زدني معرفة

طلب التعويض عن التوقيف الاحتياطي في السعودية.. شروطه والمحكمة المختصة

قد يحدث في كثير من الأحيان أن يتم توقيف المتهم في أحد القضايا توقيفا احتياطيا من النيابة العامة السعودية، ثم تصدر المحكمة فيما بعد حكما ببراءته من التهمة التي كان يحاكم بها، أو حتى قد تحفظ الأوراق بدون إحالة القضية إلي المحكمة.

شعار وزارة العدل في المملكة العربية السعودية، صورة من الصفحة الرسمية للوزارة على مواقع التواصل الاجتماعي. 


لذا يثور السؤال هل يجوز التعويض عن التوقيف الاحتياطي في السعودية.. وذلك على اعتبار أن التوقيف (الحبس) الاحتياطي حصل لبرئ تم حرمانه من حقه في الحرية في تلك الفترة، والحق في الحرية يصنفه الكثير من الفقهاء أهم نعمة أنعم بها ﷲ على خلقه بعد نعمة الإسلام.


التوقيف الاحتياطي في السعودية:


في البداية، علينا أن نحيط خبرا بالتوقيف الاحتياطي في السعودية بشكل كامل.


فعند وقوع أي جريمة، يكون هناك شخص أو أكثر (مشتبه به/ بهم) أو (متهم / متهمين) بإرتكاب تلك الجريمة.


الدكتور مرضي بن مشوح العنزي، عضو هيئة التدريس بجامعة الجوف، يعرف التوقيف الاحتياطي في السعودية بأنه التحفظ على المتهم المقبوض عليه بإيداعه واحدة من دور التوقيف المخصصة نظاما لذلك، بأمر يصدر من (السلطة المختصة) وذلك (لمدة موقوتة)، بهدف مصلحة التحقيق أو الصالح العام.


وقد اعتمد المشرع السعودي في إقراره لنظام (التوقيف) أو الحبس الاحتياطي، على ثبوت ذلك من فعل النبي صلى ﷲ عليه وسلم، إذ حبس رجل في تهمه.


حق المتهم في المطالبة بالتعويض في حالة توقيفه احتياطيًّا دون مبرّر:


قد يحدث في بعض الأحيان أن يتجاوز المحقق في القضية صلاحياته في التوقيف الاحتياطي للمتهم، أو حتى يقوم استخدامها بشكل خاطيء.


في هذه الحالة، يقع على المتهم ضرر، وبالتالي طالما هناك ضرر، يجوز طلب التعويض عن هذا الضرر.


والحقيقة أن المشرع السعودي قد اعترف بحق من تم إيقافه بناء على خطأ من المحقق أو من غيره في الحق بطلب التعويض.


إذ نصت المادة (٢١٥) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي على: ((لكل من أصابه ضرر نتيجة اتهامه كيدا، أو نتيجة إطالة مدة سجنه، أو توقيفه أكثر من المدة المقررة، الحق في طلب التعويض أمام المحكمة المختصة، التي رفعت إليها الدعوى الأصلية)).


هذه إذن هي القاعدة، يجوز لمن إصيب بضرر من الاتهام الكيدي، أو نتيجة لطول مدة سجنه أو توقيفه أكثر من المدة المقررة، يجوز له المطالبة بالتعويض، ويكون للقاضي سلطة تقدير قيمة التعويض المناسب عن التوقيف الاحتياطي، وفقا لما يقدمه طالب التعويض من اثباتات بحجم الضرر الذي وقع عليه.


موجب التعويض عن التوقيف الاحتياطي في السعودية:

غلاف المجلد الثلاثون من دورية الحقوق والعلوم السياسية، التي تصدرها مجلة جامعة الملك سعود، عدد شوال ١٤٣٩ ه‍‍ / يوليو ٢٠١٨م. 


هناك بحث هام للغاية عن (التعويض عن التوقيف الاحتياطي في السعودية) منشور في المجلد الثلاثون من دورية الحقوق والعلوم السياسية، التي تصدرها مجلة جامعة الملك سعود، في عددها شوال ١٤٣٩ ه‍‍ / يوليو ٢٠١٨م، أعده الدكتور فواز بن خلف المطيري، وهو أستاذ القانون الجنائي في كلية الحقوق بجامعة طيبة السعودية، في المدينة المنورة.


الدكتور المطيري أشار أولا لخطورة التوقيف الاحتياطي غير المشروع، بداية من الإساءة لسمعة الشخص، مرورا بالاضرار الاقتصادية التي تطال الموقوف، والتي قد تصل لحد فقدانه لعمله الذي يكسب منه.


وقد حدد البحث عددا من حالات وصور التوقيف التي إذا وقعت، يستوجب حينها التعويض عن التوقيف الاحتياطي في السعودية، ويمكن أن نجملها فيما يلي:


أولا: أن يحدث توقيف المتهم في جريمة لا تدخل ضمن نطاق الجرائم الكبيرة، إذ أن الأصل أن يقتصر التوقيف على المتهمين في الجرائم الكبيرة، وفقا للمادة (١١٣) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي.


والجرائم الكبيرة محددة على سبيل "الحصر" في المادة (١١٢) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي، التي أعطت لوزير الداخلية اختصاص تحديد هذه النوعية من الجرائم.


وقد حدد وزير الداخلية السعودي بقراره رقم ٢٠٠٠، والصادر في ١٠ / ٦ / ١٤٣٥ه‍‍، عدد ٢٠ بند تشتمل على الجرائم الكبيرة الموجبة لتوقيف المتهمين بها.


ومن الأمثلة على هذه الجرائم (جرائم الحدود المعاقب عليها بالقتل أو القطع، جرائم القتل العمد وشبه العمد، جرائم الإرهاب وتمويله،... إلخ).


وبهذا فإن توقيف المتهم في غير هذه النوعية من الجرائم، يعتبر (غير مشروع)، ويمكنه من طلب التعويض عنه بعد ذلك.


مع هذا، فقد أوضح الدكتور فواز المطيري أن هناك عدد من الحالات التي يجوز فيها للمحقق أن يصدر أمرا بتوقيف المتهم، حتى ولو كانت الجريمة لا تعد من الجرائم الكبيرة، وهذه الحالات هي:


  • إعمالا لنص المادة (١٠٨) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي، إذا لم يكن للمتهم مكانا معروفا، أو لم يعين مكانا يقبله المحقق.
  • إعمالا لنص المادة (١١٣) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي، والمادة (٢٤ / د) من اللائحة، يوقف المتهم إذا كانت مصلحة التحقيق تقتضي ذلك، أو إذا كان يخشي من هربه أو اختفاؤه، أو كان يخشي من أن خروجه سيجعله قادرا على التأثير في سير التحقيق، أو اذا كان المحقق يريد الحيلولة بين المتهم وبين العبث بالأدلة أو التأثير على الشهود، أو حتى تهديد المجني عليه.
  • إعمالا لنص المادة (٢٤ / ه‍‍) من اللائحة التنفيذية للنظام، إذا لم يتعهد المتهم بالحضور عندما يطلب منه ذلك.


فإذا توافرت أي حالة من تلك الحالات، يجوز توقيف المتهم احتياطيا ولو كانت التهمة في جريمة تقع خارج نطاق الجرائم الكبيرة.


اللواء محمد بن على الأسمرى وعدد من كبار ضباط المديرية العامة للسجون السعودية يعرضون للنائب العام المصري المستشار حماده الصاوي عددا من الوجبات التي توزع على النزلاء في أحد سجون الرياض، خلال زيارة الأخير لها. 


ثانيا: أن يحدث توقيف المتهم دون أن تكون الأدلة كافية، ولا يقصد هنا أن تكون الأدلة كافية للحكم بإدانة المتهم، إذ أن حكم الادانة من اختصاص المحكمة لا المحقق، وإنما يكفي أن تكون الأدلة كافية لرفع الدعوى إلي المحكمة.


ثالثا: أن يتم توقيف (المشتبه به) وهذا خطأ، لأن التوقيف الاحتياطي في السعودية لا يتم إلا على المتهم فحسب.


أما من قدمت شكوى ضده، أو قام رجال الضبط القضائي ببعض الإجراءات في حقه كسماع أقواله في الشكوى، فهذا يطلق عليه (مشتبه به)، ولا يجوز توقيفه احتياطيا، إلا إذا انتقل لمرحلة أن يصبح متهما، بأن تتوافر في حقه أدلة كافية لوصفه بذلك.


رابعا: أن يصدر أمر التوقيف الاحتياطي من غير المختص، وذلك لأن أمر التوقيف يختلف المختص بإصداره، وذلك على حسب مدة التوقيف، فالمدة الأولى وهي ٥ أيام من اختصاص المحقق، بينما المدة الثالثة التي لا تزيد في مجموعها عن ١٨٠ يوم، ولا تزيد بمفردها عن ٣٠ يوم، فيختص بإصدار أمر التوقيف، السيد رئيس هيئة التحقيق والادعاء العام، أو من يفرضه من نوابه.


خامسا: أن يصدر أمر التوقيف الاحتياطي قبل إجراء استجواب للمتهم، وهذا عيب شكلي.


ولا يستثني من شرط أن يصدر أمر التوقيف الاحتياطي في السعودية بعد استجواب المتهم وإعلامه بالتهمة الموجهة إليه إعلاما كاملا، إلا حالة هروب المتهم، فيجوز هنا إصدار أمر بتوقيفه حتى قبل إجراء الاستجواب معه، وسبب ذلك أنه بهربه يعتبر قد أعطى المحقق دليلا على أنه هو المرتكب الفعلي للجريمة محل التحقيق.


سادسا: مخالفة المدة الزمنية للتحقيق، إذ أن التوقيف الاحتياطي في السعودية لابد أن يكون محدد المدة وليس مطلقا.


لذا فإن إصدار أمر توقيف دون تحديد مدته، أو استمرار توقيف المتهم بعد انتهاء تلك المدة، يعد عيبا خطيرا، ويحق للمتهم في هذه الحالة طلب التعويض عن التوقيف الاحتياطي.


سابعا: استمرارا للأسباب الشكلية، فإن صدور أمر التوقيف الاحتياطي خاليا من التسبيب، أو من البيانات المحددة في المادة (٧٩) من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية السعودي، يعد مخالفة للقانون ما يجعل من الممكن طلب التعويض عن التوقيف الاحتياطي في هذه الحالة.


ثامنا: تنفيذ أمر توقيف ملغي.


المحكمة المختصة بالحكم بالتعويض عن التوقيف الاحتياطي في السعودية:

يعد ديوان المظالم هو الجهة المختصة بالقضاء الإداري في المملكة العربية السعودية. 


إذن، فلو حدث أن تم توقيف المتهم احتياطيا بصورة تستوجب تعويضه عنه، فما هي الجهة المختصة بنظر طلب التعويض؟.


فرق الدكتور فواز بن خلف المطيري، هنا بين حالتين، تختلف المحكمة المختصة بالحكم بالتعويض عن التوقيف الاحتياطي في كل حالة منهما.


أولهما أن تنتهي القضية بحفظ الدعوى، ويري أنه في هذه الحالة يحق لمن تم توقيفه احتياطيا بشكل أوقع الضرر عليه، أن يتظلم إلي ((ديوان المظالم)) باعتباره جهة قضاء إداري، وصاحبة الولاية العامة في نظر كافة الدعاوى الإدارية، ودعاوى التعويض التي يقدمها ذوي الشأن عن قرارات أو أعمال جهة الإدارة وذلك بمقتضي المادة (١٣ / ج) من نظام ديوان المظالم، على أن يتم ذلك خلال المدة القانونية (عشر سنوات).


وهناك عدة أحكام صادرة من ديوان المظالم أعطت تعويض عن التوقيف الاحتياطي في السعودية، ومنها الحكم في القضية (١٤٠٧ / ١ / ق) والحكم في القضية رقم (١٢٦٤ / ٢ / ق).


أما الحالة الثانية لطلب التعويض عن التوقيف الاحتياطي في السعودية وفقا لرأي الدكتور المطيري، فهي حالة التظلم من أمر التوقيف في القضية المحالة إلى المحكمة المختصة.


في هذه الحالة، فإن المحكمة المختصة ستصبح المحكمة التى نظرت الدعوى بالفعل، وذلك استنادا لنص المادة (٢١٥) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي.. لكن يجب أن يتقدم الموقوف خلال المحاكمة بطلب التعويض هذا.


فإن أصدرت المحكمة حكما قطعيا في الدعوى دون أن يتقدم الموقوف بطلب التعويض، يعود الاختصاص مجددا إلي (ديوان المظالم) بحسب الأصل.


التعويض عن التوقيف الاحتياطي في الأحكام الصادرة بعدم الإدانة:


نضيف أيضا حالة ثالثة يجوز فيها التعويض عن التوقيف الاحتياطي في السعودية ، وهي حالة الحكم الصادر بعدم الإدانة بعد تقديم المتهم التماس إعادة النظر.


ونستمد هذه الحالة من بحث منشور تحت عنوان ((التوقيف الاحتياطي)) بحث علمي محكم، منشور في العدد السادس من مجلة قضاء، سلسلة الابحاث القضائية المحكمة (٢٢)، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الجمعية العلمية القضائية السعودية، أعده الدكتور مرضي بن مشوح العنزي، أستاذ الفقه بجامعة الجوف.


وورد في هذا البحث أن المعمول به في نظام الإجراءات الجنائية، في المادة السابعة بعد المائتين: "كل حكم صادر بعدم الإدانة -بناء على طلب إعادة النظر-، يجب أن يتضمن تعويضا معنويا وماديا للمحكوم عليه، لما أصابه من ضرر إذا طلب ذلك)).

 
[نظام الإجراءات الجنائية ، الباب السابع، طرق الاعتراض على الأحكام، الإستئناف والنقض وإعادة النظر، الفصل الثالث، إعادة النظر، صفحة ٥٣].


حكم شهير:


هذا، وقد صدر حكم بتعويض أحد المتهمين عن التوقيف الاحتياطي بلغت شهرته إلي أن وصل للنشر على صفحات الجرائد.


فقد نشرت صحيفة (عكاظ) السعودية واسعة الانتشار، واقعة اتهام مواطن سعودي يدعي (خلف) في الأربعين من عمره بحيازة مخدر الحشيش والاتجار به.


تم توقيف المتهم في تلك الواقعة احتياطيا لمدة ١٣٠ يوم، لكن المحكمة العليا السعودية صادقت في نهاية المطاف على حكم بتعويضه بمبلغ ٩٨ ألف ريال سعودي، بعد صدور حكم التعويض هذا من محكمة جزائية ابتدائية وتأييده من محكمة الاستئناف، ذلك بعد عدم ثبوت التهمة في حقه، فتم اعتبار أن الحكم بالتعويض عن توقيفه احتياطيا لمدة ١٣٠ يوم إجراءا شرعيا، خصوصا أنه وعند إيقافه أنكر التهمة ولم يكن عليه أي بينة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -