زدني معرفة

زكريا الزبيدي.. قط الشوارع الفلسطيني.. أيقونة الكفاح برغم إعادة القبض عليه

  استيقظ العالم في السادس من سبتمبر ٢٠٢١ ليجد أمامه خبر هروب ستة أسرى فلسطينيين علي طريقة بريزون بريك من سجن جلبوع الإسرائيلي"شديد الحراسة". 

زكريا الزبيدي، اسم في قائمة طويلة من أبطال فلسطين في سعيها المحتوم نحو يوم النصر


كان من بين أسماء الأسرى الستة اسم لرجل في السادسة والأربعين من عمره يدعي زكريا، زكريا الزبيدي.


في جامعة بيرزيت:


في برنامج الماجستير الخاص بتخصص الدراسات العربية المعاصرة، في جامعة بيرزيت الفلسطينية، وهي أهم الجامعات الفلسطينية، ورمز كفاح هذا الشعب الفلسطيني الكريم في مجال التعليم، تقدم احد الطلاب بمقترح لرسالة ماجستير.


حملت الرسالة اسم "الصياد والتنين: المطاردة في التجربة الفلسطينية من ١٩٦٨ : ٢٠١٨" أو The Hunter and the Dragon.. The chase in the Palestinian Case 1968 - 2018 باللغة الإنجليزية.


غلاف رسالة ماجستير زكريا الزبيدي والتي حملت عنوان "الصياد والتنين : المطاردة في التجربة الفلسطينية من ١٩٦٨ : ٢٠١٨"


تناولت الرسالة مطاردة الاحتلال الإسرائيلي للمطلوبين والمقاومين الفلسطينيين علي مدار نصف قرن (١٩٦٨ : ٢٠١٨)، ومثل فيها الفلسطينيين بالتنين الذي سيهزم صياده المطارد له في نهاية المطاردة.


حملت الرسالة أيضا نفس الاسم، اسم الطالب زكريا محمد عبد الرحمن زبيدي، إنه نفسه الأسير الذي حرر نفسه بنفسه، إنه في الأصل المقاوم الذي ناضل لسنوات طويلة لتحرير شعبه وأرضه، وهو النموذج الحي للمناضل المثقف، والايقونة الجديدة لشعب الجبارين في نضالهم الذي سينتهي بالنصر الموعود.


لكن الإسرائيليين لم يتركوا الزبيدي يكمل دراسته العليا، إذ اعتقلوه في أواخر فبراير / شباط عام ٢٠١٩ بتهمة "الاشتباه في تورطه في أنشطة تصفها هي بالإرهابية الخطيرة" وهي في قاموس كل منصف في العالم أنشطة تحررية شرعية.


هكذا هي فلسطين تحت الاحتلال، مطاردة في كل شيء، بداية من حقها في الاستقلال، وصولا إلي تعليم أبنائها، بل وحتى حقهم في الحياة كلها.


قط الشوارع:


هل جربت يوما ما أن تطارد قط شوارع؟.. بالتاكيد ستدهش من قدراته، علي الاختباء تارة، وعلي العدو سريعا تارة أخرى، وربما الانقضاض عليك وهو يقفز فاتحا فمه موجها إليك عضة قد تكون قاتلة إن لم تأخذ اللقاح المضاد لها فورا.


هكذا هو زكريا الزبيدي في عيون أعداءه، فعندما ألقي الإسرائيليين القبض عليه بعد طول عناء وكر وفر، وصفه "يتسحاق إيلان"، وهو أحد كبار ضباط المخابرات الإسرائيلية بقط الشوارع "الذي وقع أخيرا في المصيدة".


ابن جده:


ريما يمكنك أن تعرف من هو زكريا محمد عبد الرحمن الزبيدي علي لسان أعداءه، أكثر مما تعرفه علي لسان بني وطنه وأمته.


فها هو نير دفوري، المراسل العسكري في القناة الإسرائيلية الثالثة عشر يقول عنه: ((هذا زكريا الزبيدي الذي اعتاد لعشرين عاما ان لا يمشي الا والمسدس على خصره)).


لكنك لترسم صورة ذلك المناضل الأسمر كاملة، عليك أيضا أن تستمع إلي أهله، أو إلي خالته نفسها، خالته التي تحمل علي وجهها الطيب الحنون تجاعيد شعب مقاوم.


هذا الشبل من ذاك الأسد، صورة للزبيدي، وعلي اليمين جده محمد جهجاه


تستمع لكلماتها وهي تقول لأبن شقيقتها المختبئ خلف أغصان الزيتون تظلله وأحجار المقاومة تحجبه عن أعين الأعادي:
((اللهم فك أسر الجميع، بجاه الصلاة علي محمد، ﷲ يفك أسر كل الناس المحجوزين بإسرائيل، وأنت يا زكريا، جدك محمد الجهجاه، أنت يعني عملت الكرة الثانية... سيدك أبو سمير عمل الكرة الأولى، أنت عملت الثانية، وهنيا لأختي سميرة ﷲ يرحمها.. وﷲ يحفظكم وﷲ يحميكم بجاه الصلاة علي محمد... وﷲ ينصر دين محمد، وﷲ ينصر كل من شال سلاحه... ﷲ يا زكريا معاك.. وﷲ يحميك.. وتعيش البطن الي حملتك.. والسلام ختام)).


إذن هي جينات بطولة متوارثة بين الأجيال، ونطفة طيبة حملها رحم طاهر، فأنجبت ابنا بطلا، ابنا تفتحت عيناه علي شعب محتل، وأرض سليبة، فاختار المقاومة منهجا وسبيلا شرعيا لكل شعب يريد انتزاع حريته.


فزكريا هو حفيد الأسير المحرر محمد جهجاه، الذي كان أحد الأسرى الفلسطينيين والعرب، الذين استطاعوا الهروب من سجن "شطة" الإسرائيلي، يوم ٣٠ يونيو / تموز عام ١٩٥٨، ونجحوا بالوصول إلى الأردن، بعد معركة مع حراس السجن أسفرت عن استشهاد ١١ أسيرا وإصابة ١٣ آخرين.


مسيرة مقاوم:


زكريا الزبيدي، والذي القي الإسرائيليين القبض عليه مجددا، أعطي للعالم كله ولشعبه الفلسطيني عمره، وحريته، وحتى حياته قدمها أكثر من مرة بلا تردد.


أربعة محاولات اغتيال نفذها الإسرائيليين ضده، ولكن يد العناية الإلهية كانت تنقذه دوما.. وربما يكشف لنا هذا التصميم الإسرائيلي علي قتله أو القبض عليه علي أقل تقدير مدى القلق والمشاكل التي صنعها لهم.


فالزبيدي المولود عام ١٩٧٦، تفتح وعيه في صباه ليجد نفسه يتيما، ولم يلبث أن شبت الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انطلقت وهو في ربيعه الحادي عشر، وبالتحديد عام ١٩٨٧ لتستمر حتى عام ١٩٩٣، لتتشكل شخصيته علي قضية وطنه الكبرى، ويبدأ قط الشوارع في المقاومة بالحجارة ضد الدبابات، إلي أن اصابته رصاصات المحتل وشعر بلهيبها يخترق جسده الغض وهو لا يزال في الثالثة عشر من عمره.


في العام ١٩٨٩، التحق الزبيدي بمنظمة التحرير الفلسطينية "فتح"، لكنه انضم إليهم وهو يمر بأول تجارب الأسر علي يد الإسرائيليين بتهمة مشاركته في الانتفاضة الأولى.


وحتى بعد أن اطفئت نيران الانتفاضة باتفاقية أوسلو، لم تنطفئ نيران الغضب في صدر الزبيدي، الذي استمر في المقاومة المسلحة ليعتقل مجددا بتهمة إلقاء عبوات حارقة علي قوات الاحتلال الإسرائيلي.


مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في ٢٨ سبتمبر عام ٢٠٠٠، ردا علي الاقتحام الهمجي لأرييل شارون لباحة المسجد الأقصى، التحق زكريا الزبيدي بكتائب شهداء الأقصى، اختار الفلسطينيين في انتفاضتهم الثانية الكفاح المسلح، بعدما كانت الأولى في معظمها عبارة عن مظاهرات وتراشق بالحجارة مع الشرطة الإسرائيلية، وكان الزبيدي في مقدمة الصفوف.


بسبب نشاطه في صفوف المقاومة، أصبح الزبيدي أحد أبرز المطاردين من أجهزة الأمن الإسرائيلية، ولم يخلو الأمر من محاولات اغتياله كما سبق القول، وتحمل جسده المقاوم رصاصات الاحتلال التي اصابته في غير مرة، حتى أنه نجا ذات يوم من انفجار عبوة ناسفة، لكنها تركت له علامات شرف علي جسده.


كانت عمليات الاستهداف الإسرائيلية للزبيدي شديدة العنف هوجاء دوما، ففي أحد تلك المحاولات وبعدم تمييز قتلوا خمسة فلسطينيين بينهم فتى في عامه الرابع عشر، وفي محاولة ثانية اقتحموا جنين وقتلوا ٩ فلسطينيين وهم يبحثون عنه.


بحسب الاتهامات الإسرائيلية لزكريا الزبيدي، فهو المسؤول عن عدة عمليات، منها عملية تفجير في تل أبيب، وقعت في يونيو / حزيران ٢٠٠٤، وأسفرت عن مقتل مستوطنة إسرائيلية وإصابة ٣٠ آخرين.


حمام دماء في جنين:


كان عام ٢٠٠٢ أحد أبرز الأعوام في مسيرة زكريا الزبيدي، ففي ذلك العام قاد المقاومة الفلسطينية دفاعا عن مخيم جنين، والذي ارتكب فيه الجيش الإسرائيلي واحدة من مذابحه التي يندي لها جبين التاريخ.


بالطيران والدبابات والمدفعية الثقيلة، هدم الإسرائيليين الحي فوق رؤوس ساكنيه من المدنيين، دون تمييز، نساءا وأطفال وشيوخ، ويأتي الخبر في ٣ مارس / آذار، للزبيدي وهو يقاوم، استشهدت والدتك، استشهدت بنيران هذا الجيش الإسرائيلي المحتل، رصاصاتهم وجهت لصدر أمك وهي في شرفة بيتها، ثم يأتي الخبر التالي، عظم ﷲ أجرك يا زكريا في شقيقك طه، فلقد رحل شهيدا هو أيضا.


زكريا الزبيدي محمولا علي الاعناق في جنين، مسقط رأسه الذي دافع عنه هو ورفاقه، صورة من وكالة أنباء رويترز. 


فلم يستسلم، ولم يلقي سلاحه، بل زادت طلقاته، زادها الرغبة في الثأر من قلب ملكوم، وعيون تبكي فراق الأحبة، وذكريات بيت شتته الاحتلال، بعدما هدمه لثلاث مرات متتالية، ليهدموا روح المقاومة في نفوس ساكنيه، لكن هيهات.


في جنين قاتل الزبيدي ورفاقه، وقتلوا عشرات الجنود الإسرائيليين واصابوا غيرهم، وتحملوا انعدام الرحمة العسكرية التي ابداها شارون وقادته ضد المخيم بكل من فيه.


في جنين أيضا، قاتل الزبيدي حتى نفذت ذخيرته ذات يوم، وكاد الإسرائيليين يلقون القبض عليه، لولا أن تدخلت يد العناية الإلهية مجددا لتحجبه عن عيونهم وسط الركام الذي اختبأ فيه.


عهد إسرائيلي:


يكفيك القول "عهد إسرائيلي"، لتعلم أنه عهد منقوض، عهد ربما دبروا لكيفية نقضه قبل أن يتفقوا عليه في الأصل.


كان ذلك هو ما حصل مع زكريا الزبيدي بالفعل، فبحسب اتفاق تم عام ٢٠٠٧ بين حركة فتح من جانب والاحتلال من جانب آخر، أعلنت إسرائيل العفو عن مسلحي كتائب الأقصى، علي أن يقوموا بتسليم أسلحتهم للسلطة الفلسطينية، علي أمل التوصل لتسوية سياسية، وهو ما فعله زكريا بالفعل.


لكن العهد لم يدم، ففي عام ٢٠١١ انتهي العفو رغم أن الزبيدي لم ينتهك أيا من شروطه، وبذلك عاد زكريا مطاردا من الإسرائيليين مجددا.


برغم ذلك، واصل الزبيدي كفاحه بالعلم، وبالتعلم، وبالسياسة، إذ ترشح في انتخابات المجلس الثوري لحركة فتح في دورته السابعة عام ٢٠١٦، وتم انتخابه بالفعل عضوا فيه، إلي يوم ان اعيد القبض عليه هو والمحامي الفلسطيني طارق برغوث.


كلمة في الختام:


أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي صباح يوم السبت ١١ سبتمبر ٢٠٢١، أنها أوقفت زكريا الزبيدي بصحبة الأسير محمد عارضة في بلدة "الشلبي أم الغنم" التي تقع علي بعد ١٠ كم شرق بلدة الناصرة حيث يعيش الكثيرين من عرب ٤٨.


حاول جرب وبتوصل.. شرف التجربة يكفيك، زكريا الزبيدي عاد للأسر جسدا، لكن روحه ستظل عصية


شرطة الاحتلال قالت أن الزبيدي لم يستسلم لمن حاولوا القبض عليه وهو فريق يضم مقاتلين من وحدة الإرهاب التابعة للشرطة الإسرائيلية، مدعومين بأفراد من جهاز الشاباك (جهاز الامن الداخلي الإسرائيلي)، وحدث اشتباك بينهم ادي لإصابة الزبيدي بتورمات واصابات في وجهه علي الاخص.


عاد الزبيدي للأسر بدون حكم قضائي يبرر سجنه، ولكنها منظومة القضاء الإسرائيلي المفتقرة للعدل وللانصاف، وأي عدل يرتجي وأي انصاف يطلب من سالبي الأرض بل الوطن كله؟.


في النهاية، فإن طائر العنقاء الفلسطيني لن ينهزم، واذا ما عاد زكريا الزبيدي للأسر فإن روحه التواقة للحرية لا يمكن لأي قوة في العالم أن تأسرها، بل وإن رحل الزبيدي عن الحياة كلها، فإن أرحام السيدات في فلسطين لن تتوقف عن إنجاب من هو مثل الزبيدي.


حفر زكريا الزبيدي اسمه في قائمة شرف طويلة لهذا الشعب المناضل، وسيظل علي الدوام رمزا لمقاومة أصحاب الحق في كل زمان ومكان ضد اصحاب القوة الغاصبين المعتدين.


رغم أن الزبيدي عاد أسيرا، فلنا أن نعلم أن الشرطة وأجهزة الامن الإسرائيلية وحتى يوم إلقاء القبض عليه كانت قد تلقت نحو ٣٠٠ اتصالا هاتفيا مضللا من مواطنين فلسطينيين، يعطوهم أماكن وعناوين يقولون انهم شاهدوا الأسرى فيها، وتتحرك الشرطة الإسرائيلية ما يقارب ٣٠٠ مرة لتجد في كل مرة أن الأمر ما هو إلا فخ من شعب الجبارين.. نستخلص من هذا أن الشعب يقاوم، يقاوم بما استطاع إليه سبيلا، ولو مكالمة هاتفية مضللة. وأن جمر الكفاح الفلسطيني متقد تحت التراب لم ولن يخبو ابدا.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-