زدني معرفة

الدخل الأساسي العام.. أن يكون لكل مواطن راتب ولو لم يعمل.. نظام قد يشهده العالم قريبا

 منذ بداية قصة الإنسان علي سطح كوكب الأرض وهو في بحث دائم عن الموارد اللازمة لتأمين احتياجاته، ومع تطور البشرية، تزداد احتياجات البشر جميعا يوما بعد يوم، مع اختلافها بين الأساسيات والرفاهيات حسب الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد.

والبشر، يختلفون في قدرتهم علي تلبية هذه الاحتياجات، وهناك الكثيرين من الذين لم ينجحوا حتى في الحصول علي فرصة للعمل، وبالتالي فلا فرصة لديهم لتحقيق الدخل، فيرزحون تحت وطأة الفقر، وتزداد احتمالية انجابهم لأطفال يواصلون مسيرة والديهم في الفقر مع ضعف مستوى تغذيتهم، والرعاية الصحية المقدمة لهم وضعف مستوي تعليمهم، ما يجعلنا أمام حالة فقر لأجيال متتالية.

ولطالما كان الفقر مصاحبا للبشر طوال التاريخ، وظل حلم القضاء عليه أو تخفيفه يراود عقل كل مصلح وعادل في التاريخ، ولعل من أبرز ما قيل في هذا المقام، مقولة تختلف المصادر حول قائلها أهو الفاروق عمر بن الخطاب ام الإمام علي بن أبي طالب -رضي ﷲ عنهما-: ((لو كان الفقر رجلا لقتلته)).

فكرة قديمة تتصاعد:
واليوم، نلحظ حالة عالمية متصاعدة تتحدث عن مفهوم ((الدخل الأساسي العام))، ذلك المفهوم الذي يلخص فكرة أن يكون لكل فرد في الدولة دخلا شهريا تدفعه له الدولة أو المؤسسات والمنظمات الخيرية بغض النظر إن كان من غير العاملين أو حتى يعمل وله راتب. فيحصل عليه الناس جميعا بلا شروط، فقط لأنهم مواطنين في الدولة.

الصورة الاصلية من "صور غيتي". 

ولنضع الامور في نصابها فإن هذه الفكرة ليست بنت عصرنا الحالي. فرغم أنه قد دعا إليها من عصرنا عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج، وثاني أغني رجل في العالم إيلون ماسك وحتى داعية الحقوق للأمريكيين السود في الستين مارتن لوثر كينج جونيور.

لكن الأمر أبعد من ذلك، فلقد وردت الفكرة لأول مرة قبل أكثر من خمسة قرون، بالتحديد عام ١٥١٦، في كتاب "الفلسفة السياسية" الذي كتبه السياسي والمفكر الانجليزي الشهير "توماس مور".

كان السيد مور يري أن اعطاء راتب للجميع، يحقق فائدة كبرى للمجتمع، لأنه سيشكل تجفيفا لأسباب جرائم السرقة واللصوصية.

تجارب عملية:
لدينا فنلندا علي سبيل المثال، الدولة التي يشار إليها بالبنان فيما يتعلق برفاهية شعبها ومدى سعادة الأفراد فيها.. فنلندا بدأت عام ٢٠١٧ في اعتماد سياسة "الدخل الأساسي العام" بشكل تجريبي، بمنحه لعدد ٢٠٠٠ شخص، وذلك لمدة عامين، دون أي شروط.

تجربة فنلندا التي قد تتسم بالمحدودية حتى الآن، عقبها "مشروع" تبناه رجل الاعمال الأمريكي "أندرو يانغ" الذي نافس الرئيس الحالي جو بايدن في انتخابات الحزب الديمقراطي لاختيار مرشح الحزب للرئاسة.

اقترح السيد يانغ ضمن برنامجه الرئاسي عددا من المقترحات، لكن أبرزها، وأكثرهم جذبا للأضواء نحوه كان مشروع "الدخل الأساسي العام"، ورغم أن السيد يانغ لم يفز أصلا بانتخابات الحزب الديمقراطي، فإن وضع هذه الفكرة في برنامج مرشح للرئاسة الأمريكية يجعلها تكتسب بعدا وزخما أكبر بكثير. خصوصا أنه يعد إعادة إحياء للفكرة ذاتها التي كان مجلس النواب الأمريكي قد وافق علي مشروع قانون لتطبيقها في الستينيات من القرن الماضي، لولا أن رفضه مجلس الشيوخ.

ولو فتشنا أكثر، سنجد أن جمعية خيرية في الهند طبقت نفس النظام بين عامي ٢٠٠٩ : ٢٠١٢، واعطت ل٦٥٠٠ شخص دخل أساسي عام. النظام أيضا طبق في هولندا، وطبق لفترة في كندا، ومن الدول الأفريقية طبقته كينيا. كما أن هناك أنظمة مطبقة داخل مصر بنفس الفكرة تقريبا، لكنها تختص بقطاعات معينة مثل معدومين الدخل أو أصحاب الإعاقة الغير قادرين علي الكسب أو كبار السن، والذين ليس لديهم مصادر دخل.

علي الصعيد العربي، لدينا أيضا دراسة أعدها "صندوق النقد العربي" في مارس ٢٠٢٠ تناولت مسألة تطبيق الدخل الأساسي العام وإمكانية تطبيقه في الدول العربية.

إذن فهناك حالة من رواج التفكير في هذا الأمر، بين المثقفين والفلاسفة والاقتصاديين، ولكن علي ما يبدو فإن هذا الأمر قد يكون أمامه بعض الوقت لينزل حلبة الواقع بشكل واسع.

فلسفة الفكرة:
يرى مؤيدي تلك الفكرة، أن المجتمعات التي تتشارك في ثرواتها، تكون مجتمعات أكثر أمنا، قوة، وتماسكا. وسيشعر الناس بأن وضع "عدم التساوي" بينهم يذوب تدريجيا.

هذا بالطبع بخلاف الأثر الذي تحدثنا عنه من انخفاض مستويات الجريمة، ومحاربة الفقر، والقضاء علي الجوع، وتمكين الناس من الحصول علي رعاية صحية بمستوي أفضل.

فنجد من يطرحون فكرة الدخل الأساسي العام، يقولون لماذا لا نخصص نسبة من ميزانية الدولة، ولتكن ١٠٪ علي سبيل المثال، ونقسم هذه الأموال بالتساوي بين المواطنين. ويطرح البعض فكرة تقسيمهم لشرائح، تحصل أدناها علي حصة أكبر، وذلك علي اعتبار أن هناك من يعملون بالفعل ولديهم دخول ينفقون بها علي أنفسهم وعائلاتهم، فتكون حصتهم أقل من الذين لا يعملون.

بشكل أوضح، قد تتعلق مسألة الدخل الأساسي العام بالعقد الاجتماعي نفسه، والعقد الاجتماعي ببساطة هو عقد غير مكتوب بين الدولة والمواطنين، يلزم الدولة بتوفير احتياجات المواطنين الأساسية بخلاف الأمن الداخلي والدفاع الخارجي، مقابل التزام المواطنين بالقوانين والنظم التي تضعها الدولة... هنا قفزة كبيرة تجعل الدولة تتحمل مسؤولية جديدة من نوعها، بهدف نهائي يرمي لجعل المجتمع أكثر أمنا، ونفوس الناس فيه أكثر اطمئنانا مع شعورهم بأن هناك حماية يتلقونها من الدولة.

بعض المتفائلين بأثر تطبيق هذا النظام، أنه وإن كان سيقتطع جزء ليس بالقليل من ميزانية الدولة، فإنه وفي الوقت ذاته سيوفر نفقات باهظة كانت تنفق علي السجون وتطوير جهاز الشرطة ومنظومة القضاء الجنائي، وذلك لأن طائفة اللصوص ومجرمين جرائم الأموال ستقل نسبتهم بصورة ضخمة، بخلاف تقليل الأموال التي تنفق كذلك علي أنظمة الرعاية الاجتماعية المختلفة.

لكن ما قد يعد أحد أهم نقاط قوة هذا النظام. أنه سيكون مرحبا به لدي معظم مواطني دول العالم، ولنضرب مثالا حيا علي ذلك، فدولة كإسبانيا وهي دولة ذات اقتصاد جيد، وعندما اعلنت الحكومة اليسارية فيها عن نظام اعانات وقت جائحة كورونا، تلقي الموقع الإلكتروني المخصص لاستقبال طلبات المواطنين الإسبان خلال أول أربع ساعات من اطلاقه، أكثر من خمسين ألف طلب.

تأثير كورونا:
وكعادته منذ عرفناه في ديسمبر ٢٠١٩، كان لفيروس كورونا المستجد كوفيد-١٩، أثرا في كل نواحي الحياة تقريبا. وصلت أيضا لطرح "الدخل الأساسي العام" بصورة أقوي وأمثر إلحاحا.

وجد المؤيدين لتلك الفكرة في الفيروس وارتداداته الاقتصادية الكبرى جراء الإغلاق الاقتصادي، وفقدان الكثيرين حول العالم وظائفهم بشكل دائم أو مؤقت، فرصة لتعزيز وجهة نظرهم وعرضها بشكل أوسع سياسيا وإعلاميا.

بشكل عام، كان هناك تطبيقات وتجارب ولو مؤقتة في كثير من الدول حول العالم للدخل الأساسي العام، بصرف اعانات علي سبيل المثال للمتضررين من الإغلاق الاقتصادي، وفي مصر علي سبيل المثال، صرفت الحكومة لهؤلاء خمسمائة جنيه شهريا علي مدار ثلاثة شهور متتالية. نفس الشئ نفذه "بيت الزكاة والصدقات" التابع للأزهر الشريف.

لكن، علينا هنا إدراك نقطة حاكمة رئيسية، وهي أن الناس في أوقات الجائحة أو الكوارث الطبيعية أو البيئية، قد يدعمون سياسة الدخل الأساسي العام أكثر من الأوقات العادية حينما تسير الأمور بصورة طبيعية. ففي هذه الأوقات الاستثنائية يشعر الناس بمزيد من القلق، المجتمع بالكامل يكون خائفا من تبعات ما يحدث، وهذه بيئة خصبة للأمراض النفسية، وحتى لارتفاع معدلات جرائم الاعتداء علي النفس أو المال، لذا قد تكون سياسة الدخل الأساسي العام بمثابة البلسم في تلك الأوقات.

انتقادات:
ولأن كل فكرة بشرية مهما كانت رومانسية أو حالمة أو تسعي للخير، هي محل للنقد، فإن فكرة الدخل الأساسي العام، تعرضت كذلك للانتقادات.

أول تلك الانتقادات كان أنها ستشجع فئة الكسالي في المجتمع على زيادة كسلهم، فطالما سيحصلون على راتب كل شهر، فما الحاجة لتخليهم عن كسلهم وقعودهم عن العمل والانتاج، وهذا في النهاية يؤدي لتعطيل جزء من المجتمع عن الإنتاج.

صورة من رويترز. 

ومن رحم الانتقاد الأول، خرج ثاني الانتقادات المتمثل في غياب العدالة في ذلك المقترح، فبينما سيكون هناك فئة من المجتمع تعمل وتكدح وتنتج، فإنها ستتعرض لاقتطاع مبالغ مالية حققتها ودفعتها للدولة بشكل ضرائب أو رسوم، وبدلا من استخدامها في تحسين مستوي الخدمات العامة كالطرق ووسائل النقل والمواصلات والمستشفيات والتعليم، فإن تلك الأموال ستذهب للانفاق علي تمويل الدخل الأساسي العام. الذي سيعطي تلك الأموال في نهاية المطاف لمن لا يعملون.

الانتقاد الثالث للفكرة أنها وإن كانت تصلح للتطبيق في الدول ذات الكثافات السكانية الصغيرة، فإن هناك بعض الدول ذات كثافة سكانية تحتاج مبالغ خرافية لتغطية نفقات الدخل الأساسي العام.

الانتقاد الرابع، أن هناك طبقات تعاني من ضعف الثقافة وضعف رؤيتها للمستقبل، فستتسلم تلك الأموال وتشعر ببعض التحسن الاقتصادي، فتنطلق للانجاب بكثرة، الأمر الذي يمكن تشبيهه بأن الدولة ستعطيهم مطرقة لهدم اي نجاح اقتصادي في أي مال أو ملف آخر.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -