زدني معرفة

خطة بيل غيتس لحجب الشمس.. مقامرة تقليل درجة حرارة الأرض التي قد تقودنا لكارثة بيئية

 عندما تكون مليارديرا، فمن المؤكد أنك تستطيع فعل الكثير، لكننا لا نقصد هنا الأمور التقليدية المتعلقة بحياة شديدي الثراء، فما ذهب إليه تفكير الملياردير الأمريكي بيل غيتس، والذي ظل لسنوات أغنى رجل في العالم، قد تخطي ذلك بكثير.

الملياردير الأمريكي الشهير بيل غيتس، أغني رجل في العالم لسنوات طوال، والذي يمضي حياته حاليا في التفكير في مشاريع تتعلق بمستقبل الأرض، Thomas Hawk, Flickr, Attribution-NonCommercial 2.0 Generic (CC BY-NC 2.0)


يعتبر السيد بيل غيتس نفسه، أحد المسئولين عن مستقبل كوكبنا هذا، باعتبار أن لديه من الامكانيات ما لا يتوفر لغيره من أشخاص، وربما لحكومات الكثير من دول العالم، ومن ضمن أبرز ما يشغل بال مؤسس مايكروسوفت، قضية الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الأرض.


ذهب بيل غيتس بعيدا في تفكيره، إلي الحد الذي جعله يفكر في تغيير الناموس الطبيعي للكون، بحجب أشعة الشمس ذاتها التي لم تتوقف يوما عن السطوع فوق الأرض منذ أن خلق ﷲ ومن عليها.


هذا ما يقال بكثرة منذ ما يزيد عن العام، رغم أن خطة بيل غيتس في توصيفها الصحيح تختلف عن هذا الوصف ولو قليلا، وربما يكون من الأدق توصيفها بأنها خطة لحجب "جزئي" لأشعة الشمس والطاقة الحرارية التي توصلها للأرض.


المنطاد:


باعتبار أن الشمس هي مصدر الحرارة الرئيسي للكوكب، يري بيل غيتس أن حجبا جزئيا لأشعة الشمس، سيكون مفيدا في تقليل الحرارة الواصلة للأرض، وبالتالي تنخفض درجة الحرارة مجددا لتعود لطبيعتها، وتسترد الأرض ما فقدته من توازن بسبب ارتفاع درجة الحرارة، وعلي رأسها الجليد الذي انهارت مساحات واسعة منه سواء في القطبين الجنوبي أو الشمالي.


لكن كيف يستطيع البشر حجب الشمس؟...


ما رأيكم في منطاد بالوني، يتم اطلاقه من موقع مخصص في مؤسسة الفضاء السويدية، يقع بالقرب من مدينة كيرونا، في مملكة السويد الواقعة في شمالي اوروبا.


يرتفع المنطاد، ويستمر في الارتفاع إلي أن يصعد إلي ارتفاع شاهق (١٢ ميل = ٢٠ كم فوق سطح الأرض) ليقوم بشيء تاريخي، إنها المحاولة الأولى للبشر لتقليل الاحترار العالمي عن طريق تعتيمهم للشمس.


هذه الطريقة، باعتبارها لم تجرب من قبل، فإن وصفها الادق أنها "من المحتمل أن تعكس ضوء الشمس بعيدا عن الغلاف الجوي للأرض"، وبالتالي فإن حدث هذا، ستصبح أرضنا أكثر برودة ونتخلص من جحيم الاحترار العالمي الذي يعرقل حياتنا الطبيعية، ويتسبب في الحرائق هنا وهناك، بل ويموت الناس بسببه.


لكن مهلا، فبيل غيتس ومن معه لن يقوموا بإطلاق منطاد ليحجب هو الشمس، هذا غير منطقي بالطبع.


إضطراب متحكم فيه:


بنظرة فاحصة للمشروع، سنجد أن بيل غيتس، يتبني مشروع يقوم به علماء متخصصون، وليس مجرد هواة أو حالمون.


هذه التجربة الجريئة لها مسمي علمي هو "تجربة الاضطراب المتحكم فيه في الستراتوسفير (SCoPEx)"، والتي أطلقها علماء هارفارد Harvard University، أقدم وأعرق الجامعات الأمريكية، واحدي أفضل الجامعات حول العالم.


تهدف التجربة للوصول لاجابات عن أسئلة كثيرة عما يسمونه (هندسة جيولوجيا الشمس) وهو علم لا يزال يحبو ساعيا لاستخدام التقنيات الحديثة لمكافحة التغير المناخي، عبر عكس ضوء الشمس واعادته للفضاء.


لكن ماذا سيحدث بالضبط؟.


لنعود معا إلي المنطاد العملاق الذي سينطلق من السويد، هذا المنطاد سيحمل علي متنه أجهزة رش مسحوق أبيض، إنه غبار كربونات الكالسيوم غير السامة (CaCO3) في الغلاف الجوي!!!.


كربونات الكالسيوم غير السامة


لا تصابوا بالفزع، إن هذا المسحوق موجود في كل مكان حولكم، ويستخدم في صناعة كل شيء تقريبا، بداية من الأوراق التي تكتبون عليها، والأسمنت الذي نبني به، وصولا إلي دخوله أفواهكم عبر كونه أحد مكونات معجون الأسنان، بل ويصل للمعدة بأمان إذ يستخدم في صنع الكيك، واذا اسقطت قرص منه في كوب ماء، فسيعطيك مضاد الحموضة الفوار.


سيتم تحميل البالون بكمية (٢ كجم) فقط من هذا المسحوق، ستكون كافية لتشكيل مساحة من الغيوم على شكل أنبوب في السماء، بطول نصف ميل وقطر ١٠٠ ياردة من الغبار.


هذا الغبار سيخلق وفقا لطموحات القائمين علي المشروع ما يسمي في اللغة العربية "هباء جوي" وهي جزيئات تعلق في الهواء، وسيعمل هذا الهباء كعاكس لجزء من أشعة الشمس، وهو الأمر الذي يأمل مسؤولي المشروع أن يؤدي لتقليل آثار الأحتباس الحراري، وبشكل سريع.


عندما يقوم المنطاد باطلاق هذا الهباء من غبار كربونات الكالسيوم غير السامة CaCO3، ستكون مهمة علماء هارفارد أخذ وتسجيل ملاحظات لمدة ٢٤ ساعة حول كيفية تفاعل الجسيمات مع بعضها في الغلاف الجوي، وتأثيرها علي أشعة الشمس والأشعة تحت الحمراء، إنهم يأملون أن تبعدها بعيدا عن الكوكب.


من أجل هذا السبب بالتحديد، اختار علماء هارفارد أن يستخدموا المنطاد بدلا من الطائرات، فالمنطاد سيوفر لهم امكانية حمل كمية صغيرة لاجراء اختبار صغير، ويمكنه التوقف في الجو أو التحليق بنفس سرعة سير الإنسان علي الأرض ما يعطيهم القدرة علي وضع الأجهزة اللازمة لمراقبة وتحليل نتيجة تجربتهم.


أسطول تبريد الأرض:


اذا نجحت هذه التجربة، وأثمر هذا المنطاد، وما سيرشه من غاز كربونات الكالسيوم غير السامة CaCO3، في تكوين هباء جوي في المنطقة التي سيطير فوقها، وقام هذا الهباء بعكس جزء من أشعة الشمس بالفعل بعيدا عن كوكبنا، فستكون تلك إشارة البدء لما يمكن تسميته بأسطول تبريد الأرض.


سيقوم العلماء أولا بالاستعانة بأجهزة حواسيب عالية التطور، ويدخلوا فيها نتائج وبيانات هذه التجربة، لتقوم هذه الحواسيب بالتنبؤ بكيفية عمل مناطق أكبر مساحة من ذلك الهباء الجوي. 


سحب طبيعية تحجب أشعة الشمس، file is licensed under the Creative Commons Attribution-Share Alike 4.0 International license, Wikimedia Commons. 


ووفقا للمخطط، فعندما ينتهي العلماء من عملهم مع الحواسيب، ويحصلون علي ما يلزمهم من نماذج وبيانات وأرقام، ستنطلق في هذه الحالة الآلاف من الطائرات لتطير علي ارتفاعات عالية وترش ملايين الأطنان من جسيمات غاز كربونات الكالسيوم غير السامة CaCO3 حول كوكبنا، لتكون معا سحابة كيمائية ضخمة، تعكس أشعة الشمس بعيدا عن الأرض، وتجعلنا نستعيد برودته المفقودة طويلا.


عراقيل:


لكن علي ما يبدو، فإن هذه التجربة لا تزال تواجه العراقيل في طريقها، فلقد أجل العلماء موعد تنفيذها والذي كان من المقرر أن يكون في هذا الصيف.


فرغم أن بيل غيتس جاهز بالمال اللازم لتمويل المشروع -كثير من المشاريع البحثية في الغرب يمكن تمويلها عن طريق أفراد أو شركات القطاع الخاص-، ورغم أن ميعاد الإطلاق كان مقرر في صيف هذا العام، وبرغم أن تجربة هذا العام لم تكن ستشهد اطلاق أي كميات من الغاز، وكان سيتم الاكتفاء بإجراء اختبار لقدرة المنطاد علي الحركة والمناورة، وفحص انظمة الاتصالات والتشغيل علي متنه.


برغم كل ذلك، فقد تأجل كل شيء بسبب المخاوف المحيطة بالتجربة. فمهما كانت التجربة، فهناك أخلاقيات للبحث العلمي يجب الإلتزام بها، وعلي رأس تلك الأخلاقيات عدم جواز إجراء تجارب قد تشكل خطرا كبيرا علي البشر.


وحتى إجراء بحوث توفر لنا فهما أوضح لعواقب هذه التجربة علي البيئة والغلاف الجوي، سيتم تأجيل هذه التجربة حتى العام المقبل ٢٠٢٢ علي الأقل.


نظرية المؤامرة:


كان من الطبيعي أن يثير مشروع بهذه المواصفات والجراءة التكهنات عن نظرية المؤامرة، خصوصا عندما يموله بيل غيتس، المرتبط لدي الكثيرين أصلا بنفس النظرية.


ثارت وسائل التواصل الاجتماعي شرقا وغربا ضد بيل غيتس، ووصل الأمر أحيانا إلي حد تحريف المشروع والتغيير من حقيقته.


قيل أن بيل غيتس اختار ضخ أمواله في "مشاريع شائنة" ستحجب الشمس، وستنتج لقاحات سامة للبشر بدعوى تلقيحهم ضد فيروس كورونا المستجد "كوفيد-١٩" ، بدلا من أن يستخدمها في خير البشرية بالقضاء علي الفقر وتحسين البيئة. وهكذا أضحى الرجل مطاردا بالاتهامات.


نقد علمي:


لكننا سنقع في خطأ إن وصفنا الاعتراضات علي المشروع بمجرد اعتراضات تقال علي وسائل التواصل الاجتماعي من أشخاص عاديين لا علاقة لهم بتلك المجالات العلمية الدقيقة، ويؤمنون بنظرية المؤامرة.


فهناك متخصصين كبار مثل مايكل شيلنبرغر، وهو رئيس مؤسسة التقدم البيئي Environmnetal Progress، وهي مؤسسة مستقلة ومتخصصة في مجال البحوث والسياسات العامة، ومقرها في بيركلي، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية.


يصف السيد مايكل شيلنبرغر، دعم بيل غيتس لمشروع حجب أشعة الشمس بالتصرف غير المسؤول إلي حد بعيد.


السيد شيلنبرغر وهو أيضا مؤلف كتاب (نهاية العالم أبدًا: لماذا يؤذينا التحذير البيئي جميعًا).. Apocalypse Never: Why Environmental Alarmism Hurts Us All، زاد من انتقاده لفكرة المشروع بوصفها بالرهيبة، عندما استضافه المذيع الأمريكي واسع الشهرة "تاكر كارلسون".


ليس السيد شيلنبرغر هو المعترض الوحيد، بل إن هذه النوعية من المشاريع والتي تسمي بالهندسة الجيولوجية للشمس كما ذكرنا، قد توقفت العديد من أبحاثها ومشاريعها لسنوات بسبب الاعتراضات العلمية عليها من علماء آخرين.


فريق المعترضين يري أن هذا التلاعب بالجو، ينطوي علي مخاطر لا يمكن توقعها مسبقا، مخاطر قد ينتج عنها تحولات شديدة في أنماط الطقس حول العالم، ستقودنا إلي مخاطر لا تختلف كثيرا عن خطر الاحترار العالمي الذي نشهده حاليا، بل قد تزيد عليه.


كسل السياسيين:


من ضمن سهام النقد المعقولة التي وجهت للمشروع كذلك، أن تمويله من بيل غيتس وتنفيذه بالفعل، سيعطي نتائج عكسية، حتى لو نجح في خفض درجة حرارة الأرض بالفعل.


مثلت معاهدة باريس لمكافحة التغير المناخي استثناءا تاريخيا، جعلها أكثر معاهدة وقعت عليها دول العالم، اذ وقع عليها ممثلين عن جميع دول كوكبنا بإستثناء دولتين فحسب، صورة تذكارية للتوقيع في ٣٠ نوفمبر ٢٠١٥، Presidencia de la República Mexicana, Flickr API, Public Domain 

وذلك من خلال إعطاء السياسيين وقادة الدول والحكومات ذريعة لتأخير التزاماتهم التي قطعوها علي انفسهم في معاهدة باريس للمناخ بالعمل علي خفض انبعاثات الغازات الدفيئة التي ترفع درجة حرارة الأرض.


وسيتصاعد الخطر من وجهة نظر هؤلاء في حالة ما اذا حقق مشروع بيل غيتس نجاحا جذريا وشعرنا بالتغيير الحقيقي، فحينها سيتوقف العالم عن تحسين نمط استهلاكه للطاقة، وربما عدنا لتلويث البيئة بأكثر مما نفعل اليوم.


قد يبدو الأمر في هذه الحالة شبيها بعلاج عرض أحد الامراض، دون علاج المرض ذاته، قد يعطي هذا فرصة للمرض بالتوغل أكثر في الجسد، رغم التحسن الذي سيبدو علي جسد المريض لبعض الوقت.


في حالتنا، يعني هذا تدميرا للبيئة بشكل أكبر، وبذلك ففي اليوم الذي سيتوقف فيه مشروع هارفارد الذي يموله بيل غيتس لأي سبب كان علمية أو مالية، سيجد العالم نفسه امام كارثة تفوق ما نواجهه اليوم بالفعل.


المقامرة:


إذن فنتيجة هذه التجربة، تبدو كنوع من المقامرة التي قد تصيب أو تخيب.


لا ينبني هذا التحليل علي أراء المعارضين للمشروع فقط، بل إن بعض علماء هارفارد المشاركين في المشروع يعتبرون أن "فكرتهم مرعبة".. هكذا بالضبط كان وصف ليزي بيرنز أحد مدراء المشروع.


لكن علماء هارفارد يبررون الرعب الذي يفكرون أن يدخلون البشرية في تجربته، وما قد تسببه تلك التجربة من جفاف علي نطاق واسع وأعاصير مدمرة وتدمير لمحاصيل زراعية في عديد من دول العالم، حيث لن تجد النباتات الأشعة الشمسية اللازمة لإجراء عملية التمثيل الضوئي الضرورية لنموه بل ولاستمراره حيا، يبرر علماء هارفارد كل هذا بأن تغير المناخ أيضا مخيف.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -