زدني معرفة

أحمد العدواني : رائد الثقافة الكويتية في القرن العشرين

علي الرغم من صغر مساحتها الجغرافية، وقلة تعداد سكانها، إلا أن المتتبع لحركة الثقافة في دولة الكويت خلال القرن العشرين، يجد الكثير من الأسماء لنجوم لامعة أثرت الكويت والدول العربية بالكثير من الإبداعات الثقافية علي اختلاف أشكالها، لكنني دائما ما أجد نفسي تميل إلي اسم واحد، أري في صاحبه تميز فريد لا يكاد يجتمع لشخص إلا نادرا، أنه أبن الأزهر الشريف وشاطئ الخليج العربي، الشاعر والأديب والمثقف الكويتي الكبير (أحمد مشاري العدواني).

أحمد العدواني، صورة من جريدة القبس الكويتية
وإن كان العدواني قد وضعت عنه من قبل عشرات المقالات، وبدأ البعض يضع كتبا كاملة عنه، فإننا هنا في المعرفة للدراسات، سنحاول الخروج عن فحوي تلك المقالات السابقة التي ركزت علي تناول إنتاجه الأدبي المتنوع، ساعيا بدأب لوضع تأريخ لقصة حياته العامرة في مقال واحد، كي تعرفها الأجيال الجديدة من المثقفين العرب، ونقطة انطلاق لأبحاث جديدة عن ما قدمه لمكتبتنا العربية.

من جدران الكتاتيب إلي ساحات الأزهر :

في العام 1923، ولد أحمد العدواني في حي (القبلة) أو كما ينطق الكويتيين اسمه (جبلة)، ومن حسن طالع الصبي الصغير تزامن مولده مع فترة أهتم فيها الناس ببناء الكتاتيب والمدارس لتعليم أبنائهم، كما كانت الصحف والكتب المصرية قد عرفت طريقها إلي أيادي المتعلمين في هذا البلد الهادئ الصغير، لتصبح مجالس الرجال حينذاك حافلة بالنقاشات العلمية والسياسية.

كما عرفت تلك الأيام أيضا ظهور كيانات ثقافية منظمة مثل (المكتبة الكويتية الأهلية) و (النادي الأدبي)، وسافرت أول بعثة كويتية للتعلم في الخارج عام 1924، وجعلت العراق قبلتها، كما صدرت أول صحيفة كويتية بشكل شهري عام 1928 باسم (مجلة الكويت).

بجوار هذا كله زاد ارتباط الكويتيين بمحيطهم الخارجي بفضل خط التلغراف الذي شيده الإنجليز خلال الحرب العالمية الأولي ، وظل تواصلهم وتجارتهم البحرية التقليدية مع جيرانهم تكسبهم المزيد دوما.

وكعادة أسرة (آل صباح) كان الشيخ (عبد الله الجابر) أول رئيس للنادي الأدبي وهو أيضا كما يطلق عليه "قاسم أمين الكويت" الذي نادي بحقوق المرأة الكويتية.

باختصار كانت الكويت تشق طريقها لتلحق بركب الأمم، ووسط هذا شب العدواني لينال تعليمه بين الكتاتيب والمدارس، ثم يشد رحاله طالبا للعلم في مصر حيث أزهرها الشريف.

علي ضفاف النيل :

مرة أخري، يجد العدواني بيئة حاضنة لموهبته الفطرية، راعية لها، فطوال التاريخ أضاف الأزهر لطلبته بريقا خاصا، وشرفا لا يدانيه شرف ... وبسجلات أبنائه الكثير من المفكرين والإصلاحيين والعلماء كالغزالي والشعراوى وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأحمد الطيب وغيرهم الكثيرين مما لا يتسع المجال لذكرهم.

أما في خارج أسوار الأزهر، كان العدواني علي موعد مع مجتمع نشيط يتصل أكثر بالعالم، ووضعته الظروف وقتها وسط أحداث الحرب العالمية الثانية.

علي ضفاف النيل تقع عينا العدواني لأول مرة علي خشبة المسرح، تسحره شاشة السينما، وتذهب نفسه حسرات في أيام نحسات انكسرت فيها جيوش العرب، وأعلن عن قيام الكيان الصهيوني ... كان لكل هذا وقعه علي نفس العدواني، تاركا تأثيرا كبيرا علي تشكيل شخصيته طوال عقد كامل قضاه في القاهرة بين عامي 1939 : 1949. 

وسط كل هذا، بدأت أوراق ورد بساتين أحمد العدواني تتفتح مروية بمياه النيل حاملة عبق أرض الأجداد ورائحة شاطئ الخليج العربي، فظهرت مساهمته الأولي في إثراء الحركة الأدبية الكويتية، بمشاركته في تحرير مجلتي (البعثة) التي كان يصدرها الطلاب الكويتيين بالقاهرة، و(الرائد) التي كانت تصدر عن نادي المعلمين بالكويت.

وإن كانت مجلة البعثة تحديدا تعتبر من أبرز المحطات في تاريخ الثقافة الكويتية عموما وليس العدواني فحسب، إذ كانت تعبيرا عن جيل كويتي جديد تلقي تعليمه في الخارج حيث احتك بألوان الثقافة المتعددة التي كانت تكسو القاهرة يومها، بدأ في إثارة العديد من الموضوعات والقضايا الاجتماعية الهامة وخصوصا تلك المتعلقة بالمرأة.

وهكذا برز اسم أحمد العدواني لأول مرة وسط أسماء كانت فيما بعد رموز بارزة منهم صناع الصحافة الكويتية الاحترافية ومنهم رموز فكرية وقانونية ودينية كبيرة من أمثال (محمد مساعد الصالح، خالد الغربللي، يوسف الرفاعي، حمد الرجيب، خالد خلف).

سنوات الإبداع والتألق :

الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر يستقبل المغفور له أمير الكويت الشيخ صباح السالم الصباح لدي وصوله إلي القاهرة للمشاركة في مؤتمر القمة العربي الطارئ في سبتمبر عام 1970، حيث لعب الرجلان ومعهما العاهل السعودي الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز دورا كبيرا في وقف الدم العربي الذي كان يسيل وقتها في الأردن بقتال الفصائل الفلسطينية ضد الجيش الأردني، سيكون الشيخ صباح هو آخر حاكم عربي يودعه عبد الناصر بعد نهاية القمة حيث سيعود بعدها لمنزله ويفارق الحياة، صورة من وكالة الأنباء الكويتية (كونا)

أما السبب الثاني فتمثل في تميز العلاقات بين الكويت ومصر في تلك الفترة بشكل كبير، نتيجة موقف الرئيس المصري الراحل (جمال عبد الناصر) الذي كان يري علي الدوام الكويت دولة مستقلة ذات سيادة ويرفض أي ادعاءات أخري من أي طرف وخصوصا العراق التي أوقف عبد الناصر غزوا شاملا كانت ستشنه بغداد في عهد عبد الكريم قاسم.

وفي أعقاب عودة أحمد العدواني من البعثة تم تعيينه للعمل مدرسا، وقتها كانت زهور العدواني جاهزة لتنشر رحيقها في كل الأرجاء، لتبدأ الانطلاقة الحقيقية لرحلة شاعر ومثقف وتنويري يحق للكويت كل الحق أن تفتخر به. 

فكانت الستينات فترة بروز العدواني وربما يرجع ذلك لسببين، أولهما خاص بالعدواني نفسه، الذي لم يتزوج إلا قبل نهاية عقده الرابع بعامين فقط، فعقد قرانه علي السيدة (دلال)، ولعل هذا الزواج صنع له بيئة هادئة ومستقرة ساعدت علي بروز إبداعه وتفوقه. 

 كما تميزت السياسة الكويتية بدورها بسعيها نحو التقارب مع القاهرة ودعوتها للقومية العربية، مما مكن العدواني أن يتواجد علي ساحة الإبداع الرئيسية في الوطن العربي وقتها، بل ويصل حتى قمتها، فغنت أم كلثوم من أشعار العدواني أغنيتين هما (يا دارنا يا دار) عام 1964، وغنتها كوكب الشرق في احتفالات الكويت بالعيد الوطني، وتكرر التعاون بين العدواني والست عقبها بعامين لتظهر الأغنية الثانية (أرض الجدود) التي سجلتها أم كلثوم بصوتها للإذاعة الكويتية.

خلق هذا التعاون بين عملاق الشعر وأسطورة الطرب العربي ترابط خاص، جعل العدواني –وهذا مما لا يذكر كثيرا في سيرته- أحد المشرفين علي زيارة أم كلثوم للكويت عقب نكسة يونيو في واحدة من حفلات كثيرة كانت تخصص إيراداتها للمجهود الحربي وإعادة بناء القوات المسلحة المصرية.

كانت النكسة حدثا أليما ظل عالقا في نفس الشاعر المعتز بعروبته ولغته وانعكس كذلك علي أبيات أشعاره، كما كانت حرب أكتوبر حدثا أطربه مطلقا قلمه ليكتب أبيات رائعة يفتخر فيها بالقوة الكويتية التي شاركت بشكل رمزي علي الجبهة المصرية بقيادة الشيخ الشهيد (فهد الأحمد الجابر الصباح).

وبجوار أم كلثوم غنت أسماء كبيرة في عالم الفن بكلمات العدواني وأشعاره، منهم علي سبيل المثال (نجاة الصغيرة، بديعة صادق، صباح، عبد الحليم حافظ الذي غني شعر العدواني باللهجة الكويتية أيضا، وعبد العزيز خالد المفرج الملقب بشادي الخليج).

كما نال العدواني العديد من الجوائز مثل جائزة التقدم العلمي الكويتية عام 1981، وتكريم من قمة دول مجلس التعاون الخليجي العاشرة التي عقدت في العاصمة العمانية مسقط.

كما اختير العدواني عضوا في (مجمع اللغة العربية بالقاهرة) ضمن الأعضاء الغير مصريين في أهم مجمع لغوي عربي، في شهادة بكونه عالم متبحر في اللغة العربية ذو قدرة وكفاءة ، وهو شرط الانضمام للمجمع بغض النظر عن الجنسية، وفقا للمرسوم الملكي الصادر عام 1932 عن (الملك فؤاد الأول) ملك مصر وقتها، والذي تم إنشاء المجمع بموجبه.

أحمد العدواني هو من ألف النشيد الوطني الكويتي

إلا أن العدواني ظل يفتخر دوما بتلك الأبيات التي اختيرت لتكون نشيد بلاده الوطني ، ويعتبرها التكريم الأكبر والنجاح الأبرز، وأي فخر قد يناله الشاعر أكبر من هذا ؟، أن يكتب نشيد بلاده الوطني بنفسه، كتب العدواني يقول :

وطني الكويت سلمت للمجد : وعلي جبينك طالع السعد

يا مهد آباء الأولي كتبوا : سفر الخلود فنادت الشهب

الله أكبر إنهم عرب : طلعت كواكب جنة الخلد

بوركت يا وطني الكويت لنا : سكنا وعشت علي المدى وطنا

يفديك حر في حماك بنى : صرح الحياة بأكرم الأيدي

نحميك يا وطني وشاهدنا : شرع الهدي والحق رائدنا

وأميرنا للعز قائدنا : رب الحمية صادق الوعد

العدواني رجل الدولة :

لعل كثيرا مما كتب عن أحمد العدواني تناول إنتاجه الأدبي المتميز، الذي ترجم إلي العديد من اللغات مثل الانجليزية والفرنسية والصينية والإسبانية، لكنه وعلي كثرته لم يتعرض بشكل كافي إلي أن العدواني كان نموذجا حقيقيا لرجل الدولة الإصلاحي، الذي شارك في تكوين العديد من المؤسسات الثقافية والعلمية الكويتية في القرن العشرين. 

يعرف الكثيرين مثلا للراحل العدواني دوره في بدايات المسرح الكويتي، الذي ترعرع وأصبح الأفضل في منطقة الخليج بلا منازع.

لكن قلة فقط هي من تعرف دور العدواني في تأسيس (معهد الكويت للأبحاث العلمية)، فبرغم كونه شاعرا في الأساس، كان العدواني يؤمن بأهمية البحث العلمي في نهضة الأمم والشعوب، وأن علي الكويت استغلال ثروتها النفطية في بناء قاعدة معرفية وتكنولوجية متطورة ... لا أن تكتفي بعائدات النفط التي ستنفذ ذات يوم.

اليوم ثمرة العدواني أنتجت لبلاده معهدا متطورا في مجالات عدة منها الأبحاث النفطية، إدارة المياه ومعالجتها في بلد صحراوي تشح فيه موارد المياه العذبة، ويمتلك برامج وأبحاثا متطورة في مجالات الزراعة الصحراوية وإدارة الشواطئ وعلم إدارة الأزمات، كما أن للمعهد رؤية متميزة لمشكلة تغير المناخ والاحتباس الحراري، ويملك الحلول لمواجهتها داخل وخارج الكويت.

ودائما ما يكون للأوائل السبق والفضل، وكثيرا ما كان العدواني رائدا في صفوف الأوائل، فنراه قد تحمل مسئولية كبيرة في سنوات انطلاق التليفزيون الكويتي عندما عمل وكيلا مساعدا بوزارة الإعلام لشئون التليفزيون عام 1965.

وقتها كان التليفزيون في الكويت يخطو خطواته الأولي بعد أربعة أعوام فقط من تأسيسه، فكان له دور كبير في رفع عدد ساعات البث وتطوير المحتوي المقدم للمشاهد الكويتي.

ومن بين أسماء مؤسسي (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب) الكويتي نجد أحمد العدواني حاضرا كأول أمين عام للمجلس الذي قدم  للقراء والمثقفين في الوطن العربي كله، الكثير من الإصدارات الرائعة، كثيرون هم من نهلوا من السلسلة الشهيرة (عالم المعرفة) وسلسلة (إبداعات عالمية) التي نقلت لنا النصوص الأدبية الأجنبية بلغة الضاد، شجرة أخري شارك العدواني في غرسها أصبحت مصدرا حيويا للفكر والثقافة والفنون، شجرة يستطيع كل مثقف عربي الاستظلال بأوراقها الوارفة.

كما كان من انجازات هذا المجلس التي شارك العدواني في صنعها إقامة  أول معرض للكتاب في الكويت بتاريخ الأول من نوفمبر عام 1975 بعد عامين فقط من تأسيس المجلس نفسه، ليصبح القارئ الخليجي عموما والكويتي خاصة قادرا علي الإطلاع علي ما تنتجه الدول والثقافات المختلفة من كتب في جميع المجالات، وصلنا اليوم إلي 42 دورة، وأصبح المعرض ثاني أكبر المعارض العربية بعد معرض القاهرة الدولي للكتاب.

ومما يحسب للعدواني أيضا علي قلة ذكره، مشاركته في وضع العديد من المقررات الدراسية الكويتية عقب الاستقلال خلال تقلده منصب وكيل مساعد بوزارة التربية بين عامي 1963 : 1965.

ثبت العدواني كما عرفناه دائما شاعرا وأديبا ورجل دولة، حتى جاء السابع عشر من يونيو 1990، وقبل شهرين فقط من الغزو، يومئذ آن لحامل مشعل التنوير أن يسلمه للجيل الجديد ... سقط القلم من يد أحمد العدواني، لكن حروفه بقت في القلوب، عالقة في الأذهان والأنفس، رحل فارس اللغة والإصلاح تاركا وراءه تراثا أدبيا ومؤسسيا قل مثيله، وتاريخا ينبغي أن يحكي لكل الأجيال القادمة، كما يردد كل أطفال الكويت كلماته كل صباح في أفنية مدارسهم.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -