زدني معرفة

سد الشهيدين عادل حسانين وأشرف جويدة.. قصة مهندسان شريفان افتديا مدينة كاملة

إذا ما أردت ان تجمع كل المعاني والصفات والسمات النبيلة، إذا ما عقدت العزم على أن تتحدث عن الشرف والأمانة والنزاهة والبطولة والشجاعة والتضحية، فأنك لن تجد مثالا أبرز ولا أكثر ملائمة أو تعبيرا عن كل ذلك وأكثر، من الشهيدين عادل حسانين وأشرف جويدة.

علي اليمين الشهيد المهندس عادل حسانين، ويسارا الشهيد المهندس أشرف جويدة، مثالان بارزان على الأمانة والاستقامة والتضحية والشرف. 


عادل حسانين وأشرف جويدة، مهندسان مصريان، رفضا الفساد والتلاعب في بناء سد حجز مياه الأمطار عن مدينة سفاجا، فطالتهما يد الغدر والإجرام.

رحلا شهيدين، لكنهما تركا لأبنائهم وأحفادهم، بل لهذا الوطن كله، مثالا ناصعا عن كيف تعيش شريفا وتموت بطلا.


بالأمانة تحيا الأمم:


العام ٢٠٠٨، يتولى المهندسان عادل حسانين وأشرف جويدة، مهمة الأشراف الهندسي على سد اطلق عليه حينذاك (سد وادي البارود الأبيض).

بعيون الخبراء، يلاحظ المهندسان أن المقاول المنفذ للمشروع يتلاعب في التنفيذ، بهدف تقليل النفقات ليزداد ربحه من المشروع الذي تموله وزارة الري، ويهدف لحماية سفاجا من كميات الأمطار الغزيرة التي تسقط علي هذه المنطقة ثم تندفع بسرعة شديدة مدمرة كل ما في طريقها.

إذ ينبغي لهذا السد حجز المياه ، وتصريفها إلي خزانات المياه الجوفية، ما يمكن من استغلالها في الزراعة فيما بعد.

يسري القلق في نفسيهما، فهذا السد مسألة حياة أو موت للكثير من البشر، هو الفاصل بين النجاة والهلاك لسكان مدينة سفاجا المصرية حينما تهطل السيول في فصل الشتاء، هو الحامي لممتلكاتهم وأرواح الأطفال والشيوخ والنساء والرجال فيهم.

يختار المهندسان المواجهة، يرفضان تلاعب المقاول الخسيس، يتصدي عادل حسانين وأشرف جويدة للمسألة، فبالأمانة وحدها تحيا الأمم، اختارا رفض استلام السد بهذه المواصفات.


كيد الضالين:


لكن الحياة دوما، فيها الأبيض وفيها الأسود، فيها النقي وفيها الملوث، فيها كل شيء ومضاده.

يدبر المقاول الضال كيده، يعقد العزم على التخلص من المهندسان اللذان يراهما حجر العثرة أمام جشعه أو طمعه.

يهددهما بأن مصيرهما القتل، ولابد أنه قد ساومهم بالرشوة أيضا مقابل صمتهما وتغاضيهما عن عدم تلبية السد للمواصفات المطلوبة، لكنهما نبت طيب من أرض مصر، وعائلاتها الأصيلة التي تعرف الحلال والحرام، وعظم الأمانة، فيرفضان تبديد ثقة الأمة والمجتمع فيهما.

تم تنفيذ سد الشهيدين عادل حسانين وأشرف جويدة بالمواصفات الفنية المطلوبة كاملة، ولم تذهب دمائهما هدرا. 


ولا غرابة حينما يقرر المقاول قتلهما بالفعل، فمن لم يهمه أرواح العشرات وممتلكاتهم مقابل المال، لن يهمه قتل اثنين بدم بارد. 

يطلق المقاول عليهما النار بالفعل فيسقطان شهيدان في موقع بناء السد وتسيل دمائهما الطاهرة الذكية فيه، وكأنها صمام الأمان الذي سيظل حارسا للسد ولسفاجا.

تم القبض على المقاول الآثم، وحكم عليه بالسجن ١٥ عاما، ومات داخل محبسه خلال تنفيذه لفترة العقوبة، كما تم استكمال المشروع بعد ذلك وتم تنفيذه تماما حسب المواصفات المطلوبة بالضبط.


أكتوبر ونوفمبر ٢٠١٦:


رحل عادل حسانين وأشرف جويدة، لكن جاء خريف عام ٢٠١٦ ليكشف عن قيمة ما ضحيا من أجله، جاءت السحب في أكتوبر ونوفمبر  ٢٠١٦ ملبدة بالغيوم، تثقلها الأمطار، سقط فوق سفاجا بمفردها قرابة مليون و ٧٥٠ مليون متر مكعب من مياه الأمطار ، وفقا لبيان وزارة الموارد المائية والري المصرية حينها.

وقفت العناية الإلهية التي أرسلها ﷲ -عز وجل- في صورة السد الذي اصبح اسمه سد الشهيدين عادل حسانين وأشرف جويدة، ليحجزا تلك الأمطار التي وفقا لبيان الوزارة المصرية كانت لتحدث أثارا مدمرة تمتد حتى تصل إلي ميناء سفاجا، وتزيح كل ما في طريقها من حجر أو بشر.

غير بعيد عن سفاجا، غرقت مدينة "رأس غارب" التي تعرضت أيضا لكميات غزيرة من الأمطار (تعرضت أكثر من ٢١٤ أسرة مصرية في رأس غارب للأضرار بسبب سيول عام ٢٠١٦، كما لقي ٢٢ شخص مصرعهم وأصيب ٧٢ آخرين).

وقف الناس يرون بأعينهم حسن صنيع الشهيدين عادل حسانين وأشرف جويدة، وارتفعت الأيادي بالدعاء للرجلين في قبريهما، وكتبا حكاية من نور تستحق أن تروي لأولادنا وأحفادنا جيلا بعد جيل.


سد الشهيدين:


تكريما للتضحية البطولية للشهيدين عادل حسانين وأشرف جويدة، أصدر وزير الري المصري الدكتور محمد عبد العاطي القرار رقم ٩٥٠ بتاريخ ٤ نوفمبر عام ٢٠١٦ تغيير اسم سد وادي البارود الأبيض، ليصبح سد الشهيدين عادل حسانين وأشرف جويدة.

تكريم الشهيدين عادل حسانين وأشرف جويدة بوضع اسميهما على سد وادي البارود الأبيض ١ ليصبح سد الشهيدين. 


ويقع سد الشهيدين عادل حسانين وأشرف جويدة غرب مدينة سفاجا في محافظة البحر الأحمر شرق مصر، وبالتحديد في الكيلو ١١ طريق "قنا-سفاجا" جنوب المدينة، ويبلغ طوله ١١٠ متر، بارتفاع ١٠ أمتار، ويستطيع استيعاب مليون و ٢٠٠ ألف متر مكعب من المياه.

وزير الري المصري أشار في قراره إلي حجم البطولة التي قدمها عادل حسانين وأشرف جويدة، بتوضيح أن سقوط هذه الكمية من الأمطار من ارتفاع ٢٠٠ متر على سفاجا، كان سيحيلها دمارا.

وجاء في القرار أسباب إطلاق اسم سد الشهيدين:
((تخليدا لذكرى كل من الشهيدين السيد المهندس/ عادل حسنين عبد الكريم، والسيد المهندس / أشرف حسن السيد محمد جويدة، اللذين تم اغتيالهما بالقرب من سد وادي البارود الأبيض الأول، بعد أن أطلق عليهما المقاول الرصاص بسبب رفضهما التهاون في المواصفات المقررة، مما كان له الأثر الإيجابي الآن في حماية مدينة سفاجا من خطر السيول التي عمت المنطقة)).

وقد حضر وزير الري المصري محمد عبد العاطي مع اللواء أحمد عبد ﷲ محافظ البحر الأحمر، وأفراد من أسرة الشهيدين، وضع اسم الشهيدين على السد، مؤكدا أن كل شريف يجب أن تخلد ذكراه وأن يكرم أبنائه من بعده، وأن هذا السد حمي مدينة سفاجا كاملة وآلاف من سكانها، بخلاف مشاريع أخرى تقدر قيمتها بمليارات الجنيهات.

وفي ١٥ مارس ٢٠٢٠ تم إدراج اسم البطل المهندس أشرف جويدة، في قائمة الشرف الوطني المصري، ومنح اسمه (قلادة تاميكوم) من الطبقة الفضية، باب الأبطال والشهداء والمدنيون.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -