زدني معرفة

هل يعيد المتحور دلتا قصة انتشار فيروس كورونا في الصين من جديد

 بعيدا عن المكان الأساسي الذي انطلق منه فيروس كورونا المستجد ففي هذا الأمر خلاف لم يحسم بعد، بين ادعاء أمريكي بأنه قد تسرب من مختبر معهد ووهان للفيروسات، ونفي صيني قاطع. 

أحد العاملين في مختبر ووهان للفيروسات وقت انتشار فيروس كورونا لأول مرة، ٢٤ يناير ٢٠٢٠، licensed under the Creative Commons Attribution 3.0 Unported license. 
Attribution: China News Service


فمن المتفق عليه بين الجميع، أن الصين كانت أول دولة في العالم ترصد فيروس كورونا المستجد "كوفيد-١٩" كفيروس جديد، واليوم وبعد وما يقارب العامين، يعود المتحور دلتا ليشكل تهديدا حقيقيا للصين.


استراتيجية العزل:


بالتأكيد، علمت الصين الكثيرين حول العالم ما هي الإجراءات التي يجب اتخاذها لوقف فيروس كورونا عندما بدأ صعوده الصاروخي حول العالم في شتاء ٢٠١٩ : ٢٠٢٠.


كان لإستراتيجية عزل المدن الموبوءة وخصوصا ووهان، وإجراءات الغلق، أثرا كبيرا علي نجاح بكين في التصدي لانتشار الفيروس التاجي.


لكن وبرغم ثقة القادة الصينيين في قدرة تلك الإجراءات علي إبعاد كورونا، فإن هذه الإستراتيجية كلفت الصين وكل الدول التي اعتمدتها فاتورة كبيرة من الخسائر الاقتصادية، وبالتالي فإن الجميع يريد نهجا مختلفا، ينجح في تحقيق معادلة التصدي لانتشار المتحور دلتا دون التعرض لارتدادات اقتصادية عنيفة.


ليس شي جين بينغ وحده:


يتابع العالم الآن، المتحور دلتا، لقد اثبت هذا الضيف الثقيل الظل أنه أكثر متحورات فيروس كورونا المستجد "كوفيد-١٩" قدرة علي الانتشار والعدوي بسرعة. 


الرئيس الصيني شي جين بينغ، UN Photo / Jean-Marc Ferré, Attribution-NonCommercial-NoDerivs 2.0 Generic (CC BY-NC-ND 2.0)


القادة في الولايات المتحدة الأمريكية، أستراليا، وعدة اماكن أخرى حول العالم ممن ابتليوا بالمتحور دلتا اضطروا لتجديد عددا من القيود لمجابهة ذلك الوافد الجديد.


لذا فليست إدارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، هي وحدها من تكافح المتحور دلتا، لكن الوضع في الصين اليوم ووفقا للأرقام هو الأخطر منذ ذروة التفشي العام الماضي والتي حدثت في ووهان تحديدا.


العودة للإجراءات:


لذا وجد الحزب الشيوعي الصيني بزعامة أمينه العام ورئيس البلاد شي جين بينغ، مضطرا لإعادة إحياء نفس التكتيكات التي اغلقوا بها الصين العام الماضى.


لقد تم عزل مدينة يبلغ عدد سكانها ١،٥ مليون شخص، وقطع سبل الوصول أوالخروج منها، والغيت العديد من الرحلات الجوية، كما أجريت العديد من الاختبارات الجماعية للسكان للتأكد من عدم إصابتهم بالمرض، وخصوصا المتحور دلتا.


لقد ساعدت هذه الإستراتيجية والتي سميت "عدم التسامح" أو “zero tolerance” في عزل كل الحالات، كما ساهم منع الاصابات الجديدة من الخروج خارج مدنهم، بل وحتى منازلهم.


قاد كل هذا في نهاية المطاف إلي احتواء تفشي المرض في العام الماضي، وبقيت الصين إلي حد كبير خالية من الفيروس.


لكن هذه الإستراتيجية كان لها تأثيرها الكبير على العمل والحياة لملايين الأشخاص، ما يدفع الآن لاطلاق تحذيرات من أن الصين بحاجة إلى تعلم السيطرة على الفيروس، دون الإغلاق المتكرر للاقتصاد والمجتمع.


الدكتور تشانغ ون هونغ:


البروفيسور الصيني تشانغ ون هونغ، وهو مدير قسم الأمراض المعدية في مستشفى (هواشان) التابع لجامعة فودان، وأحد نجوم الأطباء الصينيين الذين اشتهروا وقت انتشار الفيروس في العملاق الآسيوي مطلع العام الماضي وبالتحديد في ووهان، عنده ما يقوله في هذا الصدد.


فلقد نشر في منشور علي حسابه الشخصي عبر أحد أشهر مواقع التواصل الاجتماعي في الصين "سينا ويبو"، والذي يتابعه أكثر من ٣ مليون شخص، أن إستراتيجية بلاده من الممكن أن تتغير، وسوف نتعلم المزيد من الأشياء التي يمكننا القيام بها خلال التفشي المستمر، إنه اختبار إجهاد للأمة.


وأضاف البروفيسور الصيني أن العالم يحتاج لتعلم كيفية "التعايش مع هذا الفيروس".


أولمبياد وانتخابات:


لكن الصين ستتعرض لأقصى اختبار لمدى نجاح وفاعلية ضوابطها عندما يصل الآلاف من الرياضيين والمراسلين الصحفيين، والوفود المصاحبة للبعثات الرياضية، وغيرهم من الأشخاص، في جمع غفير من حول العالم لحضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين والتي ستقام في فبراير من العام المقبل ٢٠٢٢.


ستاد عش الطائر في العاصمة الصينية بكين استضاف الكثير من منافسات الأولمبياد الصيفي ٢٠٠٨، وسيعيد نفس الأمر مع منافسات الأولمبياد الشتوي ٢٠٢٢
Attribution-NonCommercial-NoDerivs 2.0 Generic (CC BY-NC-ND 2.0)


كما ستليها انتخابات الحزب الحاكم، حيث من المفترض أن تتم تغييرات علي مستوى القيادات، في أواخر عام ٢٠٢٢، ويريد قادة الحزب الشيوعي أن يدخلوا الانتخابات بظروف اقتصادية جيدة أو حتى تدعو للتفائل.


في العام الماضي:


دعونا نتذكر معا ماذا فعلته إدارة الرئيس شي جين بينغ في العام الماضي؟.


أغلقت حكومة الصين جزءًا كبيرًا من ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وقطعت جميع سبل الوصول تقريبًا إلى كل المدن التي يبلغ عدد سكانها ٦٠ مليون شخص.


هذه التكتيكات تم تقليدها لكن علي نطاق أصغر وأخف، من قبل جميع الحكومات بين قارات آسيا والأمريكيتين، وبرغم أن الصين انهت الازمة باكرا، وسمحت باستئناف السفر التجاري والمحلي سريعا، بالتحديد في مارس ٢٠٢٠، فإن تلك الإجراءات تسببت في الانكماش الاقتصادي الأكثر إيلامًا في الصين منذ خمسة عقود.


قلق عالمي:


أحدثت الإصابات الجديدة، والتي طالت العديد من الأشخاص الذين نالوا التطعيم بالفعل، اتساعا في نطاق الأزمة، والخوف من تداعياتها لأن الإغلاق في الصين لن يؤثر عليها فحسب.


اصيبت الأسواق المالية العالمية بهزة، علي خلفية القلق من أن إجراءات الصين ضد انتشار المتحور دلتا قد تعطل التصنيع، وسلاسل التوريد عالميا. فالشركات الصينية تصنع الكثير مما نستهلكه حول العالم، كما توفر للشركات الكبرى حول العالم الكثير من مستلزمات الصناعة.


غرقت مؤشرات الأسهم الرئيسية في شنغهاي وطوكيو وهونغ كونغ يوم الثلاثاء الماضي في انخفاض شديد، لكنها عادت للارتفاع يوم الخميس.


في هذا الصدد، يقول "شي تشن"، الخبير الاقتصادي الصحي في كلية ييل للصحة العامة، إن الصين بحاجة إلى التحول إلى عملية خلق حواجز أمام العدوى بالمتحور دلتا داخل المجتمعات، وذلك يتم من خلال تكثيف التطعيمات -بما في ذلك السماح بإستخدام اللقاح الذي طورته شركة بيو ان تيك "BioNTech" الألمانية، وعلاج المصابين بسرعة، وفي نفس الوقت تحافظ علي السماح للأعمال والسفر بالمضي قدمًا.


مضيفا: "لا أعتقد أن إستراتيجية (عدم التسامح) يمكن لها أن تستمر، فحتى لو تمكنت الحكومة من إغلاق جميع المناطق في الصين، فقد يستمر موت الناس بسبب الفيروس، وقد يموت المزيد من البشر بسبب الجوع أو فقدان الوظائف".


لا تراجع:


لكن بكين لم تظهر أي نية لها للتخلي عن تكيكاتها. 


فعلي سبيل المثال، فإن السيد" خه تشينغهوا"، وهو المسؤول في مكتب مكافحة الأمراض التابع للجنة الصحة الوطنية، قد صرح في مؤتمر صحفي يوم السبت الماضي، إن السيطرة على المرض يجب أن "تكون أسرع وأكثر حزما وأكثر صرامة وأكثر اتساعا وجاهزية".


ووفقا لمسؤولي الصحة الصينيين فلقد قاموا باجراءات تتبع "المصدر" الذي تسبب في حدوث أكبر تفشي في الصين هذا العام ٢٠٢١، وأسفرت التحريات المبدئية عن الوصول لتحديد موظفي المطار الذين قاموا بتنظيف طائرة ركاب روسية في ١٠ يوليو الماضي في نانجينغ، شمال غرب شنغهاي، في مقاطعة جيانغسو، كسبب لهذا التفشي.


طائرة تقف علي أرضية مطار نانجينغ، من هنا عاد فيروس كورونا للأنتشار في الصين مجددا
Philip McMaster, Attribution-NonCommercial 2.0 Generic (CC BY-NC 2.0), Flickr. 


سافر بعض المسافرين عبر نانجينغ إلى تشانغجياجيه، إنها منطقة سياحية شهيرة جنوب غرب شنغهاي في مقاطعة هونان، مما حوّل تلك المدينة إلى مركز لانتشار الفيروس، ثم انتقل الفيروس منها إلى العاصمة بكين ومدن أخرى في أكثر من ١٠ مقاطعات.


في يوم الثلاثاء أعلنت حكومة تشانغجياجيه، قرارها بعدم السماح لأي شخص بمغادرة المدينة، مقلدة في ذلك الضوابط التي فرضت على ووهان، حيث تم تحديد أولى حالات الإصابة بالفيروس، هي وعدد من المدن الأخرى العام الماضي.


في نفس الوقت، تم تعليق الرحلات الجوية إلى نانجينغ ويانغتشو، وهي مدينة قريبة بها ٩٤ حالة، كما تم إلغاء رحلات القطارات من تلك المدن ومعها ٢١ مدينة أخرى إلى العاصمة بكين، كما أقامت مقاطعة جيانغسو نقاط تفتيش على الطرق السريعة لاختبار السائقين.


كما دعت الحكومة سكان بكين وإقليم جوانجدونج الجنوبي إلى عدم مغادرة تلك المناطق إذا أمكن.


أما في يانغتشو، فلقد تم فرض الحجر الصحي على الأطفال في مركزين للتدريس، بعد أن أثبت أن هناك تحاليل ايجابية لبعض الطلاب، كما تم إغلاق بعض أجزاء المدينة. وقالت طالبة جامعية صينية أن الحكومة كانت توزع الأرز علي المنازل، علي خلفية ارتفاع أسعار السلع الغذائية وخصوصا الخضروات، وهذا أمر شديد التأثير علي الأسر من ذوي الدخول المنخفضة.


نانجينغ:


منذ منتصف شهر يوليو الماضي، تم الإبلاغ عن ١١٤٢ إصابة في الصين، العديد منها مرتبط بنانجينغ.


وبرغم أن هذه الأرقام متواضعة إذا ما قورنت بعشرات الآلاف من الإصابات اليومية الجديدة التي يتم تسجيلها في الهند أو حتى الولايات المتحدة الأمريكية.


لكن هذه الأرقام شكلت هزة في الصين، ببساطة لأن البلاد كانت تسير بأرقام قليلة للغاية طوال الفترة السابقة، إلي حد أنها لم تسجل أي حالة وفاة منذ أوائل فبراير من هذا العام.


صحيفة "غلوبال تايمز" Global Times الصينية الشهيرة والتي تصدر كواحدة من إصدارات صحيفة الشعب اليومية People’s Daily التابعة للحزب الشيوعي الصيني مع التركيز علي نسختها الانجليزية التي تعتبر لسان الصين الناطق للغرب، وصفت تفشي المرض بأنه تحدي خطير يواجه الانتصار الذي حققته البلاد بشق الأنفس في المعركة ضد وباء فيروس كورونا المستجد "كوفيد-١٩".


بصورة إجمالية فمنذ بداية الفيروس، أبلغت الصين عن ٤٦٣٦ حالة وفاة من حوالي ٩٣٠٠٠ حالة مؤكدة.


ومع ما تم رصده من أن معظم من أصيبوا بالفيروس في نانجينغ كانوا قد تلقوا التطعيم باللقاح فعليا، فإن الطبيبة يانغ يي، وهي رئيسة وحدة العناية المركزة في مستشفى جامعة ساوث إيسترن بالمدينة، قالت لصحيفة "ذا بيبر" الإخبارية في شنغهاي، إن عددًا قليلاً من الحالات هي التي تصنف كحالات شديدة الخطورة.


وأضافت إن هذا يعني أن "اللقاحات وقائية" -على الرغم من استمرار المخاوف من أن اللقاحات المصنوعة في الصين توفر حماية أقل من بعض اللقاحات الأخرى-.


السلطات الصينية تلقي حاليا باللوم على مديري مطار نانجينغ والمسؤولين المحليين لفشلهم في تطبيق قواعد السلامة والكشف عن الإصابات لمدة ١٠ أيام حتى ٢٠ يوليو، بعد بدء انتشار الفيروس بالفعل في ١٠ يوليو، وهو ما يعيد إلي الاذهان نفس السيناريو الذي حدث في ووهان عندما بدأ الفيروس انتشاره في ديسمبر ٢٠١٩، حيث تم اتهام سلطات ووهان بالتقصير.


وقد أعلنت الشرطة أن امرأة تبلغ من العمر ٦٤ عامًا يُعتقد أنها حملت الفيروس من نانجينغ إلى يانغتشو، ألقي القبض عليها يوم الثلاثاء بتهمة إعاقة الوقاية من الأمراض.


لكن هذه السيدة ليست الوحيدة، فلقد اختلط موظفو التنظيف في المحطة الدولية الجديدة في مطار نانجينغ بزملاءهم في العمل المسؤولين عن النظافة في الجناح المسؤول عن الرحلات المحلية في المطار، بينما كان ينبغي فصلهم.


وفقًا لتقارير إخبارية. تم تحويل مسار الرحلة الروسية بسبب سوء الأحوال الجوية من شنغهاي حيث كان من المقرر لها أن تهبط في الأصل إلي نانجينغ، حيث المطارات مجهزة بشكل أفضل للتعامل مع المسافرين الأجانب.


ومع ذلك ، فإن مدينة نانجينغ، والتي يبلغ عدد سكانها ٩،٣ مليون نسمة هي ثاني أكبر مدينة في شرق الصين بعد شنغهاي، ولديها موارد أكثر من العديد من المدن الصغيرة.


شي تشن، الخبير الاقتصادي الصحي في كلية ييل للصحة العامة، يري أنه ينبغي علي الصين أن تتعلم كيفية أن يسمح للفيروس بالوجود والتعايش معه في المناطق ذات معدلات التطعيم المرتفعة، وتحظي بأنظمة رعاية صحية أقوى، وهو ما تتمتع به نانجينغ، وهناك مناطق أخرى في الصين وصلت لتطعيم ٨٠٪ من سكانها، أي تخطت ما يعرف باسم مناعة القطيع، وهي مناعة جماعية تحول دون انتشار الفيروس.


-----
ترجمة: المعرفة للدراسات.
لمقال من: وكالة أسوشيتد برس.
إعداد: وو من تايبيه، تايوان. كما ساهم في هذا التقرير الكاتب في وكالة أسوشيتد برس فو تينغ في بانكوك والباحثان تشين سي في شنغهاي ويو بينغ في بكين.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -