زدني معرفة

بالتفصيل.. كيف كشفت المخابرات الأردنية محاولة الانقلاب ضد الملك عبد ﷲ

 بدا مطلع شهر أبريل الماضي ساخنا في المملكة الأردنية الهاشمية رغم برودة الجو خلاله، فحينها تم الإعلان عن ما سمي فيما بعد بقضية الفتنة، القضية التي اتهم فيها رئيس الديوان الملكي الهاشمي السابق، وأحد كبار الشرفاء وعدد من الأشخاص الآخرين.

الملك عبد ﷲ يصافح أخيه الأمير حمزة، كلاهما كان ضابطا سابقا بالجيش الاردني، وكلاهما تخرج من أعرق أكاديمية عسكرية في العالم "ساندهرست" البريطانية، والملك كان قائدا سابقا للقوات الخاصة بالجيش الأردني. 

لكن الضوء سلط بشكل أكبر علي الأمير حمزة بن الحسين أخو الملك عبد ﷲ غير الشقيق، وولي عهده السابق، الذي أعفاه الملك من ولاية العهد قبل سنين. خصوصا بعدما أعلن رسميا أنه اشترك في اتصالات وصفت بأنها تهدف لزعزعة الإستقرار والامن في الأردن.

الملك عبد ﷲ حينها فوض عمه الحسن أخو الملك الراحل، والمتمتع بمكانة الأب الروحي للعائلة الحاكمة في الأردن بحل الأزمة مع شقيقه. وبالفعل نجح الأمير الحسن في جعل الأمير حمزة يعيد بيعته للملك عبد ﷲ ولأبنه وولي عهده، ولحق ذلك ظهور الأمير حمزة بصحبة الملك والامير الحسن عمهما في عدد من المناسبات الرسمية.

كان ذلك بمثابة منع لمحاسبة الأمير حمزة بسبب دمه الملكي، والذي حماه من المسائلة القضائية، ويراه البعض تصرفا اتسم بالحكمة وبعد النظر من الملك عبد ﷲ.

هذه الأيام عادت القصة بتفاصيل اكثر وضوحا خرجت للعلن. عن الفترة السابقة لما سمي في الأردن بقضية الفتنة، وما سمته وسائل الإعلام المختلفة بالانقلاب الفاشل.

مبايعة:
في تلك الاسابيع التي سبقت تحرك الأجهزة الأمنية الأردنية للسيطرة علي الأمر واحباطه، سعي بعض من مساعدين الامير حمزة، للحصول علي مبايعات من زعماء العشائر الأردنية، وكبار ضباط الجيش السابقين، إنهما أهم مكونات المجتمع الاردني الذي تحتل فيه العشيرة مكانة هامة، إذ تتكون الأردن أصلا من سبع عشائر كبيرة، وجيش ذو أهمية كبرى يحرص كل ملك علي كسب ولائه له.

هنا، بدأت أجهزة المخابرات الأردنية يتسرب لها معلومات عن ما يحاك في الخفاء، لقد التقط ضباطها واعترضوا محادثات هاتفية بين هؤلاء الساعين للتحرك ضد الملك.

ستكون هذه المكالمات التي تم اعتراضها هي الأدلة الأساسية في القضية التي اثارتها الأجهزة الأمنية الأردنية، واتهمت فيها عددا من الأشخاص بالتواصل مع الأمير حمزة بن الحسين... والتي يراها المحللون محاولة فاشلة من الأمير الذي فقد ولاية العهد، للإطاحة بأخيه غير الشقيق من علي كرسي الحكم.

نتحدث هنا عن اسمين بارزين بين كل المتهمين، باسم عوض ﷲ ، إنه وزير سابق للمالية ورئيس للديوان الملكي الأردني والمسئول الكبير في عدد من الشركات الكبرى في بعض دول الخليج.

معه أيضا الشريف حسن بن زيد، ابن عم الملك، والشرفاء في الأردن هي مرتبة رسمية تمنح لاقارب وأصهار العائلة الهاشمية، وعلي ما يبدو فلقد كان تورط الرجلان خطيرا وعميقا.

لقد عفي الملك عبد ﷲ عن معظم المتهمين في القضية قبيل نهاية شهر مضان الماضي، لكن هذين الأسمين بقيا رهن الاعتقال، وقيل وقتها رسميا أن السبب هو خطورة الدور الذي لعباه... وقد بدأت أولى جلسات محاكمتهما يوم الاثنين قبل الماضي في العاصمة الأردنية عمان.

مكالمات في مارس:
صحيفة الجارديان البريطانية والتي قالت انها استمعت لهذه المكالمات التي تم اعتراضها، واعدت تقريرا شاملا عنها. أوضحت أنها جرت علي مدار ثلاثة أسابيع خلال شهر مارس الماضي، وقتها كان الأردنيين العاديين يهتمون بإجراءات مكافحة فيروس كورونا المستجد كوفيد-١٩، والمكالمات تتم للإنقلاب، والأجهزة الامنية تجمع خيوطه بهدوء.

تلك الفترة، جري فيه ما وصفه أيمن الصفدي نائب رئيس الوزراء الأردني ووزير الخارجية، بأنه محاولة حشد والحصول علي دعم من مسئولين وزعماء عشائر للأمير حمزة.

كان الأمير حمزة بن الحسين يحرص علي توطيد علاقته بالعشائر، وكثيرا ما يحضر أفراحهم وأحزانهم، صورة من مواقع التواصل الاجتماعي. 

كان ما يجري وقتها هو أخطر مؤامرة تتم ضد الملك عبد ﷲ الثاني منذ جلس علي عرش أبيه وأجداده، عام ١٩٩٩، ليكون الملك الذي جلس علي عرشه مع نهلية قرن، وبداية قرن جديد.

اشتملت التسجيلات علي المصطلح العربي "مبايعة" إنه مصطلح معروف. بمعني واحد، اداء القسم لخليفة أو ملك، وكانت تلك الكلمات بالتحديد هي التي اطلقت عاصفة القلق من مسؤولي المخابرات الذين بدأوا في اخضاع ولي العهد الأردني السابق الأمير حمزة ومساعديه للمراقبة.

صراع العروش:
كان ما يحدث في الأردن حينها، انطلاقا لنسخة حقيقية من اللعبة الإلكترونية الشهيرة "صراع العروش"، كان فيها أثنين من أكبر أفراد الأسرة المالكة في الأردن قد أصبحا علي خلاف واضح، تورط فيه حليفين مقربين منهما في الأمس.

وعلي ما يبدو، تلقت الأردن تحذيرات خارجية كذلك مما يحدث، فوفقا لصحيفة الغارديان البريطانية أيضا، تلقت المخابرات الأردنية تحذيرات من الولايات المتحدة الأمريكية حول "مؤامرة" تدبر ضد الملك.

تقرير آخر تم تسليمه إلي الملك عبد ﷲ نفسه، كان ذلك تحركا أمريكيا لصالح الملك، بعدما اعتبرته إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مجمدا طوال ٤ سنوات كانت هي مدة حكمها، خصوصا بسبب موقفه الرافض لصفقة القرن التي كان عرابها "جاريد كوشنر" صهر ترامب.

جاء ذلك التحذير الأمريكي بعد أن قيل أن حاكم إمارة خليجية تواصل مع دبلوماسي أمريكي، طالبا داعم واشنطن لصعود ولي العهد الأردني السابق الأمير حمزة إلي العرش.

مزيد من المكالمات:
بحلول ذلك الوقت، كانت الأدلة تستمر في التجمع بجعبة الملك عبد ﷲ ، وأجهزته الامنية التي اعترضت المزيد من المكالمات الساعية إلي الحصول علي ولاء بعض المتنفذين في المملكة الأردنية.

في إحدى تلك المكالمات التي اجريت مع زعيم عشائري كبير، سمع صوتا يقول له: ((رجلنا اتخذ قراره بالتحرك، فهل ستبايعه؟)).

اجتماع آخر حضره شخصيات قبلية في شمال الاردن، تم تسجيل ما دار بين الرجال الحاضرين فيه، لقد تناقشوا حول كيفية تنظيم تقديم الدعم للأمير حمزة.

في ذلك الوقت، كانت اجتماعات المدنيين المشاركين في التخطيط للفتنة كما سميت في الأردن لا تزيد عن ١٥ شخصا، بينما اقتصرت اجتماعات العسكريين السابقين علي سبعة أشخاص فحسب.

حمزة:
الأمير حمزة بن الحسين أخو الملك غير الشقيق، وولي عهده السابق، الذي نحاه الملك عن ولاية العهد عام ٢٠٠٤، ثم نصب ابنه محله بعد ذلك، والذي تصر بعض وسائل الإعلام أنه لا يزال قيد الإقامة الجبرية، رغم ظهوره في عدد من المحافل الرسمية بصحبة الملك وعمهما وعددا من الامراء الآخرين.

الملك عبد ﷲ يوجه حديثه إلي الأمير حمزة. 

عند تفحص ما قيل ضده، نجد اتهامات بأنه استغل بعض السلبيات من أبرزها انتقاده ولومه لمأساة بسبب أهمال شهدته مستشفي في مدينة السلط الأردنية، وتوفي علي أثرها سبعة مواطنين.

أحد المسئولين أبلغ أن الامير حمزة جاء يومها إلي السلط مرتديا ربطة عنق شهيرة تخص والده الملك الراحل "الحسين".

أحاديث أخرى تذهب إلي وجود نصائح وجهت إليه من أصدقائه تقول له أنه لا ينبغي أن يلتقط له صور بصحبة أخوه الملك.

بحلول منتصف مارس / آذار، بعد تسليم التحذيرات إلى الديوان الملكي ومديرية المخابرات العامة الأردنية، يعتقد المسؤولون أن الأمير حمزة وجد مجموعة من الظروف سانحة له كفرصة لبدء حركته بزخم.

اذا تزامن حينها إحياء ذكرى معركة استمرت ٥٠ عامًا مع إسرائيل، مع تاريخ ميلاد حركة شبابية عمرها عقد من الزمن، وكذلك عيد الأم.

في تلك المرحلة، كان الأمير حمزة يسأل الجهات الخارجية التي اتهمته الحكومة بعد ذلك في الأردن رسميا أنه كان علي اتصال بها دون أن تحددها، كان الامير يسألهم عن نصيحتهم بشأن "كيف يمضي قدما؟".. جاءه الرد بأن هذه القرارات تحتاج إلي ردود مدروسة لتقديمها إليه. وانه حينما يحين وقت الضربة القاضية، فستعرف.

اللحظات الأخيرة:
في تلك اللحظات الأخيرة والتي ظن من تحالفوا ضد الملك عبد ﷲ أن ضربتهم القاضية تتجهز، دون ان يشعروا ان الضربة القاصمة الحقيقية لهم تنتظرهم.. حينها كان مساعدين الامير حمزة يقولون لمن تم تجنيدهم بالفعل أن الأمير عندما سيتحرك ، سيكون ذلك من أجل الوداجي.

مثلت هذه الصورة وحدة البيت الهاشمي من جديد علي ما يبدو، الملك يتوسط إبرز الأمراء، ابنه الحسين ولي عهده، والامير الحسن عمه ومن فوضه لإيقاف تحركات أخوه، والأمير حمزة، وعدد من أبناء عمومتهم، في زيارة لمقابر ملوك الأردن السابقين، الصورة الأصلية من وكالة الأنباء الأردنية الرسمية "بترا". 

والوداجي هو أحد أهم أوردة الجسم، وينقل الدم من الدماغ والوجه إلي القلب... في إشارة إلي ما حرص الأمير أن يتسم به تحركه في عيون الناس دوما، أنه تحرك من أجل المصلحة الشعبية.

بعض المصادر أشارت إلي أن هذه المؤامرة ربما مثلت كلمة ختام لأحداث جسام شهدتها المنطقة على مدار السنوات الأربع الماضية، كان أهمها محاولة كوشنر إطلاق ما يسمى بخطته "صفقة القرن" ، والتي مزقت كتاب القواعد بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

عارض عبد الله بشدة صفقة كوشنر ، باعتباره تهديدًا مباشرًا لوصاية المملكة على الأماكن المقدسة في القدس - وهو وجه رئيسي من جوانب الشرعية الهاشمية - وضربة للآمال في أن يتمكن عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين في الأردن يومًا ما من العودة إلى بلادهم.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -