زدني معرفة

أحكام نفقة المتعة في قانون الأحوال الشخصية المصري.. شروطها وحالات سقوطها

في بداية أي حديث عن (نفقة المتعة) وهي واحدة من المستحقات المالية التي تستحقها المرأة المطلقة، ينبغي إزالة لبس هام يتعلق بمعني ومفهوم نفقة المتعة ذاتها ارتبط بها في أذهان عموم الناس من غير القانونيين.

محكمة الأسرة هي المختصة بتحديد قيمة المتعة المستحقة للمطلقة، أو عن طريق الاتفاق الودي بين الطرفين


إذ تظن شريحة كبيرة من المجتمع أن نفقة المتعة تكون مقابل للمتعة الجسدية التي حدثت للزوج في العلاقة الزوجية طوال فترة الزواج، وهذا المعني خاطئ تماما، كما أنه يحول المرأة إلى سلعة يتم دفع مقابل الانتفاع أو الاستمتاع بها.


نفقة المتعة في الشرع:


تستمد نفقة المتعة أساسها من الشريعة الإسلامية، إذ يقول عز وجل: ((وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)) {من الاية 236 من سورة البقرة}.

وكذلك قوله عز وجل: ((وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)) {الآية 241 من سورة البقرة}.

فكانت هاتين الآيتين الكريمتين هما الأساس لاستحقاق المرأة المطلقة للمتعة.


نفقة المتعة في القانون المصري:


أقر القانون المصري نفقة المتعة مستمدا إياها من أحكام الشريعة الإسلامية، فنص عليها في المادة ١٨ مكرر من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ المعدل بالقانون ١٠٠ لسنة ١٩٨٥.

تنص تلك المادة على: ((الزوجة المدخول بها في زواج صحيح إذا طلقها زوجها دون رضاها ولا بسبب من قبلها، تستحق فوق نفقة عدتها، متعة تقدر بسنتين على الأقل، وبمراعاة حال المطلق يسرا أو عسرا ومدة الزوجية، ويجوز أن يرخص للمطلق في سداد هذه المتعة على أقساط)).

يتضح من قراءة هذا النص العديد من النقاط الهامة والتي يمكن أن نسميها (شروط نفقة المتعة في القانون المصري).

كما أن هذا النص جعل أهل القانون يخرجون المتعة عن كونها "نفقة" ليعتبرونها "تعويض".. ولكننا سنظل نستخدم تعبير "النفقة" هنا تسهيلا على القارئ من غير القانونيين، وإن كان التوصيف القانوني الصحيح لها أنها تخرج عن كونها نفقة وتعتبر استحقاقا ماليا.

ونفهم من كل ما سبق أن تقرير مبلغ المتعة للمطلقة أساسه جبر خاطرها، ومواساتها وتقديم المعونة لها بعدما طلقها زوجها دونما سبب تستحق عليه الطلاق، أو بعبارة أخرى فإن نفقة المتعة هي شهادة بأن الطلاق قد تم من غير عيب يتعلق بالزوجة، وليست كما يظن الكثيرون أنها مقابل المتعة في العلاقة الزوجية.


شروط نفقة المتعة في القانون المصري:


باستقراء نص المادة ١٨ مكرر من قانون الأحوال الشخصية المصري نجدها قد وضعت شروط للحكم باستحقاق الزوجة المطلقة بنفقة المتعة، وهي:

  • أن تكون الزوجة مدخول بها، بمعني أن الزوجة التي يتم طلاقها عقب عقد القران (كتب الكتاب كما يسمي في مصر) ، أي أن يطلقها زوجها قبل دخوله به، في هذه الحالة لا تستحق الزوجة نفقة المتعة.
  • أن يكون الزواج صحيح، فإذا كان الزواج وهو الأصل باطلا أو فاسدا، فلا ينتج عنه حق الزوجة في طلب نفقة المتعة، وهو الفرع، فإذا فسد الاصل فسد الفرع.
  • أن يكون الطلاق من الزوج دون رضي الزوجة، ودون سبب.. وهذا الشرط بالتحديد هو مربط الفرس في نفقة المتعة التي تعد تعويضا عن الأذى النفسي الذي يصيب الزوجة نتيجة لقرار زوجها أن يطلقها بدون سبب شرعي.

تعتبر دعوى الخلع المرفوعة من الزوجة سببا في سقوط حقها في طلب المتعة. 


بالتالي، وبمفهوم المخالفة، فإن الزوجة إذا طلبت هي أن يحكم لها بالخلع، لا يحق لها المطالبة بمبلغ المتعة، كما لا تستحق المتعة في حالة أنها طلقت نفسها إذا كان عقد الزواج يسمح بذلك (بيدها العصمة كما يقال).

وإن كانت محكمة النقض المصرية قد ذهبت إلى أن رفع الزوجة لدعوى تطلب فيها من القاضي الحكم بتطليقها للضرر أو لأي سبب آخر، ففي هذه الحالات يجوز لها المطالبة بنفقة المتعة، وذلك على اعتبار ان الطلاق من القاضي يعد هو ذاته الطلاق من الزوج، وان طلب الزوجة للطلاق لا يعني انها راضية عنه، بل يعني أن الزوج قد دفعها لطلب الطلاق نتيجة للاضرار اللاحقة بها من استمرار الزوجية والتي أصبحت لا تطيقها ولا تتحملها.

وقد أخذت محكمة النقض المصرية في هذا الرأي بالمذهب الحنفي الذي جعل طلاق القاضي مساويا لطلاق الزوج (الطعن رقم ١١٧ لسنة ٥٩ القضائية أحوال شخصية، جلسة ٢٤ مارس سنة ١٩٩٢).

كما لا تستحق الزوجة نفقة متعة اذا كان هناك سبب دعا الزوج لطلاقها، والأسباب هنا كثيرة ومنها: (امتناع الزوجة عن طاعة الزوج).

وبجانب هذه الشروط ينبغي هنا إيضاح أن المتعة لا تستحق إلا للمطلقة طلاق بائن، أما الزوجة التي طلقت طلاق رجعي فلا تستحق طوال مدة عدتها نفقة المتعة وذلك لاحتمال رجوع الزوج عن الطلاق وردها إلى عصمته مجددا، فإن لم يفعل، وانتهت مدة العدة، أصبح الطلاق بائنا، ويحق للمطلقة في هذه الحالة المطالبة بالمتعة.


سداد نفقة المتعة:


ذات المادة (١٨ مكرر) أوضحت أن القاضي عليه وهو يحكم بقيمة نفقة المتعة أن ينظر في مدى يسار الزوج أو إعساره المالي.

وهذا امر طبيعي، إذ تحسب قيمة نفقة المتعة على أساس ان تكون مساوية لسنتين (على الأقل) من نفقة الزوجة لو كانت لا تزال على ذمة زوجها، أو كان هناك حكم سابق بتقدير تلك النفقة.

فإن رأي القاضي أن نفقة الزوجة الشهرية كانت ستساوي على سبيل المثال (١٠٠٠ جنيه) ففي هذه الحالة تكون قيمة نفقة المتعة ٢٤ ألف جنيه على الاقل، وإذا ما كانت تساوي على سبيل المثال (٥٠٠ جنيه) ففي هذه الحالة تكون قيمة نفقة المتعة ١٢ الف جنيه على الأقل، وفي بعض الأحوال يكون الزوج ثريا او ميسور فيقدر القاضي مثلا أن النفقة الشهرية على سبيل المثال (٥٠٠٠ جنيه) فتكون قيمة نفقة المتعة ٢٤٠ ألف جنيه على الأقل، وهكذا.

ويثور هنا سؤال حول حالة أن تكون هناك قضية نفقة لم يصدر فيها حكم، أو حتى صدر من محكمة أول درجة، ولا تزال محكمة الإستئناف تنظر استئناف أحد الطرفين أو كليهما عليه... فكيف يحتسب القاضي قيمة المتعة؟.

في هذه الحالة ستقوم المحكمة بوقف دعوى المتعة وقفا تعليقيا إلى حين صدور حكم في دعوى النفقة، وذلك لأن الحكم بتقدير قيمة المتعة يتوقف على تقدير مبلغ النفقة في الأصل.

وفي غالب الأحيان وبصورة تكاد تكون موحدة دائما، جرى سير العمل في المحاكم المصرية على أن القضاة يقدرون مبلغ المتعة على أساس سنتين وهو الحد الادني المقرر في القانون، ويعد امرا نادرا للغاية ان يقوم القاضي بزيادة مبلغ المتعة عن هذه المدة، إلا أنه قد يحدث إذ رأي القاضي أن الزوج ثريا، وأن الزواج طوال به الأمد (٢٠ أو ٣٠ سنة أو أمثر) وأن الزوجة كانت وفية ومخلصة لزوجها ولم ترد أن يطلقها، ثم طلقها هو ظلما وعدوانا.

بعد زواج استمر ٤٢ عاما، طلق الزوج شريكة حياته وذهب ليتزوج ابنة الأربعة وعشرين عاما، كان ذلك موضوع أحد دعاوى طلب استحقاق المتعة في الفترة الأخيرة، Hippo px. 


من الأمثلة البارزة على ذلك، الحكم الصادر في أغسطس عام ٢٠٢١ من محكمة الأسرة بأكتوبر، بإلزام مطلق بدفع مبلغ ٧٨٠ ألف جنيه لطليقته بعد سوء معاشرته لها وتكرار اعتداءه عليها بالضرب المبرح، ثم تركها معلقة لمدة عام ونصف بدون الإنفاق عليها، ثم طلاقها غيابيا وزواجه من فتاة في الرابعة والعشرين من عمرها، بعدما ظلت حياتهما الزوجية مستمرة لمدة ٤٢ عاما.

كما تجدر الإشارة هنا إلي ان مدة السنتين لتقدير مبلغ المتعة يتم احتسابها حتى ولو كان الزواج قد استمر لمدة تقل عن سنتين، بل يتم احتسابها ولو استمر الزواج ليوم واحد فقط.

ويجوز أن يطلب الزوج ان يسدد قيمة نفقة المتعة بشكل اقساط إذا كان سيعجز أو يشق عليه سدادها دفعة واحدة، وذلك بناء على طلب يقدمه الزوج المطلق للمحكمة.

هذا وتعد نفقة المتعة من النفقات التي لا تسقط إلا بإبراء الزوجة لزوجها أو تنازلها عنها، ويجوز أن يتم الإبراء في وثيقة الطلاق (طلاق على الإبراء) أو أن يتم في محرر مستقل توقع عليه الزوجة.

لذا فلا يوجد قيد زمني مفروض يجب أن ترفع دعوى المتعة خلاله، إذ انها وبالتوصيف القانوني الصحيح لا تعد من النفقات، ويترتب على عدم اعتبارها من ضمن النفقات أنه لا يجوز حبس الرجل في حالة عدم السداد.

وبالطبع لا يفوتنا هنا الإشارة لإمكانية الاتفاق الودي بين المطلق وطليقته على قيمة نفقة المتعة وطريقة سدادها، وذلك ضمن اتفاق مكتوب يقومان بصياغته في صورة عقد ينظم كافة حقوق الطرفين بعد الطلاق، مثل النفقات للمرأة وحق الرؤية والاستضافة للرجل، ويمكن توثيقه في مصلحة الشهر العقاري والتوثيق، وذلك بعيدا عن الخلافات في المحاكم، وذلك إعمالا لقوله عز وجل في نهاية الآية ٢٣٧ من سورة البقرة والتي نزلت أصلا كوصية للمطلقين، يقول تعالى: ((وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)).

هذا ويمكنكم من خلال هذا الرابط التعرف على عناوين والأرقام الهاتفية الخاصة بوحدة (لم الشمل) التابعة للأزهر الشريف والمتخصثة في علاج المشكلات الأسرية بين الأزواج، ومشاكل منازعات الميراث. 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -