زدني معرفة

معركة بحر الفلبين.. أكبر معركة حاملات طائرات في التاريخ

قلما تجتمع في معركة حربية كل هذا القدر من الأهمية التي اجتمعت لمعركة بحر الفلبين ((تعرف أيضا بمعركة ضربة الديك الرومي)) بين الولايات المتحدة الأمريكية والإمبراطورية اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية.


حاملة الطائرات اليابانية Zuikaku تتعرض لهجوم أمريكي، ويظهر كذلك مدمرتين يابانيتين في نفس الوضعية الصعبة، رغم هذه الوضعية الصعبة لن تغرق الحاملة اليابانية في هذه المعركة، صورة من البحرية الأمريكية، متاحة للاستخدام العام. 

التقطوا أنفاسكم فأنتم علي موعد مع التاريخ ذاته، في تفاصيل معركة حاسمة ومفصلية، غيرت ملامحه منذ وقعت ذات صباح وحتى يومنا هذا. 


سايبان:


التاسع عشر والعشرين من يونيو عام ١٩٤٤، يلتقي الجمعان، إنه الأسطول الياباني المشترك تمخر سفنه عنان البحر، وعلي الجهة المقابلة، تبدو قطع الأسطول الخامس الأمريكي وهي تبحر في شموخ، فيما بعد، سيذكر ذلك اللقاء علي الدوام كأكبر معركة حاملات طائرات حدثت في تاريخ الحروب.


يسعي الأمريكيين للوصول إلي سايبان، إنها واحدة من جزر ماريانا في غرب المحيط الهادئ، إنهم يريدون في النهاية إخراج اليابانيين من كل الجزر التي احتلوها في المحيط، ومواصلة هجومهم في وسط المحيط الهادئ الذي اكتسب قوة هائلة مع مطلع العام ١٩٤٤، بهدف نهائي هو الوصول إلى اليابان نفسها، سعيا للثأر من أصحاب الدائرة الحمراء التي شنوا عليهم حربا ضروسا منذ عامين علي حين غرة.


بينما يدرك اليابانيين جيدا، الخطر الشديد الذي سيواجهونه إذا ما سيطر الأمريكيين علي سايبان التي تبعد عن جنوب عاصمتهم طوكيو ١٢٠٠ ميل بحري فقط.


كان استمرار زحف الأمريكيين أكثر فأكثر نحو الجزر التي تتكون منها بلادهم هم وليست الجزر التي احتلوها. كان تهديدا وجوديا إذن، قد تتحول معه الإمبراطورية إلي دولة محتلة.


أما جزيرة سايبان نفسها فلقد ظلت تحت السيادة الإسبانية بين عامي ١٥٦٥ إلي عام ١٨٩٩، ثم خضعت للحكم الألماني حتى عام ١٩١٤، ثم الانتداب الياباني منذ عام ١٩٢٠، وهي حاليا منطقة كومنولث (منطقة معزولة الولايات المتحدة)، وهي مناطق ذات حكم ذاتي بموجب دستور معتمد، ولا يوجد حاليا سوي منطقتين معزولتين للولايات المتحدة الأمريكية، هما بورتوريكو وجزر ماريانا الشمالية، وسايبان واحدة منها.


دار القتال حول وفي جزر ماريانا بين الأمريكيين واليابانيين سبعة أشهر بين مايو ونوفمبر ١٩٤٤، وكانت معركة بحر الفلبين مجرد صفحة في كتاب الدم المسمي بمعارك جزر ماريانا. 


الوحدة ٥٨:


يسمي الأمريكيين قواتهم التي خاضت القتال المرير في معركة بحر الفلبين بفرقة العمل أو الوحدة ٥٨.


تحت قيادة القبطان المخضرم "مارك أندرو ميتشر" .. انه ابن الأكاديمية البحرية الأمريكية الشهيرة في أنابوليس ويحمل اليوم علي عاتقه شرفها العسكري.


بخبرة تزيد عن ثلاثة عقود، قضي كثيرا منها في المحيط الهادئ نفسه، عاصر خلالها سفن الأسطول الامريكي بتصميماتها القديمة، وهي تحمل علي ظهرها طائرة واحدة فحسب، حتى وصل إلي اليوم الذي يقود فيه أسطول من حاملات الطائرات والمدمرات والقطع البحرية المختلفة الأنواع والطرازات.


كان الادميرال مارك أندرو ميتشر يتمتع بخبرة كبيرة اكتسبها في الحرب العالمية الأولى، وفي عمله لسنوات في المحطات الجوية البحرية وكذلك في قسم الطيران بمكتب رئيس عمليات البحرية الأمريكية. 


رجال الإمبراطورية:


علي الجهة المقابلة، كان اليابانيين يراهنون علي رجلين من أفضل رجال الإمبراطورية في القتال بحرا.


نائب الادميرال الياباني جيسابورو أوزاوا، صورة التقطت في الفترة بين ١٨ نوفمبر ١٩٤٤ إلي ١٨ مايو ١٩٤٥، صورة متاحة للاستخدام العام. 


أما الأول فهو نائب الأدميرال "جيسابورو أوزاوا"، سيكون هو نفسه فيما بعد آخر قائد للأسطول الياباني المشترك، وسينظر إليه طويلا في تاريخ البحرية باعتباره أحد أكثر رجال البحرية اليابانية كفاءة، وخريج "الأكاديمية البحرية الإمبراطورية اليابانية" التي حري بها ان تفتخر بكونه قد خرج من بين صفوفها.


كان تخصصه الدراسي الرئيسي بعد تخرجه، في الكلية الحربية البحرية اليابانية هو الحرب البحرية بالطوربيدات، مع خبرة تزيد عن ثلاثين عاما في البحر... وكان يعتبر القائد التكتيكي لليابانيين في المعركة.


وأما الثاني، فهو "كاكوجي كاكوتا"، لقد حقق بالفعل شهرة واسعة لقيادته وحدات الطيران البحرية اليابانية في المحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية التي كانت تطحن رحاها العالم حينها.


هو أيضا خريج الأكاديمية البحرية الإمبراطورية اليابانية، وعاصر الحرب العالمية الأولى حيث خدم علي ظهر الطراد "أزوما"، وإن لم يدخل في قتال فعلي في تلك الحرب.


وفي معارك الحرب العالمية الثانية قاد الوحدة اليابانية الرابعة والتي كان ضمنها حاملة الطائرات "ريوجو"، مقدما الدعم الجوي للقوات اليابانية التي احتلت الفلبين، كما شارك في الغارات ضد القواعد البريطانية في الهند وسيلان عام ١٩٤٢، كما هاجم الأمريكيين في دوتش هاربور، وقاتلهم في معركة جزر سانتا كروز والمعركة البحرية في وادي القنال، وغيرها من المعارك الأخرى.


علق القادة اليابانيين أمالهم، وبنوا خططهم مجددا علي خوض معركة كبرى حاسمة يحطمون فيها أسطول الأمريكيين وطائراتهم، ويمنعوهم من امتلاك مكان حيوي متميز لشن ضرباتهم الجوية بالقاذفات ضد عمق بلادهم من خلاله. وهكذا تعلق مصير الإمبراطورية اليابانية علي نتيجة معركة واحدة.


وهكذا أيضا، كان كل شيء جاهزا لبدأ معركة تكسير العظام في بحر الفلبين، الأساطيل، الرجال، والقادة الكبار.


في الهواء:


مع صباح التاسع عشر من يونيو، دار القتال بشكل رئيسي في الجو بين الطائرات من الجانبين فوق سطح المحيط علي بعد مئات الأميال من سايبان.


اشتركت قطع السطح، وكذلك الغواصات في المعركة بشكل هام، لكن كلمة الحسم كانت للحاملات والطائرات علي متنها التي انخرطت في اشتباكات من مسافات قريبة للغاية، تسمي الاشتباكات من هذا النوع في عالم الطيران بالقتال التلاحمي، والمشار إليه بالإنجليزية بالdog fight. 



الملازم جونيور ألكسندر فراسيو، من السرب القتالي ١٦ "آيس"، يشير بستة أصابع للدلالة على "قتله" ست طائرات يابانية، "قتله" مصطلح يشير لتدمير الطيار لطائرة معادية وقتله قائدها، الصورة في ١٩ يونيو ١٩٤٤. التقطت على سطح حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس ليكسينغتون، صورة من متحف التراث البحري الأمريكي. 


كان الادميرال الأمريكي (ريموند أ. سبروانس) صاحب كلمة الافتتاح، وبصفته دارس لهندسة ميكانيكا المحركات، وذو خبرة قتالية عريضة ضد اليابانيين، صمم لهم الادميرال سبروانس مجزرة حقيقية.


وكنقطة نظام هنا، علينا التذكر أنه وعندما بدأ القتال كانت نتائج المعارك المستمرة بين اليابانيين والأمريكيين طوال عامين منذ معركة ميدواي عام ١٩٤٢، قد فرضت نفسها، فقد اليابانيين تفوقهم في مواصفات الطائرات وتدريب الطيارين الذي بدأوا به الحرب كثمرة لنظام صمموه بدقة لربط رأس المال بالكوادر البشرية بأفضل التقنيات التي تقدمها الصناعة اليابانية.


لقد كان أمرا خطيرا للغاية في بداية الحرب، أن يدخل الطيارين الأمريكيين في اشتباكات مع نظرائهم اليابانيين، وكان أفضل ما يمكن للأمريكيين فعله في تلك الأيام هو محاولة الصمود.


لكن، وفي معركة بحر الفلبين، كان الوضع قد تغير، لقد انخفضت الخبرة العامة لسلاح الطيران البحري الياباني بسبب الخسائر التي تعرضوا لها، خاصة في معركة وادي القنال، بينما تحسن مستوى الطياريين الأمريكيين بشدة، كما ساهم التفوق الصناعي الأمريكي في تغيير الوضع التكنولوجي الذي كان يصب في مصلحة اليابانيين.


اختلفت العقيدة القتالية للبحرية الأمريكية طوال تلك السنوات التي تعلموا فيها الكثير من الأشياء حتى استطاعت طائراتهم ليومين متتاليين أن تدق أعناق اليابانيين فوق بحر الفلبين، لتغيب الشمس اليابانية الحمراء.


خسر اليابانيين في القتال ثلاث حاملات طائرات وحوالى ٦٠٠ طائرة بحسب بعض التقديرات (منهم أكثر من ٢٠٠ طائرة وحاملتين خلال يوم القتال الأول). ويشير تقدير ثاني إلي أن اليابانيين خسروا أقل من ٥٠٠ طائرة.


علي أي حال، فلم يكن البحارة بالاسفل يمارسون اللهو، فلقد تم اغراق الحاملة اليابانية الأولى بطوربيدات من الغواصة الأمريكية يو اس اس الباكور، وبنفس السلاح الذي تخصص فيه ودرسه لسنوات "الطوربيدات" رأي الادميرال الياباني جيسابورو أوزاوا، بلاده تخسر الحاملة الثانية في ذات اليوم علي يد غواصة أمريكية أيضا هي يو اس اس كافالا.


أما في الجو، وكما ذكرنا كان الأمريكيين قد ادخلوا طائرات أكثر تقدما مثل الاف-٦، وبخلاف تدريب طواقمهم وامتلاك خبرات أعلى، أصبحت الدوريات الجوية الأمريكية تستخدم تقنيات التوجيه عبر الرادار، فكان المراقبين الأمريكيين يكتشفون مواقع الطائرات اليابانية ثم يقدمون احدثياتها للطياريين علي طبق من فضة، كثيرا ما تفاجيء اليابانيين بالطائرات الأمريكية تهاجمهم بعنف وبشكل مفاجئ ومن حيث لا يحتسبون.


هكذا أسس الأمريكيين لاستراتيجية قتالهم الجوي المستمرة حتى اليوم، بامتلاك أدوات تفوق تكنولوجية تمنح للطياريين الأمريكيين مميزات رؤية ورصد لاعدائهم قبلهم بوقت كافي، وفي القتال الجوي الذي يتسم طبيعيا بأنه يمكن حسمه في غضون لحظات، شكلت هذه الاستراتيجية مفتاح تفوق أمريكا ومن يستخدمون أسلحتها من حلفائها في كثير من حروبهم.


وربما يرجع سبب قصر زمن المعركة علي عظم نتائجها، أن اليابانيين ادركوا أنهم يتعرضوا لعملية طحن حقيقية، فأرادوا استجماع انفسهم بعيدا، في محاولة للقتال في يوم آخر. كما تقول الحكمة الانجليزية الشهيرة، وكما أوصي (سن تزو) الخبير الحربي الصيني في كتابه الشهير "فن الحرب" منذ آلاف السنين.


ابحر اليابانيين شمالًا نحو الملاذ الآمن في ميناء أوكيناوا، لكن الأمريكيين لم يتركوهم يهنأون بانسحاب آمن، فخلال عملية الإنسحاب تلك علت فاتورتهم في المعركة بغرق الحاملة الثالثة، وسقوط ١٠٠ طائرة.


وعند هذه اللحظة توقفت الطائرات عن الاشتباكات، وهدأت مدافع السفن، وقللت محركاتها سرعة الابحار، أمر الادميرال ريموند أ. سبروانس في وقت متأخر من اليوم التالي (٢٠ يونيو) بإيقاف الهجوم والضغط علي اليابانيين، لا يزال هذا القرار محل جدال واسع في أروقة الكليات والمعاهد البحرية حول العالم بين مؤيد ومعارض.


عندما انتهي الامريكيين في حصد خسائرهم، وجدوا الإجمالي ١٣٠ طائرة قد خسروها، وبعض الأضرار التي لحقت بسفنهم.


الختام:



بحلول مساء العشرين من يوليو كانت الوحدة الأمريكية ٥٨ قد نجحت في كسر ظهر الطيران البحري الياباني، وقوات حاملات الطائرات في الأسطول الياباني المشترك، كانت طوكيو واليابان كلها تعيش كابوس أسود.


سيموت القبطان الياباني "كاكوجي كاكوتا" بعد ذلك بعدة شهور، بالتحديد في نوفمبر ١٩٤٤. فمع اقتراب سيطرة الأمريكيين علي جزيرة تينيان -جزيرة من جزر ماريانا الشمالية- حيث مقر قيادته، حاول هو وطاقم قيادته بشكل متكرر الهروب في قوارب مطاطية للالتقاء في موعد تم تحديده مسبقًا مع غواصة يابانية.


لكن بعد عدة محاولات فاشلة، انسحب كاكوتا وطاقم قيادته إلى كهف على الساحل الشرقي لتينيان ولم يشاهدوا مرة أخرى. يعتقد أن كاكوتا قد انتحر بعد وقت قصير من هبوط الأمريكيين علي الجزيرة حتى لا يقع أسيرا في قبضتهم، وأن جثته دفنت في مكان سري من قبل من كانوا معه.


كانت هزيمة اليابان في معركة بحر الفلبين، ثم حسم الأمريكيين معارك جزر ماريانا الشمالية لمصلحتهم في نوفمبر ١٩٤٤، ممهدا لقدرة الأمريكيين علي شن الهجمات الجوية الثقيلة ضد المدن اليابانية نفسها، ثم ضربتي القنبلتين النوويتين في هيروشيما وناغازاكي، شاهدا علي أن بعض الهزائم تبقي نتائجها حاكمة علي مصير الشعوب لعقود متتالية.


لا تزال القواعد الحربية الأمريكية في اليابان إلي يومنا هذا، ولا تزال الامة اليابانية التي امتلكت تاريخا حربيا طويلا ولا يعوزها المال أو القدرة الصناعية والتكنولوجية، تمنع نفسها بنصوص دستورية عن امتلاك جيش كبير، وكل ما تملكه من قوات حربية هي قوات الدفاع اليابانية.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -