زدني معرفة

صفقة اليمامة.. قصة واحدة من أكبر صفقات السلاح في العالم بين السعودية وبريطانيا

صفقة اليمامة Al Yamamah (“the dove”) deal، هي سلسلة من صفقات الأسلحة التي أبرمتها المملكة العربية السعودية مع بريطانيا.

المرأة الحديدية مارجريت تاتشر تتحدث إلي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه ﷲ-. 


كانت، ولاتزال صفقة اليمامة هي أكبر صفقة مبيعات عسكرية تبرمها بريطانيا في تاريخها على الإطلاق... ولا تقارن إلا مع صفقة أوكوس (AUKUS) الإستراتيجية التي ستبني بموجبها بريطانيا وأمريكا غواصات دفع نووي لصالح أستراليا، بفارق أنه وحتى في اتفاقية أوكوس (AUKUS) ستوزع الأرباح بين بريطانيا وأمريكا.

بين عامي ١٩٨٥ : ٢٠٠٧، كسبت شركة BAE Systems، المقاول والمصنع الرئيسي للأسلحة التي حصلت عليها السعودية، عائدات لا تقل عن ٤٣ مليار جنيه إسترليني ، أي ما يعادل نحو ٦١ مليار دولار أمريكي.

المفاوضات الصعبة:

كانت المفاوضات التي سبقت الاتفاق على إبرام صفقة اليمامة تتم على مستوى رفيع للغاية، ومرت بالعديد من المصاعب. 

مثل الجانب البريطاني، رئيسة الوزارء في تلك الفترة (مارجريت تاتشر) السيدة التي كانت تلقب بالمرأة الحديدية، مدعومة بوزير الدفاع البريطاني آنذاك مايكل هيسلتين، وسكرتيرها الخاص، وكذلك سكرتير وزير الدفاع. 

في حين مثل السعوديين الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه ﷲ-، كما تولي الأمير بندر بن سلطان جزءا ضخما من التفاوض والإشراف والتنفيذ، وساعد على عقد اجتماع هام بين الملك فهد -رحمه ﷲ-، ورئيسة الوزراء مارجريت تاتشر.

صحيفة "الاندبندنت" البريطانية الشهيرة، نشرت تقريرا في أغسطس من العام ٢٠١٦، جاء فيه أن السيدة تاتشر بذلت كل جهدها من أجل تأمين عقد الصفقة، وكانت تجري المفاوضات مع الملك فهد -رحمه ﷲ-، في اجتماعات شخصية، وعلى مائدة وجبة الغداء.

وأضافت الصحيفة أن تاتشر قامت بالسفر للسعودية في زيارة رسمية من أجل اقناع كبار المسؤولين السعوديين وعلى وجه الخصوص الملك، الذي كانوا يريدون تقوية جيشه وامتلاك قوة رادعة في فترة حرب الخليج الأولى، بمنتجات بلادها العسكرية، خصوصا أن السعودية كان لديها بالفعل عرض فرنسي منافس للعرض البريطاني.

استندت الصحيفة لوثائق رسمية كشفت عنها السرية في بريطانيا عام ٢٠١٦ من قبل دار المحفوظات الوطنية البريطانية، وهذه الوثائق نشرتها أيضا هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). 

خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه ﷲ-، بحسب وثيقة بريطانية رفع عنها السرية، كان البريطانيين حريصين للغاية حتى في طريقة حديثهم معه عن الصفقة، Saudi Press Agency، PD-SAUDI ARABIA، public domain. 

وتشير الوثائق إلي أن حكومة السيدة تاتشر بذلت جهودا مضنية لربح صفقة اليمامة، وخاضت مفاوضات حرصت على أن تكون سرية، حتى قيل وقتها أن هذه الاجتماعات تناقش مسألة السلام في الشرق الأوسط. 

أحد الوثائق البريطانية المكتوب عليها (سري)، والتي تم الكشف عنها، كان خطاب كتبه السكرتير الخاص لمارجريت تاتشر ومستشارها للسياسة الخارجية، تشارلز باول ، وأرسله إلى وزارة الخارجية في ١ أبريل. 

كتب باول: "لا ينبغي أن نضيف أحداً إلى رحلة رئيس الوزراء لزيارة الرياض. إن ضم شخص من مبيعات وزارة الدفاع لن يؤدي إلا إلى لفت الانتباه للمفاوضات. هذا إلى جانب الإعصار المصاحب للزيارة أصلا (بالنظر إلى أنه سيكون هناك 25 صحفياً على متن الطائرة) ".

نجد أيضا وثيقة غاية في الأهمية تكشف عن التكتيك البريطاني في مرحلة حاسمة من المفاوضات. 

هذه الوثيقة عبارة عن خطاب من ريتشارد موترام مستشار وزير الدفاع البريطاني، إلى تشارلز باول مستشار السيدة تاتشر وسكرتيرها، يقول فيها: (ليس لدي أدنى شك في أن رئيسة الوزراء سترغب في اكتشاف الموقف السعودي من شراء طائرات تورنادو عندما ترى الملك، لكني أشعر أنه لا بد لي من أن أنصحها بأنها ينبغي أن تهدف إلى منح الملك نفسه الفرصة لإثارة الأمر أولاً ، و أنه لن يكون من مصلحتنا أن نبدو وكأننا نضغط على السعوديين بلا داع في هذه المرحلة). 

وكالة "يونايتد برس انترناشيونال" الأمريكية للأخبار أكدت كذلك أن الفرنسيين كانوا بالفعل ينافسون من أجل الفوز بالصفقة وعرضوا على السعوديين مقاتلاتهم طراز ميراج، وكانوا مدعومين حينها برجل الأعمال البارز (عدنان خاشقجي)... لكن البريطانيين فازوا في النهاية.

الأمريكيين لم يكونوا في الصورة، لم يدخلوا المنافسة من الأصل بسبب خشيتهم من احتمالية أن تستخدم السعودية هذه الأسلحة ضد إسرائيل. 

في المجمل، بتلك الصفقة، أعطت تاتشر لأكبر شركة تصنيع أسلحة في بريطانيا BAE Systems القدرة على الوقوف على قدميها لأكثر من عشرين عاما، مع تدفق عائدات الصفقة من السعودية بشكل سنوي في مقابل الأسلحة التي يتم توريدها.

كانت الصفقة أكبر من شركة BAE Systems فحسب، بل أعطت دفعة هائلة للاقتصاد البريطاني ككل، وخلقت الكثير من فرص العمل للمواطنين البريطانيين.

صفقة اليمامة:

بشكل سريع، وجدت السعودية أن صفقة اليمامة كانت مفيدة للغاية، صورة لمقاتلة تورنيدو سعودية تقلع للاشتراك في عمليات درع الصحراء التي سبقت عاصفة الصحراء وكانت تهدف لمنع القوات العراقية من أي اختراق للأراضي السعودية، The U.S. National Archives، No known copyright restrictions. 


تكونت صفقة اليمامة من عدة صفقات متداخلة ومتتالية.

ويمكن أن نحدد ما أصطلح على تسميته (صفقة اليمامة الأولى) بتوقيع الحكومتان البريطانية والسعودية مذكرة تفاهم أولية عام ١٩٨٥، أدت إلى سلسلة من العقود تحصل بموجبها السعودية على طائرات مقاتلة ومجموعة متنوعة من المعدات العسكرية وخدمات الدعم الأخرى خلال الفترة بين عامي ١٩٨٥ : ١٩٩٣.

اعتبر توقيع عقود صفقة اليمامة بمثابة الخطوة التاريخية التي لا تنسي في مسيرة السيد ديك إيفانز، الذي كان يشغل وقتها منصب الرئيس التنفيذي لشركة BAE، ودفعته للارتقاء لمقعد رئيس الشركة.

وتكونت الصفقة حينها من ٧٢ طائرة طراز (تورنادو : Tornado)‏، وهي طائرة مقاتلة متعددة المهام، و ٣٠ طائرة تدريب متقدم طراز (هوك : Hawk)، بخلاف ٣٠ طائرات تدريب من أنواع أخرى، وطائرتين نقل خفيف طراز Jetstream، صنعتها شركة BAE Systems لصالح السعودية.

اتسعت الصفقة لتشمل أيضًا قطع وأسلحة بحرية مثل ١٠٢ صاروخ من صواريخ صقر البحر Sea Eagle anti-ship missiles المضادة للسفن، وصائدات الألغام البحرية طراز سانداون Sandown Minehunter. 

وكذا القيام بأعمال البنية التحتية في المطارات لصالح الحكومة السعودية، بخلاف محركات الطائرات وأسلحتها مثل صواريخ القتال الجوي Skyflash BVRAAM missiles، وصواريخ آلارم Alarm missiles المضادة للرادارات، والإلكترونيات التي زودت بها الطائرات، بجانب قطع الغيار وأعمال الصيانة.

في بعض مراحل الصفقة، لم يدفع السعوديين مالا، بل استبدلوا المعدات العسكرية التي حصلوا عليها من بريطانيا بالنفط، فيما عرف باسم النفط مقابل السلاح oil-for-arms، حيث ظل السعوديين في تلك الفترة يحولون ٣٠٠ ألف برميل من النفط يوميا لحساب وزارة الدفاع البريطانية، دون أن تتحمل ميزانيتهم دفع أموال بشكل مباشر. 

في العام ١٩٩٣، أصبحنا أمام صفقة (اليمامة الثانية) ، حينما وافق السعوديين على شراء دفعة جديدة من طائرات التورنيدو متعددة المهام بعدد ٤٨ طائرة. 

المرحلة الثالثة من صفقة اليمامة حملت اسم (صفقة السلام) Al Salam، والتي عقدت في العام ٢٠٠٣.

من المعروف أن السعوديين قاموا بشراء أسطول جديد عبارة عن ٧٢ من مقاتلات يوروفايتر تايفون ، وهي أحدث مقاتلة أوروبية، بخلاف تطوير أسطول مقاتلات التورنيدو البالغ عدده ٨٤ طائرة ، بما يصل إلى ١٠ مليارات جنيه إسترليني. في يوليو ٢٠٠٥ ، سافر رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير إلى الرياض للترويج للصفقة.

وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، فإن ٤٨٠٠ مهندس وفني وموظف تابعين لشركة BAE متواجدين في السعودية لتقديم الدعم الفني والصيانة للمقاتلات، بخلاف تدريب الكوادر السعودية. 

نفي مزاعم الفساد:

مقاتلتين طراز يورو فايتر تايفون Eurofighter EF-2000 Typhoon، من سلاح الجو الملكي السعودي، صورة فوق مدينة تولوز الفرنسية، Laurent ERRERA from L'Union, France، (CC BY-SA 2.0)، via Wikimedia commons. 


كثير من الأقاويل والشبهات بل والاتهامات بالفساد أحاطت بصفقة اليمامة.

أحد هذه الاتهامات، جعل الشك يدور حول مارجريت تاتشر نفسها، بأن جهدها لإبرام الصفقة لم يكن خالصا لمصلحة بلادها فحسب.

بالتأكيد استفادت بريطانيا، لكن صحيفة (الصنداي تايمز) ، وهي أكبر الصحف البريطانية مبيعا، نشرت عام ١٩٩٧ تقريرا اتهم نجل رئيسة الوزراء التاريخية مارجريت تاتشر ، بالحصول على ١٥ مليون دولار لاستخدام اسمه وعلاقاته للمساعدة في الوساطة في صفقة أسلحة اليمامة بين بريطانيا والسعودية أثناء وجود والدته في السلطة.

في يونيو من العام ٢٠٠٧، نفت شركة BAE Systems، ارتكاب أي مخالفات في صفقات الأسلحة البريطانية السعودية "اليمامة".

جاء ذلك النفي بعد قرار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق "توني بلير" الذي اتخذه عام ٢٠٠٦ بإلغاء تحقيق رسمي بريطاني بشأن الصفقة.

وقالت صحيفة الجارديان البريطانية وهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" إن شركة بي أيه إي سيستمز دفعت بالفعل مدفوعات منتظمة للأمير بندر بن سلطان ، السفير السعودي السابق لدى الولايات المتحدة، لكنها كانت مدفوعات قانونية وعلنية وبعلم وزارة الدفاع البريطانية.

بينما قالت شركة BAE في بيان لها: "برنامج اليمامة هو اتفاق بين الحكومات، وجميع المدفوعات التي تمت بموجب تلك الاتفاقيات تمت بموافقة صريحة من الحكومتين السعودية والمملكة المتحدة". 

واضافت الشركة "ننفي كل مزاعم ارتكاب مخالفات فيما يتعلق بهذا البرنامج المهم والاستراتيجي وسنلتزم بواجب السرية الذي تفرضه علينا الحكومة".

الأمير بندر بن سلطان أيضًا من جانبه، أصدر في ذلك التوقيت بيانا "نفى فيه بشكل قاطع" تلقيه أي "عمولات سرية غير لائقة" بشأن صفقة اليمامة للأسلحة.

وفي أغسطس من عام ٢٠١٣، أعلن مكتب مكافحة الاحتيال الخطير SFO، وهو هيئة رسمية بريطانية متخصصة في التحقيق في عمليات الاحتيال والرشوة والفساد، إنها فقدت آلاف المستندات المتعلقة بالتحقيق الذي كانت تجريه في صفقة اليمامة، والذي ألغاه توني بلير كما سبق الإشارة.

مكتب مكافحة الاحتيال الخطير البريطاني SFO قال أن المفقودات بلغت ٣٢ ألف صفحة من البيانات و ٨١ شريطًا صوتيًا مرتبطة بتحقيق في صفقة اليمامة بين شركة BAE ، والمملكة العربية السعودية. ما يشكل ٣٪ من إجمالي حجم المستندات التي يمتلكها المكتب بشأن الصفقة. 

تقييم صفقة اليمامة:

الأمير خالد بن سلطان قاد معركة تحرير الخفجي، SGT. TREJO، صورة في النِّطاق العامّ. 

  • حسب المصالح البريطانية: حققت بريطانيا نصرا هاما في الفوز بصفقة سلاح لا مثيل لها على حساب فرنسا، وقد ألقت مارجريت تاتشر بكل ثقلها من أجل أن تفوز بها بلادها، وقد تكرر هذا الأمر في صفقة الغواصات الأسترالية، التي اختلفت عن صفقة اليمامة في أنهم سرقوها حرفيا بالتعاون مع الأمريكيين بعدما كانت فرنسا قد وقعت عقودها منذ سنوات، ما سبب أزمة دبلوماسية خانقة. 
  • حسب المصالح السعودية: استطاع السعوديين في ظل اشتعال حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، إبرام صفقة حصلوا بموجبها على أسلحة عالية التطور على مدار سنوات متتالية، وجعلت الجيش السعودي أحد أفضل جيوش المنطقة تسليحا، وقد أثبتت هذه الأسلحة فائدتها عمليا في معركة تحرير الخفجي من القوات العراقية والتي تباطئ الأمريكيين في التعامل معها، فحررتها قوات سعودية قطرية مشتركة بعد قصف جوي قوي نفذته طائرات التورنيدو السعودية بالتحديد، كما استخدمها السعوديين بكفاءة في كامل معارك حرب تحرير الكويت، ولاتزال هذه الأسلحة قوة ردع حقيقية في يد المملكة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -