاية ملوك مصر، وعلى رأسهم (حورس) الحاكم الأبدي لمصر، ووفقا للمعتقدات المصرية القديمة أيضا كانت ظلال حتحور تغلف معبد حتشبسوت.

باختصار، وضعت حتشبسوت معبدها في مكانة روحية عالية، سواء كان ذلك إيمانا منها بهذه المعتقدات، أو حتى كمحاولة لكسب الدعم الشعبي من الجماهير المعروف عنها تدينها بتلك المعتقدات وقتها، وكان ملك مصر على الدوام، لابد له أن يظهر فروض الولاء والطاعة لهذه الالهه حتى ولو كان هو نفسه نصف إله.

كما كان الاهتمام بالمعبد من ناحية التصميم والبناء ليخرج تحفة هندسية رائعة، دوره في جذب مشاعر المصريين المتدينين، والذين كانوا يرون في بناء حكامهم للمعابد، أحد أفضل الأشياء التي يقومون بها.

فلسفة موقع معبد حتشبسوت:

حرصت حتشبسوت على أن يكون موقع المعبد مواجها مباشرة لمعبد الكرنك، الذي يعد الحرم الرئيسي للإله (آمون)، أحد أهم الآلهة عند المصريين القدماء، والواقع على الضفة الشرقية من النهر، فبنت معبدها مباشرة أمامه على الضفة الغربية للنهر، فكان النيل ولا يزال حتى يومنا هذا يفصل بينهما.

نتيجة لهذا التقارب المكاني بين المعبدين، كانت أحد الطقوس السنوية لواحد من أهم المواكب الاحتفالية في مصر القديمة، وهو "عيد الوادي الجميل"، هي زيارة تماثيل الرب آمون وزوجته موت وابنهما خونسو إلى معبد حتشبسوت، ما زاد من الأهمية الروحية لمعبد الملكة.

أحد النقوش على جدران معبد حتشبسوت، Photo: Przemyslaw "Blueshade" Idzkiewicz. (CC BY-SA 2.5)، via wikimedia commons. 

أما تحديد موقع معبد حتشبسوت على الضفة الغربية لنهر النيل كما أوضحنا، كان نتاجا لفكرة آمن بها المصريين القدماء، وترتبط برحلة رب الشمس السفلية في العالم الآخر.

معبد حتشبسوت من الداخل:

أخلص المهندس "سنموت" لسيدته حتشبسوت، فأخرج في معبدها كل إمكانياته كمهندس مصري قديم موهوب وعبقري.

النقوش على جدران المعبد غاية في الدقة والروعة، وتركز على موضوعين أساسيين.

الأول هو توصيل رسالة أن حتشبسوت ولدت بشكل مقدس، وأن نسبها وبنوتها تعود لآمون ذاته -في تطبيق عملي لفكرة أن يكون الملك ابن الإله-.

الموضوع الثاني هو رحلتها الشهيرة إلى بلاد بونت (لا يوجد إجماع بين المؤرخين على بلاد بونت حاليا، فذهب فريق منهم لكونها اليمن وعمان، وفريق آخر يقول أنها إريتريا وجيبوتي).

ولتوثيق هذه الرحلة تم وضع بعض أكثر مناظر ورسومات معبد حتشبسوت روعة وإتقانا في الشرفة الوسطي منه.

على أي حال، فقد كانت هذه الرحلة التي قامت بها حتشبسوت عام ١٤٩٦ ق.م، وغيرها، دليلا واضحا على تطور مذهل حققته الأساطيل التجارية المصرية في عهد حتشبسوت، وازدهار التجارة البحرية في ذلك العصر.

زيارة معبد حتشبسوت:

بالقطع، تعد مصر بلدا تستحق الزيارة، للسياحة وللدراسة ولأغراض أخرى كثيرة، فهي بلد من عدة دول لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة في العالم، نجت من التاريخ ولم تندثر أو تتبدل حدودها، واستمرت تواصل الحياة حتى يومنا هذا.

يعتبر معبد حتشبسوت رمزا للصداقة بين مصر وبولندا، فمنذ عقود تشرف بعثة بولندية على ترميم المعبد والحفاظ على رونقه، كهدية من الشعب البولندي للشعب المصري، وللتاريخ وللإنسانية كلها.

ويعد معبد حتشبسوت أحد الوجهات السياحية المفضلة للكثير من ملايين السياح القادمين لمصر سنويا.

مواعيد الزيارة تكون يوميا من الساعة ٩ صباحا وحتى ٥ مساء بتوقيت مصر، وأسعار التذاكر لغير المصريين ليست عالية الثمن (التذكرة لغير المصريين ١٤٠ جنيه) أي أقل من ١٠ دولار أمريكي، وللمصريين ٤٠ جنيه، والطلبة المصريين تذاكرهم تباع بعشرين جنيه مصري فقط.

إذا كان بمقدورك اختيار تاريخ زيارتك إلى معبد حتشبسوت، فبالتأكيد سيكون موعد تعامد الشمس على قدس الأقداس في المعبد، أحد اللحظات الأكثر مناسبة لزيارتك.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -