زدني معرفة

السلطان الشهيد عماد الدين زنكي .. قصة محرر الرها

في حياة المسلمين وتاريخهم الكثير من أسماء الأبطال اللامعة، التي ضرب أصحابها أروع الأمثلة في الفداء والتضحية والجهاد ردا للعدوان.

لوحة يعتقد أنها للسلطان عماد الدين زنكي، رسمت تقريبا في القرن الثاني عشر، الرسام غير معروف، public domain.

وعندما ابتليت الأمة بسواد الحملات الصليبية الثقيل عليها، خرج من أبنائها الكثير من الأبطال الذين شمروا سواعدهم من أجل رد الهجوم الصليبي، الذي نجح في موجته الأولى في تأسيس مملكة القدس، بعدما سقطت القدس في يده حيث ارتكبت فيها واحدة من أبشع المجازر في تاريخ الإنسانية.

ومن أهم و أوائل هؤلاء المخلصين الأبطال، كان السلطان الشهيد عماد الدين زنكي.. محرر الرها.

السلطان في ظل الخليفة:

في البداية، ينبغي إيضاح طبيعة "موقع" عماد الدين زنكي من الحكم في بلاد العرب، يوم خرج متزعما مشروع الجهاد ضد الصليبيين.

فعماد الدين زنكي، ينتمي إلى (السلاجقة)، وهم قبائل تركية اعتنقت الإسلام، وأتت من وسط آسيا إلى بغداد حاضرة الدولة العباسية، باتفاق مع الخليفة (القائم بأمر الله) الذي وجد فيهم قوة تحفظ الخلافة من السقوط وذلك سنة ٤٤٧ ه‍ / ١٠٥٥ م.

منذ ذلك التاريخ، كان السلاجقة يسيطرون عسكريا على الخلافة العباسية، ما أعطاهم بالتبعية السيطرة السياسية والفعلية على الخلافة، ومع ذلك، فلم يستطيعوا ذات يوم التخلى عن فكرة الخليفة العباسي الذي يعطي لهم الشرعية الروحية للتواجد.

فعلى مدار السنوات والقرون، ظل شرط أن يكون الخليفة عربيا، بل ومن قبيلة قريش بالتحديد، مانعا لتولي السلاجقة الخلافة، وكانوا هم يدركون ذلك جيدا ، فارتضوا بوجود الخليفة اسما ورسما وشكلا لا أكثر، في حين شكلوا هم السلطة الفعلية الحاكمة.

كما ارتضي خلفاء بني العباس، وجود السلاجقة قوة عسكرية حامية، تحافظ على امتيزاتهم الروحية والمالية وحياة الرغد والقصور على الأقل، وكان أقصى ما يفعله أحدهم هو إصدار أمر تولية سلطان سلجوقي، عقب وفاة سابقه... وعادة ما كان السلطان الجديد يفرض اسمه على السلطان بقوته وأعداد أتباعه.

بنفس هذه الطريقة، جاء عماد الدين زنكي إلى منصب السلطان، وإن كان قد حقق من القوة والمكانة الكافية، لتأمين ذات المنصب لابنه نور الدين محمود، والذي نقل بدوره السلطنة إلى أبنه، ما شكل في التاريخ بعد ذلك ما يسمي ((الدولة الزنكية)).

عندما جاء الصليبيين، كانت بلاد المسلمين في حالة من التناحر والتقاتل الطويل، الذي مكنهم من النفاذ بين الولايات والحكام المتناحرين، Image from page 178 of "A history of England from the landing of Julius Cæsar to the present day" (1913)، No Copyright, via Flickr.

تعكس لنا هذه الصورة التي ابتليت بها الخلافة العباسية، وضعف الخلافة الفاطمية في القاهرة، حقيقة التشرذم والتنافس بين الحكام العرب والمسلمين في تلك الفترة، وبدلا من وحدتهم في مواجهة الصليبيين، كان لديهم ما يكفي من مواريث الشك والتنافس القديم، لتفرقهم وتمكين الصليبيين من الوجود في بلاد الشرق، ومن ثم تثبيت هذا التواجد.

مؤسس مشروع الجهاد ضد الصليبيين:

إن كان يمكن أن نحدد أن أمرا ما كان أهم ما فعله عماد الدين زنكي، فإنه وبلا شك تأسيسه لمشروع الجهاد المنظم ضد الصليبيين.

كانت الحملات الصليبية على الشرق مروعة بشكل حقيقي، كسرت كل دفاعات المسلمين، من السلاجقة إلى الفاطميين حكام مصر حينها، ودخلت القدس بطريقة دموية حتى أن الدماء كانت تجري جريان الماء في شوارع المدينة العتيقة.

من وسط ارتجاف المسلمين، حكاما ومحكومين، خرج عماد الدين زنكي ليستل سيفه، ويعلن مشروع الجهاد ضد الصليبيين، مذكرا الناس بأيام الله.

هذه الراية التي رفعها عماد الدين زنكي، سيستلمها من بعده أبنه (نور الدين محمود)، والذي سيسلمها بدوره إلى (صلاح الدين الأيوبي) محرر القدس، لذا فإن الإنصاف التاريخي يحتم علينا القول بأن تحرير القدس بدأ من عند عماد الدين زنكي، بل وحتى من سبقوه من أمراء وجنود استلوا سيوفهم ضد الحروب الصليبية منذ يومها الأول وهجمتها الأولى.

فلولا عماد الدين ما كان نور الدين ولا صلاح الدين من بعده، ولولا تلك الروح التي بثها في النفوس، ما تتالي عمل المسلمين جيلا بعد جيل، حتى استطاع المماليك من مصر إنهاء الوجود الصليبي تماما في بلاد الشرق.

فمن البلاء التاريخي، الوقوف عند صلاح الدين الأيوبي، على عظم دوره وأهميته، فلا نعرف أحدا قبله، ولا نستطلع أحدا بعده.

وبمفهوم القياس على واقع أمتنا اليوم، وقد عادت فلسطين والقدس للأسر، المدموغ بخاتم الصهيونية هذه المرة، فإن كل مقاوم منذ عز الدين القسام، مرورا بجنود مصر الذين حرروا سيناء، ووصولا إلى هؤلاء المدافعين عن المسجد الأقصى اليوم، كلهم يسيرون على نفس الطريق.

عماد الدين زنكي:

لوحة لجيش من جيوش السلاجقة في معركة ملاذكرد.

هو عماد الدين زنكي بن آق سنقر بن عبد الله، أبوه هو آق سنقر بن عبد الله التركي، الملقَّب "قسيم الدولة"، والي حلب، وأحد قادة السلاجقة الكبار، من مواليد العام ١٠٨٤م / ٤٧٧ ه‍.

وقد حملت الأقدار لعماد الدين زنكي، قدر أن يعيش يتيما، بعد مقتل والده، وهو لم يزل في سن العاشرة من عمره، في معركة ضد ((تُتش بن داود)) أخو السلطان السلجوقي الراحل ((ملكشاه))، والذي رأي تُتش أنه أحق بخلافته من أبناءه، في حين كان آق سنقر يدين بالولاء للسلطان الراحل وابناؤه من بعده.

ولكن القدر ذاته، حمل لعماد الدين زنكي، حسن الطالع في انتقاله لكنف الأمير كربوقا (كربوغا)، أمير الموصل، الرجل الذي عرف عنه الإصلاح، بخلاف كونه أحد القلائل الذين هبوا في محاولة التصدي للحملة الصليبية الأولى.

وعلاوة على كربوغا، كان عماد الدين زنكي مقربا عند الكثير من قادة السلاجقة، عرفانا منهم لذكرى والده الراحل، ولمكانته العظيمة في دولة السلاجقة، فكأنما كانوا يحاولون تعويضه فقدان الاب.

((وكانت صفاته صفات حربية راقية اشتهر بشجاعته ونجدته، اشتهاره ببطشه وشدته، وكان يحب التوسع في الملك والذَّب عن حوزة الإسلام)).
المفكر السوري الكبير محمد كرد علي.
من كتابه (خطط الشام)، سنة ١٩٢٥.

في دراسة بحثية تم نشرها في مجلة مرمرة للدراسات التركية • المجلد ١ ، العدد ٢ ، خريف ٢٠١٤، صفحة ٧٩ : ٩٦، بعنوان (حاكم الموصل وحلب عماد الدين زنكي والقتال ضد الصليبيين).

يقول صاحب الدراسة، برسل أوغلو، البروفيسور بقسم التاريخ - جامعة اسطنبول - كلية الآداب، أن كربوغا، أمير الموصل، اصطحب معه عماد الدين زنكي إلى المعارك التي خاضها، ما مكنه من اكتساب الخبرة الحربية التي سيستخدمها في قادم الأيام.

الصعود:

جاء صعود عماد الدين زنكي في فترة حالكة، ساد فيها الظلام.

في مذبحة مروعة يندي لها جبين أوروبا على الأبد، دخل الصليبيين القدس وقتلوا جميع سكانها تقريبا، وحولوا المسجد الأقصى إلى حظيرة، لوحة بريشة الفنان الفرنسي الشهير إميل سيغنول، رسمها في القرن التاسع عشر، Giraudon / The Bridgeman Art Library، public domain.

فالقدس سقطت عام ١٠٩٩، وفشل جيش الفاطميين في استعادتها، وبدأ الغرب الأوروبي يبعث بإمدادات بشرية متتالية لتثبيت مملكة القدس التي تأسست في بلاد الشرق.

كما تابع الصليبيين هجماتهم ليستولوا على سروج، و حيفا، وأرسوف، ثم قيسارية في العام ١١٠١.

وفي العام ١١٠٤، سقطت عكا، وبعد صمود أمام حصار لسبع سنوات متتالية، سقطت طرابلس عام ١١٠٩، لتقوم الإمارة الصليبية الثالثة في بلاد الشرق.

وسط هذه الانكسارات العسكرية المتتالية للعرب، قام أحد المعتوهين من فرقة الباطنية بقتل (مودود) أتابك الموصل الذي كان يقود تحالفا قويا، دمر أحد جيوش الصليبيين عند بحيرة طبريا تدميرا تاما، وكان عماد الدين زنكي نفسه أحد جنود مودود وشارك معه في غير مرة في القتال ضد الصليبيين.

وسط أجواء الهزيمة والخيانة تلك، جاء عماد الدين زنكي، لتدين له الموصل في سنة ٥٢١ ه‍ / ١١٢٧ م، وليعلن منذ اللحظة الأولى عن مشروعه القائم على الجهاد والحرب ضد الصليبيين.

ولم يكن عماد الدين زنكي في سنواته السابقة على حكم الموصل فارغا، بل امضاها كلها في القتال ضد الصليبيين، وحفظ أمن بغداد.

كما ظهرت شجاعة عماد الدين زنكي وبسالته في القتال ضد بني مزْيَد وأميرهم دُبيس بن صدقة أمير الحلّة، وهم من المذهب الشيعي، وكانوا من الخارجين عن الدولة العباسية.

هذه الحروب التي عركت عماد الدين زنكي، وأكسبته من الخبرة القتالية والحربية الكثير، كانت نفسها السبب في تركيز الأنظار عليه، فقرر السلطان السلجوقي ((محمود الثاني بن محمد السلجوقي))، أن يقربه منه ويختبره مجددا، فعينه كقائد (شحنة بغداد) سنة ٥٢١ ه‍ / ١١٢٧ م.

النجم السوري عبد الرحمن آل رشي في دور عماد الدين زنكي في مسلسل صلاح الدين الأيوبي، وخلفه النجم المغربي محمد مفتاح الذي لعب دور أسد الدين شيركوه.

كان منصب (قائد الشحنة) الذي تولاه عماد الدين زنكي يتناسب حاليا مع منصب (مدير الأمن)، ويتولاه شخص له خبرات عسكرية، بهدف حفظ الأمن من ناحية، ومن ناحية أخرى ضمان سيطرة السلاجقة على المدن، وخصوصا الكبرى والمهمة منها.

في منصبه الجديد، أظهر عماد الدين زنكي كفاءة وقدرة مجددا، دفعت السلطان لتقريبه أكثر منه، لدرجة منحه لقب الأتابك الذي يعني ((الأمير المربي))، إذ كان قد عهد له بتربية ولديه فروخ شاه و ألب أرسلان.

ولاية الموصل:

تابع السلطان عطاؤه لعماد الدين زنكي، لكن هذه المرة بالولاية، فولاه الموصل والجزيرة الفراتية، علاوة على أي منطقة يستطيع أن يفتحها فتدخل في ولايته.

والحقيقة أن قرار السلطان بتولية عماد الدين زنكي الموصل ، لم يتأخر بل صدر في ذات العام الذي ولاه فيه منصب قائد الشحنة، ما يعكس لنا حالة الترقي السريع لزنكي في المناصب والتي تكشف لنا بدورها كفاءة هذا الرجل.

من الموصل، بدأ عماد الدين زنكي في تحويل الحرب ضد الصليبيين إلى شيء منتظم، عبر إعداد قوات جيش نظامي ومنضبط، وتجهيزه وتدريبه للمواجهات القادمة التي كان يتحين لها الفرص المناسبة عسكريا وسياسيا.

النزاع بين الخلافة والسلطنة:

ومن الجدير بالذكر هنا، أن عماد الدين زنكي، ظل مخلصا للسلطان محمود الثاني بن محمد السلجوقي حتى وفاته.

وقد كان أهم محطات هذا الولاء، هو الصدام العسكري الذي وقع بين السلاجقة من ناحية، وبين الخليفة العباسي ((الفضل المسترشد بالله)) الذي حاول التخلص من سيطرة السلاجقة على الخلافة، فكون جيشا مستقلا للخلافة.

تطورت الأمور إلى حد أن السلطان محمود حاصر الخليفة المسترشد بالله في عاصمته بغداد، لكن عاصمة العباسيين صمدت بل وكادت تهزم جيش السلاجقة، لولا عماد الدين زنكي الذي هب من الموصل تلبية لطلب السلطان محمود بالدعم، فتغير كل شيء، وانتهي الأمر بعقد صلح بين الفريقين.

باءت محاولات الخليفة العباسي المسترشد بالله في استعادة قبضة خلفاء بني العباس على الحكم، وإعادة الخلافة عربية شكلا ومضمونا بالفشل في النهاية، عقب مقتله في سنة ٥٢٩ ه‍، وقد اتهم بقتله جماعة الحشاشين، في حين يري فريق من المؤرخين أن السلاجقة هم من كانوا وراء اغتيال الخليفة.

لكن الخليفة المسترشد بالله، أراد تأديب عماد الدين زنكي لموقفه هذا، بل وما تلاه من محاولة عماد الدين زنكي دخول بغداد نفسها، فتحرك إليه بجيشه عام ٥٢٥ ه‍، حيث ألحق الخليفة به هزيمة ساحقة، لدرجة أن عماد الدين زنكي كاد أن يقتل أو يقع أسيرا.

لكن هذه الهزيمة كانت نفسها السبب في بقاء دولة عماد الدين زنكي وتدعيمها بمجموعة من خير قادتها، إذ التجأ زنكي إلى صاحب تكريت (نجم الدين أيوب) والد صلاح الدين الأيوبي، الذي حماه وأكرم ضيافته.

ستدور الأيام، ويضطر نجم الدين أيوب وأخوه أسد الدين شيركوه، وكل آل أيوب لترك تكريت التي كانت تحت حكمهم بأمر من الخليفة، وحينها سيلتجئون لعماد الدين زنكي الذي سيرد لهم جميلهم بجميل مثله، ويصبحون هم قادة جيشه وأهم معاونيه.

السيطرة على حلب وتوسيع النفوذ:

كان العنوان الأهم والصحيح أيضا في إستراتيجية عماد الدين زنكي، هو أن الصليبيين استطاعوا تحقيق ما وصلوا إليه نتيجة للتفتت والتقاتل بين الحكام المسلمين، لذا فإن الخطوة الأهم هي توحيد هذه البلاد تحت راية واحدة قادرة على القتال والنصر.

وبهذه الاستراتيجية نجح عماد الدين زنكي في تحقيق أحد أهم خطواته بالسيطرة على مدينة حلب وقلعتها الحصينة في غرة محرم سنة ٥٢٢ ه‍، أي بعد شهور قليلة فقط من ولايته على الموصل، ليعود إلى المدينة التي كان أبوه واليا عليها، وشهدت مولده وسنوات صباه.

وبالسيطرة على حلب تحديدا، دق عماد الدين زنكي المسمار الأول في نعش إمارة الرها الصليبية، إذ تمكن من قطع الطريق بين الرها وبين بقية الإمارات والمستوطنات الصليبية، فكأنه حاصرها بصورة دائمة دون أن يرسل لها جندي واحد، مستنزفا قدراتها الاقتصادية، علاوة على منع أي مدد عسكري من الوصول إليها.

كما تمكن عماد الدين زنكي بالتقدم بقوة عسكرية مسلمة داخل الشام، ليحمي العديد من بلدات المسلمين فيها والتي كانت تتعرض بشكل مستمر لغارات من الصليبيين، فيقتلون وينهبون ويأخذون الأسرى، دون رادع أو مقاومة.

وزاد عماد الدين زنكي من رقعة سلطنته بضم حماة في العام التالي مباشرة ٥٢٣ ه‍ / ١١٢٩ م، ثم أخذ قلعة الأثارب من الصليبيين.

وبين القوة العسكرية والسياسة، تنوعت وسائل عماد الدين زنكي في تقوية سلطانه، الذي رفضه الصليبيين، ونازعه فيه الكثير من المسلمين.

وظل عماد الدين زنكي يحلم دوما بالسيطرة على دمشق، درة الشام، وعاصمة خلافة الأمويين ذات يوم، الهدف الذي لم ينجح في تحقيقه أبدا، رغم أنه قد حاول ذلك بالفعل عام ٥٢٩ ه‍ / ١١٣٥ م.

في تلك السنوات، أظهر عماد الدين زنكي، قدرة كبيرة على حكم البلاد بجانب قدراته القتالية الهائلة، فانتعشت في عهده الأسواق والتجارة، وخاف الصليبيين من التعرض للمسلمين، وامتنع المسلمين عن دفع الاتاوة لهم، كما زادت أعداد السكان في الموصل وحلب الواقعتان تحت حكمه.

ومما يروي عنه، أنه اقتلع عينا أحد ولاته لأنه قد تعرض لسيدة.

تحرير الرها:

بلدوين البويوني عند دخول الرها في فبراير ١٠٩٨، لوحة بريشة الفنان الفرنسي جوزيف نيكولاس روبرت فلوري، رسمها في القرن التاسع عشر، public domain، via wikimedia commons.

من الناحيتين العسكرية والإستراتيجية، كانت ضربة عماد الدين زنكي الكبيرة والأهم للوجود الصليبي في بلاد الشرق، هو تحرير إمارة الرها في ديسمبر من العام ١١٤٤ م الموافق ٥٣٩ ه‍.

وظهر في تحرير الرها، البراعة العسكرية الفذة لعماد الدين زنكي، إذ نفذ العديد من مبادئ الحرب بصورة رائعة.

بداية من اختيار زمان المعركة وفرضه على الصليبيين، إذ استغل خروج أميرها ((جوسلين الثاني)) ليضرب حصاره عليها وهي تفقد أميرها ومعه خير قادته ووزرائه.

الأمر الثاني، تمثل في المناورة العسكرية التي نفذها بنجاح بقواته ليعطي رسالة خاطئة للصليبيين بأنه ليس في طريقه إلى الرها، فنفذ مناورة خداع رائعة منحته فرصة الوصول لهدفه والاطباق عليه وعدوه غافل عنه.

وبحصار امتد ٢٨ يوما فقط، وهي مدة قصيرة بمعايير ذلك الوقت، ولما كانت تتمتع به الرها أصلا من دفاعات قوية، استطاع عماد الدين زنكي أن يستخلص الرها من أيدي الصليبيين.

كان تحرير الرها أمرا ذو وقع شديد، فهي أول إمارة يقيمها الصليبيين في الشرق، وهي أيضا أول إمارة يستردها المسلمين منهم خلال أقل من ٥٠ عام من سيطرة (بلدوين البويوني) عليها، فكان فتحا عظيما ونصرا مؤزرا، دخل به عماد الدين زنكي بوابة التاريخ من أوسع أبوابه.

وعلى الجهة المقابلة، كان استرداد عماد الدين زنكي للرها، إنذارا شديدا انتبهت إليه أوروبا على الفور، فجهزت الحملة الصليبية الثانية.

استشهاد عماد الدين زنكي:

الخيانة مجددا كانت السبب في إنهيار مشروع عظيم من مشاريع الأمة الإسلامية.

فعند قلعة جعبر التي تقع حاليا في سوريا وبالتحديد على نهر الفرات، حيث وقف عماد الدين زنكي محاصرا لها، اغتاله عدد من مماليكه وخدمه، لتنتهي بذلك قصة عماد الدين زنكي، وتنتقل السلطنة من بعده إلي أبنه نور الدين محمود.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -