زدني معرفة

تفاصيل عملية اغتيال قاسم سليماني.. والدور الإسرائيلي فيها

الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة ٣ يناير عام ٢٠٢٠، العاصمة العراقية بغداد، طائرة أمريكية بدون طيار تقترب من المطار الدولي لتنفيذ مهمة غاية في السرية والخطورة، إنها عملية إغتيال أخطر قائد عسكري إيراني، الجنرال قاسم سليماني.

الجنرال الإيراني قاسم سليماني، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قبل اغتياله في الثالث من يناير ٢٠٢٠ في عملية نفذتها طائرة أمريكية بدون طيار في العراق، akkasemosalman.ir licensed under the Creative Commons Attribution 4.0 International license.

على الأرض، يصل قاسم سليماني إلي المطار، يحيط به عددا من مرافقيه العراقيين، وعلى رأسهم أبو مهدي المهندس نائب قائد مليشيات الحشد الشعبي العراقية الموالية لإيران.

يتوجهون نحو قافلة السيارات المخصصة لسليماني، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني لسنوات متعاقبة، وأهم ذراع للنظام الإيراني في تدخلاته العسكرية في سوريا، لبنان، العراق واليمن، إنه البيدق الذي تحركت به إيران عسكريا بجنود من أبناء تلك الدول، دون أن تورط نفسها في أي صراع عسكري بشكل مباشر.

التمهيد لاغتيال قاسم سليماني:

تعد عملية اغتيال قاسم سليماني من العمليات المعقدة، لذا فقد جهزت لها المخابرات المركزية الأمريكية CIA بشكل كبير.

في البداية كانت المعلومات هي أهم شيء، معلومة عن متي بالضبط سيصل سليماني إلي العراق، سيتبع ذلك أقمارا صناعية في الجو، تلتقط إقلاع طائرته من سوريا حيث كان متواجدا، وخط طيرانها نحو بغداد، وحتى بعد خروجه منها وتحركه خارج مطار بغداد حيث سيتم التنفيذ.

ولم يكن ذلك كافيا بالنسبة لعملاء المخابرات المركزية الأمريكية، كان لابد من توفير رصد بالبصر عن طريق عملاء تابعين لها -تبين بعد ذلك وجود عملاء تابعين لإسرائيل كذلك-، يكون مهمتهم رصد وصول قاسم سليماني، وتأكيد أنه هو بالفعل من استقل السيارة التي سيتم ضربها.

ووفقا لتقارير تم نشرها عقب الإغتيال، كان الإسرائيليين قد نجحوا بالفعل في الوصول للأرقام الشخصية لهاتف قاسم سليماني، ما سهل من عملية تتبعه.

باختصار لم يكن مسموحا بوجود أي هامش أو مجال للخطأ.

بدا ذلك الاستعداد الرهيب مفيدا عندما تأخرت طائرة قاسم سليماني عن الإقلاع من سوريا لمدة ساعتين لسبب غير معروف، لولا تعدد وسائل الرصد الأمريكية، وقوة منظومة الاتصالات وسرعتها، لكان مصير العملية كلها سينتهي بفشل ذريع.

صورة الإنفجار الناتج عن الهجوم على موكب قاسم سليماني بالقرب من مطار بغداد الدولي، ٣ يناير ٢٠٢٠، LLs، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

فالعملية كانت معقدة بشكل لا يصدق، وذلك للعديد من الأسباب، كان أولها شخصية قاسم سليماني الاستثنائية نفسه.

ثانيا، كانت هذه العملية عملاً عسكريًا لم يحدث أبدًا في التاريخ الحديث، أن تقوم دولة بقتل قائد عسكري رفيع في دولة أخرى على أرض دولة ثالثة.

وأخيرا كان قاسم سليماني قد شارك وبفاعلية في جهود القتال ضد تنظيم داعش الإرهابي، لذا فإن الأمريكيين كانوا سيقتلون شخصا حارب الإرهاب، وللمفارقة فهو مصنف كشخصية إرهابية لديهم، ولدي عدد من الدول الأخرى.

وبلغة الدولة الأموية، التي يكرهها الإيرانيين، فإن المخابرات المركزية الأمريكية، قد نثرت كنانتها بين يديها فعجمت عيدانها فوجدت أن أمرّها عودا وأصلبها مكسرا و أنسبها لهذه العملية هي الطائرة بدون طيار طراز إم كيو-9 ريبر MQ-9 Reaper، فرمت قاسم سليماني بها.

الأمريكيين أرادوا التأكيد على كل شيء، فلم يكتفوا بالدفع بطائرة بريداتور واحدة، بل جمعوا لعملية اغتيال قاسم سليماني ثلاث طائرات، برغم أن طائرة واحدة فقط كانت كافية تماما لتنفيذ الهجوم.

وعقب اختيار الطائرة، اختار الأمريكيين السلاح القاتل الذي ستطلقه على السيارات ليعلن نهاية قاسم سليماني، فكان الصاروخ هيل فاير (ترجمته بالعربية: نار الجحيم)، وهو صاروخ مخصص أصلا لتدمير الدبابات.

لكن الأمريكيين لم يكونوا يريدون إحداث تفجير ضخم بجانب مطار بغداد، لذا فقد اختاروا نسخة فريدة للغاية من هذا الصاروخ الذي شهدت له ساحات المعارك، إنها النسخة R9X.

النسخة R9X تتميز بأنها لا تحدث تفجيرات ضخمة، عوضا عن ذلك هي تفتح شفرات حادة وسريعة للغاية، تعمل وكأنها مجموعة من السيوف الحادة للغاية، فتقوم بتقطيع جسد الهدف، دون أن تخلف آثار جانبية، فقط ستسحق المستهدف دون سواه.

الاغتيال:

طائرة أمريكية بدون طيار من طراز إم كيو-9 ريبر، نفس نوع الطائرة التي نفذت اغتيال قاسم سليماني، The National Guard، Photo by Master Sgt. Eric Miller، (CC BY 2.0) , via wikimedia commons.

كان قاسم سليماني يوم اغتياله قد بلغه عامه الثاني والستين، (من مواليد ١١ مارس ١٩٥٧ في مدينة قم الإيرانية)، لقد أمضي سنوات طويلة من حياته في ساحات المعارك.

كان سليماني جنديا وفيا لأفكار الثورة الإيرانية والمرشد الأعلى منذ اللحظة الأولى لها، إذ نشأ سليماني في أسرة ريفية فقيرة، مثقلة بالديون بسبب القروض التي حصلت عليها من برنامج التحديث للشاه محمد رضا شاه بهلوي، في محافظة كرمان في جنوب شرق إيران. 

اضطر قاسم سليماني للعمل منذ صغره في محاولة للمساعدة في سداد ديون الأسرة، لذا وعندما اندلعت الثورة، كان عند سليماني الأسباب الحقيقية للولاء لها.

لقد انضم شابا في الثانية والعشرين إلي الحرس الثوري الذي تشكل عقب قيام الثورة ضد الشاه في إيران عام ١٩٧٩، ثم حارب ضد العراق لثمانية سنوات (١٩٨٠ - ١٩٨٨)، حيث اثبت في تلك الحرب أنه مقاتل شجاع.

شارك سليماني كذلك في عشرات المعارك في لبنان حيث ساهم في تأسيس حزب الله، وسوريا حيث دافع عن نظام بشار الأسد حليف بلاده، وله إسهامات في دعم الحوثيين في اليمن، نجا خلالها من الموت مرات عديدة.

في ذلك الصباح البارد كعادة بغداد دوما في مطلع يناير من كل عام، كان الموت ينتظره في العاصمة نفسها التي حارب ضدها طويلا، ثم أصبح يدخلها ككبار الشخصيات، وهي نفسها التي سيموت فيها.

في تلك الأثناء، أبلغت العناصر التابعة للمخابرات الأمريكية أن قاسم سليماني ومن معه، استقلوا سيارتين من نوع تويوتا أفالون وهيونداي ستاركس.

تحركت الطائرة الأمريكية بدون طيار وكل ما تحتاجه من معلومات لديها، وبالقرب من صالة الشحن في مطار بغداد، تحول كل شيء إلي دمار بفعل صواريخ R9X الأمريكية، وانتهت قصة قاسم سليماني للأبد.

مثال على الأثر التدميري لصاروخ R9X والذي يلقب بسيف النينجا، على سيارة هاجمتها طائرة أمريكية بدون طيار في ريف أدلب في سوريا، صورة من وسائل التواصل الاجتماعي.

ضربت الطائرة السيارتين معا، لم يكن هناك أي مجال لمنح قاسم سليماني أي فرصة للنجاة بضرب السيارة التي لا يستقلها، لذا تم التأكيد بضرب كلا السيارتين.

الهجوم الأمريكي أسفر عن مقتل عشرة أشخاص في مجمله، بالطبع كان قاسم سليماني هو أبرزهم، وهو الهدف الأساسي والأول.

التبرير الأمريكي لاغتيال قاسم سليماني:

بررت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي وقع الهجوم في عهدته الرئاسية الوحيدة، بأن اغتيال سليماني جاء كردع لمنع وقوع هجمات وشيكة على السفارات والمواطنين الأمريكيين في المنطقة، هجمات كان قاسم سليماني يخطط لها وفقا لتصريحات الإدارة الأمريكية.

وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" قالت في بيانها عن مقتل قاسم سليماني، أنه كان وراء الهجوم الذي وقع في ٢٧ ديسمبر ٢٠١٩ على قاعدة عسكرية عراقية، ما أسفر حينها عن مقتل متعاقد أمريكي.

البيان حمل أيضا اتهاما لسليماني بأنه كان على علم، بل ووافق على قيام مئات من المتظاهرين بالإحاطة والتحرش بالسفارة الأمريكية في العراق، قبل الهجوم بعدة أيام فقط وبالتحديد في ٣١ ديسمبر ٢٠١٩.

كانت تلك المظاهرات قد جاءت ردا على الهجمات الجوية الأمريكية التي وقعت حينها على مواقع قوات الحشد الشعبي الموالية لإيران في العراق وسوريا والتي أسفرت عن مقتل ٢٥ مقاتلاً.

قبل دقائق من هذا البيان الذي تبني فيه البنتاجون إغتيال قاسم سليماني، كان ترامب كعادته استخدم حسابه في تويتر، هذه المرة نشر تغريدة تحمل العلم الأمريكي فحسب دون أي تعليق عليها.

في وقت لاحق، أصدر البيت الأبيض بيانًا قال فيه إن الضربة كانت "عملًا دفاعيًا حاسمًا" تم تنفيذه "بتوجيه من الرئيس".

قبيل الإعلان الرسمي عن اغتيال قاسم سليماني، غرد دونالد ترامب عبر حسابه على تويتر بصورة للعلم الأمريكي، لقطة شاشة.

ترامب في تغريدة أخرى نسرها بعد الاغتيال بعدة أيام، اتهم قاسم سليماني كذلك بأنه مسؤول عن مقتل وإصابة الآلاف من الجنود الأمريكيين في العراق إبان الوجود العسكري الأمريكي هناك عقب غزو العام ٢٠٠٣ عبر إمداد القوات العراقية التي قالتهم بالأسلحة والمتفجرات، وتدريب مقاتليها.

مضيفا "لقد كان ينبغي التخلص منه منذ عدة سنوات مضت".

ما بعد اغتيال قاسم سليماني:

تم النظر إلي عملية إغتيال قاسم سليماني بأنها دليل عملى على القدرة الأمريكية على إيذاء إيران وقص أجنحة قوتها.

عربيا، اعتبر الكثيرون أن الاغتيال كان مستحقا لرجل ارتكب جرائم لا تغتفر، على رأسها جرائم تطهير عرقي في العديد من البلدان العربية، ودسائس ومؤامرات كان شريكا فيها في بلدان أخرى.

أما في إيران فقد تم إعلان فترة الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام تكريما لسليماني.

المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، دعا للانتقام من مقتل سليماني أهم قادته العسكريين، أما وزير الخارجية محمد جواد ظريف فأعتبر الاغتيال "تصعيد أحمق" مؤكدا أن على أمريكا تحمل نتائج أفعالها.
ملحوظة: لا يوجد في القانون الدولي مصطلح "إرهاب الدولة"، ومع ذلك اعتبر بعض أساتذة القانون الدولي أن الدول قد ترتكب تصرفات أو أعمال إرهابية.

وقال الرئيس الإيراني حينذاك، حسن روحاني في بيان إن ما وصفه "استشهاد سليماني" سيجعل إيران أكثر حزما لمقاومة التوسع الأمريكي والدفاع عن قيمنا الإسلامية. مضيفا: "لا شك أن إيران والدول الأخرى الساعية إلى الحرية في المنطقة ستنتقم".

كان لاغتيال قاسم سليماني ردود أفعال كبيرة وواسعة، Erfan Kouchar، licensed under a Creative Commons Attribution 4.0 International License، via wikimedia commons. 

وفي غضون يومين، اجتمع البرلمان العراقي، برلمان البلد الذي انتهكت سيادته في هذه العملية، وافق النواب على قرار يلزم الحكومة العراقية بإنهاء التواجد العسكري الأمريكي في العراق.

لم يكد يمر بضعة أيام، حتى ترد إيران بهجوم دراماتيكي على قاعدة الأسد الجوية غرب العراق، حيث أطلقت مجموعة من الصواريخ الباليستية على القاعدة التي يتواجد بها قوات أمريكية، لم يقتل أي جندي أمريكي في هذا الهجوم.

في الوقت الحالي، تنشر السفارات الإيرانية حول العالم عبر مواقعها الإلكترونية العديد من المواضيع حول اغتيال سليماني، وتعتبره "إرهاب دولة" مارسته الولايات المتحدة، كما وتتهم إسرائيل أيضا بالمشاركة في عملية الإغتيال.

سيمر بعض الوقت، حتى يكشف رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية السابق في ديسمبر ٢٠٢١ أن إسرائيل كان لها يد في مقتل سليماني، حينما صرح قائلا في تصريح نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية الشهيرة: ((اغتيال سليماني إنجاز ، لأن عدونا الرئيسي في نظري هم الإيرانيون)).

ففي تصريحات أدلى بها لمركز تراث الاستخبارات الاسرائيلية، وهو مركز يعمل على توثيق عمليات أجهزة المخابرات الإسرائيلية، وصف رئيس مخابرات الجيش الإسرائيلي السابق، الجنرال تامير هايمان، عملية اغتيال قاسم سليماني بأنها واحدة من "عمليتي اغتيال مهمين" تم تنفيذهما خلال فترة ولايته.

كانت العملية الأخرى هي عملية إغتيال زعيم سرايا القدس في حركة الجهاد الإسلامي في غزة بهاء أبو العطا، والتي نفذتها طائرات إسرائيلية ضد منزله في نوفمبر ٢٠١٩، وتوفيت معه زوجته جراء هذا القصف.

موقف الأمم المتحدة من اغتيال قاسم سليماني:

اعتبر تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن الهجوم الأمريكي على الجنرال الإيراني "غير قانوني".

إذ قالت أغنيس كالامارد، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالات القتل خارج نطاق القضاء والقتل التعسفي ، إن الغارة الأمريكية التي قتلت سليماني كانت "غير قانونية".

وقدمت كالامارد تقريرها في مجلس حقوق الإنسان في جنيف في يوليو عام ٢٠٢٠. واعتبرت أن قاسم سليماني لم يكن يشكل "تهديد وشيك على حياة أمريكيين، ما يجعل اغتياله عملا غير قانونيا".

الولايات المتحدة، التي لم تعد عضوًا في المجلس بعد انسحابها منه عام ٢٠١٨، رفضت تقرير كالامارد.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -