زدني معرفة

فيلم أصحاب ولا أعز.. كيف تهدم السينما المجتمع

لاتزال منذ عدة أيام متتالية أصداء فيلم "أصحاب ولا أعز" تنتشر بشكل مذهل عبر جميع منصات التواصل الاجتماعي وخصوصا في مصر.

أشعل فيلم أصحاب ولا أعز الكثير من الجدل والنقاشات عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي وفي أحاديث ولقاءات الناس اليومية. 


فالفيلم الذي يعرض حصريا على شبكة عرض الأفلام العالمية نتفليكس NETFLIX ، جذب أنظار المهاجمين بشدة والمدافعين عنه بقوة، بسبب الأفكار والمواضيع وحتى بعض المشاهد التي عرضت فيه.


البرمجة والتطبيع:


إن المشكلة الرئيسية في فيلم (أصحاب ولا أعز) وما على شاكلته من أفلام، هو تكرار عرضها، وما ينتج عن هذا التكرار من تعود العين والعقل على مشاهدة هذه الأفكار.

النتيجة أنه وبشكل لا إرادي، يتعامل معها البشر بإعتبارها شيئا طبيعيا وموجودا، وفي خطوة أكثر تقدما يصبح شيئا "مقبولا"، وهكذا وخطوة خطوة، تتغير الثوابت، وتتبدل القيم، وتضيع الأخلاق.

هناك مثلا شعبيا في مصر يقول "الزن على الأذن أمر من السحر"، والأمثال الشعبية معبرة عن حكمة توارثها الناس جيلا بعد جيلا، من تكرار المواقف والتجارب، وليست شيء قليل الأهمية، بل إنها المعبر التاريخي عن الشعب وعاداته وتقاليده الحقيقية.

إن التكرار هو العنصر الأساسي في تغيير العقل الباطن، وكلما تكرر مشاهدة نفس الشيء مرارًا وتكرارًا ، زادت احتمالية تحقيقه.

ومن هنا يتم إستهداف جمهور المشاهدين لخلق ثقافة جديدة، بخلاف ثقافتهم القديمة التي تأبي تلك الأفكار.

ويشير الرئيس البوسني الراحل "على عزت بيجوفيتش" في كتابه الماتع "الإسلام بين الشرق والغرب" إلي تلك الحقيقة ، مشيرا إلي أن بعض الحكومات حتى تلجأ إلي وسائل الإعلام لتغذية الشعب بحقائق مغلوطة، جاهزة ومكررة، لمنع الناس من التفكير.

يقول الرئيس بيجوفيتش: ((لقد أثبت علم نفس الجماهير، كما أكدت الخبرة، أنه من الممكن التأثير على الناس من خلال التكرار الملح لاقناعهم بخرافات لا علاقة لها بالواقع)).

ويقول في موضع آخر مستشهدا بمثال حدث بالفعل من قبل: ((كانت الروايات الأدبية في الاتحاد السوفيتي هي وسيلة للتأثير السياسي اليومي على الجماهير)).

إذن فالمقصود هنا هو استخدام الأفلام كوسيلة لتمرير أفكار معينة بصورة مستمرة ومتتالية، حتى تصل لدرجة الاعتياد، مع محاولة إسكات كل المهاجمين لتلك الأفكار، وتقليل حدة هذا الهجوم شيئا فشيئا بدعوى الحرية أو غيرها من الدعاوى.

كان الرئيس البوسني الراحل على عزت بيجوفيتش مقاتلا صلدا وسياسيا كبيرا، وجمع مع هذا ثقافة واسعة، وله عدة مؤلفات غاية في الأهمية والإبداع، By Helene C. Stikkel, US Department of Defense .
License: Fallen in the open (Public domain). 


ونحن الآن أيها السادة، في عصر الإنترنت ، حيث يقضي الإنسان معظم أوقاته متلقيا لما يعرض عليه، فأفلام مثل "أصحاب ولا أعز" ، تتزايد خطورتها لأنها تصبح هي واحدة من أهم وسائل تشكيل الأفكار ، خصوصا مع تكرار نفس المواضيع، سواء في هذا الفيلم أو غيره.

يتضائل الوقت الذي يمضيه البشر الآن في قراءة كتاب، أو حضور ندوة ثقافية، أو اداء العبادات الدينية، وهكذا تحل هذه الأفكار بتكرارها المستميت، محل القيم والتقاليد وأحكام الدين والشريعة.

بمثل هذه الأفكار التي غزت مجتمعاتنا، هجر الرجل والمرأة الأسرة، أصل الجماعة البشرية، ومنبع المودة والرحمة، فتزايدت حالات الطلاق، وازدادت أعداد النساء العاملات مقارنة بالرجال المتخلين عن مسؤوليتهم، وارتفعت نسب الأطفال غير الشرعيين الذين لا يعرفون أبائهم أو أمهاتهم، وهذه النتيجة الأخيرة مثلا نتيجة متوقعة تماما لما عرض في فيلم (أصحاب ولا أعز) وتلك الفتاة التي يبيح لها أهلها الدخول في علاقات جنسية.

إننا أيضا شاهدنا وعايشنا ارتفاع معدلات البلطجة والعنف في مجتمعاتنا، خصوصا في أوساط الشباب، تزامنا مع ظاهرة الأفلام التي امتلئت لسنوات بمشاهد العنف والمشاجرات والأسلحة والبلطجة. 

الفنان السعودي ناصر القصبي في تعليقه على فيلم أصحاب ولا أعز، لفت الأنظار لتلك النقطة بالتحديد بقوله عبر حسابه الرسمي على موقع تويتر: ((نتفليكس فاسدة ومفسدة في تبنيها للمثلية.. والتنازلات تبدأ بخطوة والمواقف المايعة سترينا أفلامنا العربية والخليجية بالأربعينات والخمسينات من هذا القرن وهي تطفح بهذا الخلل الأخلاقي المشين وستتصالح معه أجيالنا القادمة كحق أنساني مشروع لذا وجب التحصين فطرتنا البشرية مهددة)). 

القصبي تحدث أيضا عن جانب تبني هذه النوعية من الأفلام بهدف تحقيق أكبر عائد مادي ممكن بإثارة مواضيع ستجذب الكثير من الاهتمام والجدل، أو بعبارة أخرى أن الأمر هو بحث عن مال مهما كانت الوسيلة وليس فنا أو رسالة أو أيا من هذه الكلمات الرنانة. 


مشاكل في المجتمع:


مما يقال أن هذه النوعية من الأفلام ، ترصد ظواهر موجودة بالفعل في المجتمع، وهذا ورد حتى في بيان نقابة المهن التمثيلية المصرية في ردها على الانتقادات الواسعة ضد فيلم (أصحاب ولا أعز).

قالت النقابة: ((النقابة وهي تحرص على القيم الأصيلة للمجتمع المصري تؤكد على أن دور الفنون والقوى الناعمة أن تعالج القضايا الشائكة وأن تدق ناقوس الخطر على ظواهر كثيرة قد تتسرب لمجتمعنا، ويجب أن يتصدي لها فنانو مصر ومبدعوها بأعمالهم والتي تكشف كثيرا منها ، وتعطي رسالة لتنبيه الجميع، وهذا هو دور الفن في عمومه ودور فنون التمثيل خصوصا)).

المتأمل في هذا الجزء من البيان سيكتشف كما رهيبا من المغالطات فيه، فعندما يتحدث عن (دور الفنون والقوى الناعمة أن تعالج القضايا الشائكة).. فالفيلم لم يعالج تلك القضايا بحرص على القيم الأصيلة للمجتمع المصري كما نص البيان، بل لم يقدم أي معالجة من أي نوع من الأساس.

ونسأل نقابة المهن التمثيلية المصرية، هل من القيم الأصيلة للمجتمع المصري أن يسمح الاب لابنته طالما قد أكملت ١٨ عاما أن تدخل في علاقة جنسية مع زميل لها؟.. أليس في هذه الفكرة فقط والتي طرحها الفيلم بصورة أن ذلك من حق الفتاة فقط أن تقرره، ما يكفي لهدم الكثير من القيم إذا ما تم طرحه باعتباره شئ طبيعي أو مقبول؟.

للمجتمع المصري إرث وعادات وتقاليد ودين، لم يراعي فيلم أصحاب ولا أعز أيا منها، صورة للجامع الأزهر الشريف، أهم وأقدم مؤسسة تعليمية في العالم الإسلامي، The U.S. National Archives، No known copyright restrictions. 


هل من القيم الأصيلة للمجتمع المصري أو العربي عموما أن يتم التسامح مع الزنا؟.. أليس هذا اسمه؟.. منذ متي لم نسمع هذا الوصف الشرعي الصحيح لهذا الفعل في الأعمال الدرامية أو السينمائية التي تقدمونها، أو حتى عبر وسائل الإعلام التي تطنطن طوال الوقت عن حرصها على قيم المجتمع.

كما احتوى البيان كذلك على مغالطات فيما يتعلق بتصدي فنانو مصر لتلك الظواهر التي تتسرب لمجتمعنا، وعلى ما يبدو فإن مجلس النقابة لم يشاهد الفيلم، أو يتحدث عن فيلم آخر وليس "أصحاب ولا أعز".


((إن كل المنازل بها قمامة، ولكنها تجمع لتلقي في الصناديق المخصصة لذلك، ولا نقوم بإلقائها في أنحاء المنزل ثم نطلب من أطفالنا أكلها حتى نقول لهم أرأيتم أنها سيئة، فلا تأكلوا منها مجددا)).
الداعية المصري أمير منير ناقدا فيلم أصحاب ولا أعز.


الفيلم لم ينقد تلك الظواهر، لم ينقد التحرر الجنسي والزنا، بل وكأنه يضع حد أنه طالما بالتراضي وبين اثنين بلغا الثامنة عشر من عمريهما، فهو حرية شخصية، وأن الام عندما تعثر على "واقي ذكري" في حقيبة ابنتها فعليها أن تصمت "لأن ابنتها بلغت الثامنة عشر".

كذلك بدا الأمر في وجود عشاق (أو حتى أصدقاء رجال يتحدثون عن مشاكلهم الجنسية) مع سيدات متزوجات.

بل والأدهي ما ظهر وكأن تلك السيدات المتزوجات في فيلم (أصحاب ولا أعز) يدافعن عن حق لهن أمام أزواجهن في أن يكون لهم أصدقاء رجال لا حياء بينهم ولا حدود، وهذا بالتأكيد يا مجلس نقابة المهن التمثيلية، ليس من قيم المجتمعات العربية ولا من تعاليم الإسلام ولا المسيحية.

نحن جميعا نعلم أن التدخين متواجد وبكثرة في كل دول العالم تقريبا، فلماذا لا يسمح لشركات إنتاج السجائر على سبيل المثال بعمل دعايا وإعلانات؟.. لماذا تم حظرها؟.

الإجابة واضحة، بسبب تأثير هذه الإعلانات على المستهلك، وتشجيعه على التدخين، وخصوصا في أوساط الشباب.

هذه أمور معروفة في عالم الإعلام والدعايا وعلم الاجتماع السياسي، لكن المطلوب أن يتم دفنها وعدم الحديث عنها، حتى تستطيع أفلام مثل (أصحاب ولا أعز) أن تنتشر، وتنشر معها الكلمات الخارجة والاباحية، وأن يكون هناك ٨ أشخاص لا يوجد منهم أحد إلا زاني أو زانية أو شاذ، فهل مجتمعنا المصري ومجتمعاتنا العربية قد أصبحت نسبة الخيانة فيها ١٠٠٪.


الهجوم الفكري:


هذه الأفكار كلها (بتكرارها كما نري دوما) سواء في فيلم أصحاب ولا أعز، أو غيره، هي بمنتهي الوضوح لمن يحاول فهم وإدراك ما يدور حوله، هي حالة من الهجوم الفكري الواسع النطاق، بهدف أساسي، ضرب ثوابت وأساسيات هذا المجتمع.

تعد شبكة نتفليكس NETFLIX من أكثر المنصات الإثارة للجدل بسبب نوعية الأفلام التي تنتجها وتذيعها، netflix،(CC ،BY-SA 4.0) via Wikimedia commons


إن أي مجتمع لا يمكن أبدا أن يخلو من الأخطاء، الذنوب و الاثام والشرور، لا يوجد مجتمع الفضيلة الكاملة هذا، ولن يكون موجودا، لكن الخطأ الأساسي، هو تحويل الاخطاء إلي "أشياء طبيعية" وهي الخطوة السابقة على عرضها باعتبارها أشياء جميلة ويتم الدعوة لممارستها.

لقد تطبعنا مثلا مع فكرة أن التعليم الأجنبي، هو التعليم الأفضل، وحتى إن سلمنا بهذا ولم نناقشه، فقد خرج لنا جيل يتحدث الانجليزية بطلاقة، لكنه لا يستطيع أن يقرأ صفحة واحدة من القرآن الكريم بدون أن يتلعثم أو يخطئ، هذا إن قرأ أصلا.

كما ٱن فكرة مثل (الشذوذ الجنسي) أبرز مثال على ذلك، لقد ظلت أوروبا تحتقرها طويلا، وتصدت لها الكنيسة بقسوة، لكن ماذا حدث في النهاية؟.. لقد أصبحت اليوم فكرة مرحب بها، في الإعلام وفي السينما، بل وحتى في التشريعات القانونية.

هذا نتيجة لتكرار عرضها، في البداية كشئ مرفوض، ثم كشئ يمكن تقبله على مضض، ثم كشئ ينبغي فهمه والتعايش معه وتقبله، وهكذا تغيرت الموازين، وانقلبت الأحكام.. قد تطول المدة اللازمة لتحقيق ذلك، لكن طالما ظل العمل قائما عليها، فسيتم تحقيقها.

وهذا ما يتكرر حاليا في المجتمعات العربية، فبدلا من الأفلام الغربية، والتي قد لا تحدث نفس الأثر، بسبب إختلاف اللغة، وهو ما يجعلها لا تصل للمتحدثين بالعربية جميعا، وكذلك بسبب ما قد يراه البعض من أن الأفلام الأجنبية تمثل تلك المجتمعات.

لذا يتم الدفع حاليا بأفلام عربية بممثلين عرب على غرار (أصحاب ولا أعز) ، ليري المشاهد نجوم يعرفهم جيدا، ويتحدثون لغته، فتصبح درجة تأثره بما يري أعلى كثيرا مما لو شاهد نفس الشيء في فيلم أجنبي.


الحق في الدفاع عن منظومة القيم:


يشير السيد (رشاد رجب) وهو مستشار معالجة البيانات في منظمة يونيسف التابعة للأمم المتحدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تعقيبه على فيلم أصحاب ولا أعز، إلي نقطة في غاية الأهمية وهي الحق في الدفاع عن منظومة القيم.

لقد أشار إلي أنه لم يشاهد الفيلم كاملا، لذا فلقد اختار أن لا يعلق على الفيلم، لا هجوما ولا دفاعا، ولكنه اختار الدفاع عن المجتمع ضد ما وصفه بالاتهام القاسي جدا الموجه له بأنه (مجتمع منافق).

ويضيف أن هناك أحاديث عن أن مشكلة المجتمع مع فيلم أصحاب ولا أعز، هو أنه يكشف عوراته، وتدينه الزائف.

لكنه يدافع بكثير من الموضوعية والمنطق بقوله أن المجتمع له منظومة قيم ومعايير أخلاقية، ولأننا بنو آدم، ولأن كل بني أدم خطاء، فأننا لا نلتزم حرفيا بهذه المنظومة وبهذه المعايير، ونخرج عنها أحيانا.

ويضيف مستشار معالجة البيانات، أنه يتفاوت قدر الخروج من واحد منا لأخر، وكل هذا طبيعي.

ويخلص لنتيجة هامة للغاية مفادها ان الخروج عن معايير الاخلاق ومنظومتها، لا يترتب عليه سقوط حق أفراد المجتمع ((حتي المذنبين منهم)) في الدفاع عن منظومتنا القيمية، و معاييرنا الأخلاقية.

لذا فإن الخلاصة النهائية أنه إذا كان من حق الفن، بل من واجبه كشف العورات ومواجهتنا بها شرط أن يكون ذلك في اطار الدفاع عن قيم المجتمع ومعتقداته، وترسيخها، أما لو كان العمل الفني يؤدي لتدمير قيم المجتمع، فمن حق الجميع رفض العمل حتي من هؤلاء الذين لا يلتزمون بها.

وهكذا، في النهاية، فإن من حق المجتمع الدفاع عن نفسه، أن يحمي قيمه وعاداته وتقاليده وتراثه، لا أن يسمح لهذه الأفلام بالتأثير على شبابه، ولو كان بمجرد تقليد الكلام البذئ والفاحش الذي تكرر عشرات المرات في فيلم (أصحاب ولا أعز).. فلو كان هذا الأثر السلبي الوحيد، فمن حق المجتمع أن يرفض تحويل شبابه وبناته إلي فاحشي اللسان.

ونختم بأن فيلم أصحاب ولا أعز.. لم يقدم حلا واحدا لأي مشكلة من المشكلات التي عرضها، ما ينفي عنه أي هدف أو رسالة إيجابية مما قيل دفاعا عنه. 


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -