زدني معرفة

هونغ كونغ.. مسمار جحا الذي دقته بريطانيا في جنوب الصين

 في الساعات الأخيرة من الثلاثين من يونيو عام ١٩٩٧، تم إنزال العلم البريطاني من فوق هونغ كونغ، أمام ناظري رئيس الوزراء البريطاني وقتها "توني بلير"، والأمير تشارلز أمير ويلز ولي عهد المملكة البريطانية، ونجل الملكة إليزابيث الثانية. كان ذلك إيذانا بانتهاء احتلال دام ١٥٦ عاما -باستثناء ثلاث سنوات ونصف خلال الحرب العالمية الثانية خضعت الجزيرة فيها لحكم الإمبراطورية اليابانية قصيرة العمر-.



كان حفل إنزال العلم البريطاني من فوق هونغ كونغ حدثا مشهودا، غطته وسائل الإعلام الدولية، وحضره وفود من جميع أنحاء العالم، وشهادة لا تقبل الشك علي استيقاظ الصين أخيرا من نوم امتد لقرون. صورة من وكالة رويترز. 


بجوارهم كانت تقف مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية علي خشبة المسرح المغطاة باللون الأحمر، ومعها الرئيس الصيني حينها "جيانغ زيمين" الذي تهللت أساريره عندما رأي علم بلاده الصيني الأحمر ذو النجوم الخمس الذهبية، يرتفع علي الصاري، ايذانا بعودة هونغ كونغ للسيادة الصينية.


في أرجاء الاحتفال وقف عازفين يحملون الآلة الموسيقية الاسكتلندية "مزمار القربة"، وبجوارهم كان راقصين يؤدون رقصة الأسد الصينية الشهيرة، فرق الموسيقي العسكرية البريطانية والصينية أخذت في العزف، بينما انطلقت ألعاب نارية رائعة في احتفال استمر طوال الليل.


وبينما كان بضعة آلاف من سكان هونغ كونغ يتظاهرون محتجين علي العودة للسيادة الصينية، لم تمر سوي بضع ساعات حتى كانت قيادة "الحزب الشيوعي الصيني"، قد أرسلت أكثر من ٤ آلاف جندي من جيش التحرير الشعبي الصيني إلي هونغ كونغ، في الساعات الأولى من صباح أول أيام يوليو.


صدرت الصحف الصينية بعناوين رنانة في ذلك الصباح، جميعها تسابق عن إعلان عودة هونغ كونغ أو (ميناء فراجرانت باللغة الصينية) إلي حضن الوطن، وفي وقت لاحق من نفس اليوم، أدي الرئيس التنفيذي "تونغ تشي هوا"، والمجلس التشريعي المؤقت اليمين الدستورية.


نعم فهونغ كونغ يرأسها "رئيس تنفيذي"، لا رئيس ولا رئيس وزراء ولا ملك ولا أمير هنا... ففي هونغ كونغ أحد أنظمة الحكم المتفردة حول العالم والتي تثير المشاكل بين الفينة والأخرى.


كان الصينيين في ذلك اليوم يشعرون بالفخر الوطني، وسرت مشاعر عاطفية ودرامية في العروق.


لكن بقي إختبار اداء نظام الحكم هذا الذي اتفق عليه الصينيين مع البريطانيين قبل رحيلهم، خلال المفاوضات المعقدة والصعبة بينهم وبين الصينيين التي بدأت قبل ١٥ عاما (سنة ١٩٨٢)، بهدف عودة هونغ كونغ للصين.


ومع نظام الحكم المعقد كان اقتصاد هونغ كونغ الذي يعد أحد أكثر اقتصادات العالم تطورا وحداثة، و٦ ملايين شخص تذوقوا معني الديمقراطية في أحد المراكز المالية والتجارية الرئيسية في العالم، قد انصهروا جميعا في بوتقة واحدة ليخرج منها مسمار جحا صنع في بريطانيا، ودق في الخاصرة الجنوبية للصين، في هونغ كونغ أغني مدن الصين وأكثرها حرية، يوم تركها البريطانيين.


وفي الطريق لحدوث ذلك، مرت الكثير من الأحداث. 


حرب الأفيون الأولى:


نعود سويا إلي مارس ١٨٣٩، حينما اصدر حاكم أقليم هونان الصيني "لين تسي هسو" أوامره بتدمير ٢٠ ألف صندوق من مخدر الافيون، وأن يعود التجار الاوروبيين الذين حملوه لبلاده ليستقلوا سفن الأسطول التجاري البريطاني الراسخ قبالة سواحل هونغ كونغ.


كانت الإمبراطورية الصينية تحت حكم "أسرة تشينغ"، قد عزمت أمرها بالقضاء علي استيراد الأفيون البريطاني والذي كان يتم عبر منطقة "غوانجزو". وصممت تصميما أكيدا علي وقف التدخلات البريطانية في شئون الصين السياسية والاقتصادية والاجتماعية.


لكن التجار الأوربيين كانوا ومن خلفهم حكومات بلادهم يربحون مبالغ طائلة من هذه التجارة، بخلاف أن عبارة نابليون بونابرت التي كانت تحذر من استيقاظ العملاق الصيني من سباته العميق، كانت ترن في أذان الملوك والحكومات في أوروبا، لذا كان الافيون سلاحهم لجعل العملاق مدمنا لا يقوي علي فعل شيء، وفي ذات الوقت يحققون هم الربح الاقتصادي.


وهكذا، ففي سبتمبر عام ١٨٣٩، شن الاوروبيين بقيادة الإمبراطورية البريطانية، ما سيعرف في كتب التاريخ باسم "حرب الأفيون الأولى".



لوحة للسفينة البخارية الحديدية Nemesis التابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية، بقيادة الملازم دبليو إتش هول، تدمر وتغرق سفينة الينك حربية صينية في أنسون باي، 7 يناير ١٨٤١، الصورة من معروضات المتحف الحربي الوطني البريطاني، بلا حقوق متاحة للاستخدام العام. 


وفي الخامس والعشرين من يناير عام ١٨٤١، في ذلك اليوم، هبطت قوة من البحرية البريطانية لترفع العلم البريطاني علي الشاطئ الشمالي لهونغ كونغ، تلك الجزيرة الصغيرة الواقعة في دلتا نهر اللؤلؤ. وفي اليوم التالي مباشرة أعلن قائد القوة البريطانية أنه قد تم الاستيلاء علي الجزيرة باسم التاج البريطاني.


هونغ كونغ ليست مجرد جزيرة، بل منطقة إستراتيجية غاية في الأهمية، فهي حلقة الوصل بين بر الصين الرئيسي، وبين أكثر من ٢٠٠ جزيرة في بحر الصين الجنوبي تتبعها، وبخلاف ذلك فهي قليلة السكان مقارنة ببر الصين الرئيسي، ما يعني تكلفة مالية وبشرية أقل لبريطانيا لتضمن استقرار احتلالها.


مع حلول العام ١٨٤٢، كنا قد شهدنا انتصار بريطانيا الحاسم علي الإمبراطورية الصينية. وكم كانت هزيمة الصينيين باهظة الثمن، مع تنازل الصينيين عن هونغ كونغ.


كانت واحدة من أكثر الحروب التي تجلب العار في التاريخ، إنها حرب الأفيون، الحرب التي شنتها حكومة الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس، من أجل اغراق الصين بالأفيون.


واذا كان الاستعمار سيظل استعمارا تحت أي حال، فلقد كانت الحرب الاستعمارية التي شنت ضد الصين باسم حرب الافيون شاهدا حيا علي تدني أسبابها، والأهم أنها اغرقت الشعب الصيني في سنوات وعقود من ادمان واسع الانتشار لمخدر الافيون، لم تستطع التخلص منه الا بعد استقلالها واعادة وحدتها في أربعينيات القرن العشرين، وفرض عقوبات كانت الاكثر صرامة علي مستوي العالم سواء للتجار أو للمتعاطين.


نعود للحرب التي انتهت رسميا عام ١٨٤٢، بالتوقيع علي "معاهدة نانكينغ" بين الإمبراطور الصيني وملكة إنجلترا، وبمقتضاها أصبحت هونغ كونغ مستعمرة بريطانية.


كانت "معاهدة نانكينغ" واحدة من سلسلة معاهدات فريدة في القانون الدولي، سميت باسم "المعاهدات غير المتكافئة"، وهي مجموعة معاهدات فرضتها الدول الغربية علي الصين واليابان وكوريا، ووضعت فيها شروطا مجحفة بحق الدول الآسيوية. 


حرب الأفيون الثانية:


عندما حاول الصينيين المقاومة مجددا، والتحلل من الاتفاق الذي أجبرهم الأوروبيين عليه، عاودت بريطانيا للقتال من جديد، فشنت "حرب الأفيون الثانية"، والتي وضعت أوزارها عام ١٨٦٠ بهزيمة الصين مجددا، وحينها اضطر الصينيين لدفع فاتورة أكبر، بالتنازل لبريطانيا عن "كولون"، المنطقة المتبقية لهم في هونغ كونغ، وفقا لما عرف باسم "اتفاقية بكين".


ولفرض مزيد من السيطرة علي المنطقة، استأجرت المملكة المتحدة من الصين عام ١٨٩٨، أراض أضافية تعرف باسم "الأراضي الجديدة" تضم ٢٣٠ جزيرة نائية، تبلغ مساحة هذه الجزر مجتمعة ٣٦٥ ميلا مربعا، مع وعد باعادتها للصين بعد ٩٩ عاما. وبعقد الإيجار هذا، كان لزاما علي البريطانيين أن يغادروا عام ١٩٩٧. 


دق المسمار:


في مارس عام ١٩٧٩، كان السيد "موراي ماكليهوز"، الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ حينذاك في أول زيارة رسمية له للصين.


يومها التقي بعراب النهضة الصينية، والرجل الذي وضع أفكار وسياسات نهضة الصين، وبدأ تنفيذ سياسة الاصلاح والانفتاح، إنه "دنغ شياو بينغ" الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، ورئيس الصين يوم بدأت نهضتها الحديثة برؤيته هو نفسه.


لا ندري، هل كان ما قاله شياو بينغ يومها من أن بلاده ستعيد سيادتها علي هونغ كونغ بعد ٣٠ يونيو ١٩٩٧ صائبا ام لا؟... هل كان تمهيدا سياسيا ناجحا لم تم بعد ذلك بالفعل، ام كان تنبيها للبريطانيين الذين صنعوا مسمار جحا من يومها، ممسكين بشاكوش آخذين بدقه رويدا رويدا.



لقاء قمة تاريخي بين شخصيتين استثنائيتين في تاريخ أمتيهما، تاتشر سيدة بريطانيا الحديدية، ودينغ حكيم الصين وباعث نهضتها. 


لكن ما حدث بعد ذلك، وبالتحديد في العام ١٩٨٢، كشف أن الصينيين كانوا يضعون استرداد هونغ كونغ نصب أعينهم، وأنهم كانوا يخططون لاستردادها، وأن ما حدث كان لابد منه لتسير المياه في مسار عودتها لهم، ففي ذلك العام، بعثت المرأة الحديدية "مارجرت تاتشر" رئيسة الوزراء البريطانية، مبعوثا خاصا للقاء السيد شياو بينغ، إنه "إدوارد هيث" الشخص الذي سيصبح رئيس وزراء هو أيضا بعد ذلك بسنوات. أخبره العجوز الصيني الحكيم يومها أن بلاده ستسترد هونغ كونغ وأنها ستحكمها بسياسة "دولة واحدة ونظامان".


وعلي ما يبدو، كان حكيم الصين حازما، للدرجة التي جعلت السيدة تاتشر تحزم هي نفسها حقائب السفر لتطير إلي الصين في ٢٢ سبتمبر من نفس العام، لبحث قضية مستقبل هونغ كونغ.


وفي ١٩ ديسمبر ١٩٨٤، تم التوقيع على الإعلان الصيني البريطاني المشترك ، وهو معاهدة توافق على إعادة كل هونج كونج إلى الصين في منتصف ليل ٣٠ يونيو ١٩٩٧، في بكين بعد أربعة أشهر من المحادثات الصاخبة. وتم التصديق عليها في مايو ١٩٨٥. 


دولة واحدة، نظامين للحكم:


مجددا نحن في العام ١٩٩٧، سيغادر البريطانيين، لكن مسمار جحا سيبقي ذريعة لهم وللغرب عموما للتدخل في العلاقة بين هونغ كونغ والوطن الام "الصين".


ففي حالة متفردة من أنظمة الحكم حول العالم، فالعلاقة بين جمهورية الصين الشعبية، وهونغ كونغ، تعرف باسم دولة واحدة، ونظامين.


هذه المنظومة للحكم، جاءت وفقا للاتفاق بين البريطانيين والصينيين عام ١٩٩٧، والذي بمقتضاه انتهي الحكم الاستعماري البريطاني هناك.


هونغ كونغ وفقا للاتفاقية تسمي بمنطقة إدارية خاصة، وستظل علي هذا الوضع لمدة نصف قرن من تاريخ توقيعها، أي حتى عام ٢٠٤٧.


وحتى ذلك التاريخ، فمن المؤكد أنه ستظل تدور رحى المعركة الصامتة، والتي يعلو ضجيجها أحيانا، بين العاصمة الصينية بكين التي تود احكام قبضتها علي هونغ كونغ، وبين دعاة الاستقلال عن الصين.


الاتهامات تصدر بين الحين والآخر من معارضي الصين في هونغ كونغ، بأن الدولة العملاقة تتجاوز صلاحياتها وفقا للاتفاق المبرم. والغرب من ورائهم متحفز لأحدى القضايا التي يثيرون بها الجلبة ضد الصين وسياسة الحزب الشيوعي هناك. 


حركة المظلات:


في السادس والعشرين من سبتمبر ٢٠١٤ وحتى ١٥ ديسمبر ٢٠١٤، لفتت هونغ كونغ أنظار العالم إليها كما لم تفعل منذ استقلالها، ففي تلك الفترة اندلعت مظاهرات ضد الصين، عرفت باسم "حركة المظلات" لان المحتجين وقتها استخدموا المظلات بكثرة في مواجهاتهم مع الشرطة.



صورة لواحدة من مظاهرات حركة المظلات. 


وقتها قال المحتجون أنهم يطالبون بالديمقراطية متهمين الصين أنها السبب في حرمانهم منها، داعين لاجراء انتخابات "أكثر شفافية" للرئيس التنفيذي لهونغ كونغ، بينما اتهمت السلطات الصينية المحتجين بأنهم مدفوعون من الخارج، ويحملون أجندات اجنبية.


علي سبيل المثال، زار "جوشوا وونغ"، وهو أحد قادة حراك عام ٢٠١٤، الولايات المتحدة أكثر من مرة، والتقي بأعضاء الكونغرس الأمريكي، وأدلي هناك بشهادات عن ما يصفه بتراجع الحريات في هونغ كونغ.


من الأمور المثيرة للجدل أيضا في العلاقة بين الصين وهونغ كونغ، هو ما حدث عام ٢٠١٦، حينما اختفي عددا من بائعو الكتب في هونغ كونغ، ليظهروا بعدها في قبضة الشرطة الصينية. 


قانون التسليم:


في يوليو ٢٠١٩، عادت التظاهرات، وعادت هونغ كونغ لواجهة الاحداث من جديد، كان السبب هذه المرة مشروع قانون يسمح بتسليم "المجرمين" إلي الصين.


اعترض مناهضي الصين في هونغ كونغ، وكانت حجتهم هذه المرة، أنه سيساء تفسير واستخدام نصوص هذا القانون، بما يسمح بتسليم "المعارضين" للصين إلي سلطاتها. 


في الختام:


قد يبدو العام ٢٠٤٧ بعيدا، لكنه ليس كذلك في حقيقة الأمر، ولا أدل علي ذلك من كون العديد من دول العالم وضعت خطط مستقبلية لها منذ سنوات، تستمر حتى العام ٢٠٥٠. 



تشارلز أمير ويلز وولي عهد المملكة البريطانية؛ الرئيس الصيني جيانغ تسه مين؛ ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير ، ١ يوليو ١٩٩٧، الاحتفال باستعادة الصين للسيادة علي هونغ كونغ، (تصوير: ديالان مارتينز /  وكالة الانباء الفرنسية)


وفي الطريق لذلك العام الذي سيسبق احتفال العالم بمرور نصف القرن الحادي والعشرين، ستتضح الصورة أكثر في هونغ كونغ نحو العام الحاسم، في ملف من أكثر الملفات التي تثير السخط الصيني جراء دس انف الغرب فيه.


وفي الختام، نتذكر كلمة الأمير تشارلز يوم انسحبت بلاده من هونغ كونغ وهو يقول وكأنه يصف مسمار جحا: ((لن ننساك، وسنراقب باهتمام شديد، وهونغ كونغ تشرع في هذه الحقبة الجديدة من تاريخها الرائع)).

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -