زدني معرفة

لحماية كرامة الملكة إليزابيث الثانية.. الحكومة البريطانية تخفي يوميات اللورد مونتباتن

نشرت صحيفة (ديلي تلغراف) البريطانية تقريرا حمل اتهامات للحكومة البريطانية بإهدار ٣٠٠ ألف جنيه إسترليني فيما وصفته "القتال" لإبعاد المجلات التي تهتم بالاثارة بعيدة عن سر تحتويه مذكرات شخصية بريطانية هامة، في حين كان أحد المؤرخين الكبار يسعي لكشف ماذا يحدث بالضبط.

الملكة إليزابيث الثانية تسير بجوار اللورد لويس مونتباتن ابن عمها وخال زوجها، والأب الروحي لأبنها ولي العهد، Express, pinterest. 


يتعلق الأمر الذي أرادت الحكومة البريطانية إبعاد الأنظار عنه بشخصية بارزة في العائلة المالكة في المملكة المتحدة، إنه اللورد لويس مونتباتن، ابن عم الملكة إليزابيث الثانية، والمشرف الشخصي على تربية ونشأة أبن الملكة، ولي العهد البريطاني وأمير ويلز (تشارلز).. إنه أيضا شخصية بريطانية مرموقة، إذ عمل كآخر حاكم بريطاني على الهند قبل إنسحاب بريطانيا عنها، وقد قُتل في انفجار قنبلة زرعها الجيش الجمهوري الإيرلندي في قاربه في أيرلندا الشمالية في آب / أغسطس ١٩٧٩.


السر الأخير:


صحيفة التلغراف البريطانية الشهيرة أوضحت أن الأمر يتعلق باليوميات الشخصية التي كتبها اللورد لويس مونتباتن، والتي تغطي حياته بشكل كامل تقريبا.


وبرغم من كون الرجل قد مات قتيلا منذ أكثر من ٤٠ عاما، فإن مذكراته التي كتبها منذ كان يعمل كضابط في الجيش البريطاني في الأربعينيات في دولة بورما، تعتبرها الحكومة البريطانية ((مثيرة للغاية)) لدرجة أنها على استعداد للذهاب إلى أبعد الحدود، لإبقائها في خزانة مغلقة بقفل مفاتيحه في المبني رقم ١٠ في شارع دونينغ بالعاصمة البريطانية لندن، حيث مقر مجلس الوزراء.


مجلس الوزراء البريطاني يحاول بشدة إقناع مكتب (مفوض المعلومات البريطاني) -وهي جهة عامة تنفيذية، مسؤولة في بريطانيا عن دعم الحق في نشر المعلومات للصالح العام-، بأن يتم عمل تقييم لما يحق للجمهور معرفته من تلك اليوميات، ويري مجلس الوزراء أن أفكار اللورد مونتباتن يجب أن تظل خاضعة للرقابة ولا يتم السماح بنشرها من أجل المصلحة الوطنية البريطانية.


كرامة الملكة إليزابيث:


ما يخشاه مجلس الوزراء البريطاني أن تتعرض "كرامة" الملكة إليزابيث الثانية للتضرر والخطر بسبب نشر يوميات اللورد لويس مونتباتن.


فاللورد لويس مونتباتن، ايقونة بريطانية حقيقية، قائد بحري بارع في البحرية الملكية البريطانية، والقائد الأعلى لقوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية في منطقة جنوب شرق آسيا، وحاكم الهند الأخير ونائب ملك بريطانيا المشرف علي تقسيمها عام ١٩٤٧، هو أيضا ابن عم الملكة إليزابيث الثانية ، وخال زوجها الراحل (الأمير فيليب دوق إدنبرة)، وكان المعلم الذي أثر بشكل كبير في شخصية ابنهما ولي العهد الأمير تشارلز، حتى أن الأخير يعتبره أبوه الروحي... لذا فمن المتوقع أن تحتوي يومياته على أشياء من أدق أسرار العائلة المالكة في المملكة المتحدة، بخلاف تشويه رجل يعتبره البريطانيين رمزا لأمتهم.


وعلى ما يبدو فإن هذه المخاوف التي يشعر بها مجلس الوزراء، تشاركه فيها الأسرة المالكة، التي أرسلت ممثلاً خاصا عنها "لتقييم" اليوميات بعد أن طلب أحد المؤرخين الوصول إليها باستخدام قوانين حرية المعلومات.


يعتقد المسؤولون أيضًا أن مذكرات ورسائل اللورد مونتباتن وزوجته (لقبها الرسمي الكونتيسة مونتباتن الأولى من بورما) لن تمس كرامة الملكة فحسب.


إذ ترددت شائعات عن أن السيدة التي تنتمي للطبقة الارستقراطية البريطانية ، ومتزوجة من أحد أعضاء الأسرة المالكة، كانت على علاقة غرامية مع (جواهر لال نهرو) رئيس الوزراء التاريخي للهند، الرجل الذي يحظي بشعبية تشبه شعبية المقدسين في الهند، والذي إن مسته تلك المعلومات بأذي، سيكون أمرا كفيلا بتسوية علاقات بريطانيا مع كل من الهند وباكستان بالأرض.


المؤرخ العنيد:


بينما لم تدخر الحكومة البريطانية حتى المال من أجل الحفاظ على سرية المذكرات، إذ يقدر ما أنفقته حتى الآن في تلك القضية بنحو ٣٠٠ ألف جنيه إسترليني ، فعلي الجهة المقابلة يحارب المؤلف والمؤرخ أندي لوني من أجل الظفر بتلك المذكرات.


على مدى السنوات الأربع الماضية، كافح لوني من أجل الوصول غير المقيد إلى أرشيف مذكرات لويس مونتباتن، والذي اشترته جامعة ساوثهامبتون في عام ٢٠١٠ باستخدام ٢،٨ مليون جنيه إسترليني من المال العام.


المهاتما غندي الزعيم القومي الهندي في حوار يبدو وديا للغاية مع اللورد مونتباتن وزوجته، By Unknown .
License: Fallen in the open (Public domain)


في العام ٢٠١٩، وجد (مفوض المعلومات البريطاني) أن يأمر بالإفراج عن أرشيف المذكرات بأكمله لصالح المؤرخ أندي لوني.


مع ذلك، استأنف مجلس الوزراء البريطاني ذلك القرار، واستمر في منع الوصول إلى فقرات وأجزاء معينة في اليوميات، بعضها يعود تاريخ كتابته إلى الثلاثينيات.


هذا ومن المقرر أن تبدأ جلسة الاستئناف في الأسبوع المقبل.


جزء من الطلبات التي سيتم تقديمها قبل جلسة الاستئناف التي سيستمع فيها مفوض المعلومات البريطاني، ستتعلق بدور تطلبه العائلة المالكة في فحص اليوميات بنفسها.


على ما يبدو، هناك نوع من القلق الشديد مما تحتويه تلك اليوميات من معلومات، قلق سبق حتى تحركات العائلة المالكة ومجلس الوزراء في بريطانيا لوقف كشف السرية عنها، بل وربما كان هو السبب الذي نبه الحكومات البريطانية المتعاقبة لخطورة تلك اليوميات.


ففي عام ٢٠١١، كتبت رسالة موقعة من البروفيسور كريس وولغار، وهو كبير أمناء أرشيف برودلاندز (يقصد به أرشيف اللورد لويس مونتباتن، وسمي بهذا الاسم تيمنا باسم منزل اللورد مونتباتن الواقع بالقرب من بلدة رومسي في منطقة تيست فالي في هامبشاير. والذي تحيط به الحدائق الرسمية والمناظر الطبيعية التاريخية المدرجة في الدرجة الثانية في سجل الحدائق والمتنزهات التاريخية البريطانية، أما المنزل نفسه فمدرج في الدرجة الأولى في ذلك السجل).


البروفيسور كريس وولغار، أرسل رسالته في ذلك الوقت إلى مجلس الوزراء مقترحًا فرض رقابة على أجزاء معينة من اليوميات التي تشير إلى العائلة المالكة، وتقسيم الهند (انقسمت مستعمرة الهند البريطانية إلي الهند وباكستان)، والأمور التي حدثت عندما كان اللورد مونتباتن نائب الملك البريطاني في تلك البلاد.


قال بروفيسور وولغار في رسالته: ((لا أعتقد أن هذه اليوميات يجب أن تتاح للباحثين، وذلك نظرا لما تحتويه من العديد من الأشياء التي يمكنني رصدها تتعلق بالعائلة المالكة منذ منتصف الثلاثينات)). 


مكتب مجلس الوزراء البريطاني رد حينها علي رسالة البروفيسور كريس وولغار برسالة جاء فيها: ((نعتقد حقًا أننا يجب أن نبقي هذه اليوميات مغلقة، بالنظر إلى ما تحتويه من المسائل الملكية التي رصدتها بالفعل ... كما أن بعض المواد المتعلقة بالهند وباكستان في تلك الفترة لا تزال حساسة حتى يومنا هذا)).


نتج عن تلك الرسائل المتبادلة، حظرا استمر لأكثر من عشر سنوات حتى يومنا هذا، منع كشف الأجزاء الحساسة من تلك اليوميات.


تطورات متلاحقة:


في العام ٢٠١٧، طلب المؤرخ أندي لوني، وهو زميل الجمعية التاريخية الملكية البريطانية، بأن يسمح له بالوصول الكامل إلي المواد الخاصة بالسيرة الذاتية الخاصة باللورد لويس مونتباتن.


اللورد مونتباتن بزيه البحري، Allan warren، GNU Free Documentation License، via Wikimedia commons. 


لم يسمح للسيد أندي إلا للوصول لجزء من تلك المذكرات، واستغرق الأمر منه عامين ليصدر كتابه الذي حمل عنوان The Mountbattens: The Lives and Loves of Dickie and Edwina Mountbatten ((آل مونتباتن.. حياتهم وأحبائهم)).


خلال تلك الفترة، وصل إخطار إلي جامعة ساوثهامبتون في ٢٤ يناير ٢٠١٨،  في صورة بريد إلكتروني أرسله مكتب مجلس الوزراء يطلب إخبار البروفيسور كريس وولغار، كبير أمناء أرشيف برودلاندز أن "ممثلين من وزارة الخارجية والأسرة المالكة" سيجرون "تقييمًا" للمواد التي ستعرض أمام المؤرخ لوني، وهو ما فعلوه في مارس من ذلك العام.


كما تم إعلام لسيد لوني بناء على ذلك أنه قد تم حجب بعض المواد ، مما أدى إلى استمرار الخلاف بين الطرفين أمام مفوض المعلومات البريطاني.


المؤرخ البريطاني أندي لوني وصف الموقف بأنه هدر كامل للمال العام البريطاني، ورقابة علي التاريخ البريطاني. مضيفا أنه يتفهم أن هناك أسباب وجيهة لحماية الأمن القومي وكرامة الملكة ولكن لا توجد أمثلة جيدة على ذلك في أي من المواد التي نعرف أنها تقع تحت التنقيح أو الحجب.


المؤرخ لوني يقول كذلك أنه كان قادرا علي معرفة أن الكثير من المواد الخاضعة للتنقيح أو للحجب تم نشرها في أماكن أخرى غير كتابه، ويصفها بأنها غير مؤذية لأي شخص، ويضرب مثالا علي ذلك بما ذكره اللورد لويس مونتباتن في مذكراته، أنه وخلال إحتفاله بعيد ميلاده السبعين في عام ١٩٧٠ أخبر الملكة إليزابيث أنه يريد الذهاب للنوم الساعة الثانية صباحا، لكن الملكة أخبرته بأنها حفلته لذا فإن عليه أن يظل مستيقظا.


برغم ما يقوله السيد لوني من أسباب لمطالبته بالكشف الكامل عن المذكرات، ففي ذات الوقت فإن مسألة ما إذا كانت السيدة مونتباتن على علاقة غرامية مع نهرو هي مسألة حساسة بسبب احتمال أن يكون لأي علاقة من هذا القبيل تأثير على عملية التقسيم، التي أدت إلى تشريد ١٥ مليون شخص بين البلدين، وأسفرت عن مقتل مليون شخص آخرين، وما زالت تهيمن على السياسة في المنطقة حتى اليوم بسبب الخلافات بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان.


كما أنه يمكن فهم أن أجزاء أخرى من المذكرات التي تم حجبها تتعلق بالتفضيلات الجنسية للورد مونتباتن نفسه، والتي تضمنت ولعه الشديد بأحذيه وأقدام النساء.


لكن المؤرخ لوني يعتقد أن هناك عوامل أخرى تلعب دورًا في القضية، حيث كشف البروفيسور وولغار من قبل عن خطط لكتابة كتاب يعتمد على مذكرات مونتباتنز عن الفترة من ١٩٤٧ إلى ١٩٤٨، يغطي استقلال الهند وتقسيمها ، وسيتم في هذا الكتاب استخدام المواد التي تم حجبها، وبالتالي يكون الصراع أساسا على أرباح الكتاب وليس حفاظا على السمعة.


المؤرخ البريطاني كشف أنه قد أنفق حتى الآن ٢٥٠ ألف جنيه إسترليني من أمواله الخاصة على الرسوم القانونية في الصراع من أجل التصريح له بالوصول لكامل المذكرات، بالإضافة إلى ٥٠ ألف جنيه إسترليني أخرى تم جمعها من خلال التمويل الجماعي من القراء العاديين، بما في ذلك من قراء صحيفة تلغراف.


ومن جانبه، قال روبرت إيرل، وهو المحامي الخاص بالسيد لوني أنه علي مايبدو فإن مكتب مجلس الوزراء البريطاني يضبط إعداداته على افتراض أن كل المعلومات ينبغي أن تظل سرية، وهذا ليس الهدف من وراء إقرار قانون حرية المعلومات في بريطانيا. فمجلس الوزراء يريد فرض السرية على أبسط المعلومات، وهو يفعل ذلك من أموال دافعي الضرائب، وعلى حساب الشفافية والتعلم والبحث التاريخي.


وقال متحدث باسم مكتب مجلس الوزراء: "هذه القضية معروضة الآن أمام محكمة المعلومات. لا يمكننا التعليق أكثر أثناء الإجراءات القانونية جارية".


وهكذا، فإننا أمام قضية استثنائية من نوعها، قضية قد يراها البعض تضرب الكثير مما يقال ويكتب عن حرية تداول المعلومات في دولة ليست ديمقراطية فحسب بل هي أقدم ديمقراطيات العالم، وقد يراها البعض الآخر حفاظا ليس فقط علي كرامة الملكة رمز البلاد، بل على كرامة وأسرار شخصية لأناس عظام في التاريخ البريطاني غادروا الحياة..


فالسؤال عندما تتداخل الحياة الخاصة مع التاريخ العام للبلاد بشكل كبير، فكيف يوضع خط رفيع فاصل بينهما؟. وهل هذا من الممكن أصلا.

-----------

ترجمة المعرفة للدراسات لتقرير من صحيفة ديلي تلغراف البريطانية.
أضافت المعرفة للدراسات الكثير من المعلومات والاضافات لنصه الأصلي.
التقرير الأصلي من إعداد جوردون راينر.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -