زدني معرفة

جان دارك.. مراهقة هزمت جيش إنجلترا.. تراها الكنيسة قديسة ويراها الأطباء مريضة نفسيا

 يقال أن الناس يسعون دوما لنقش أسمائهم في سجلات التاريخ فينسب لهم الفخر والعظمة والمجد، لكن المجد الحقيقي أن يسعي الإنسان في جادة الصواب، سواء ذكره التاريخ ام لم يذكره، بل يعلو بعض من أصحاب الهمم والعزائم، فتراهم يفضلون أن يذكرهم حاضرهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، لكي تأتي الأجيال اللاحقة، وتصوب الاوضاع الخاطئة، وتعطي لهم حقوقهم.


جان دارك تقود سلاح الفرسان الفرنسي وسط وابل من السهام المطلقة من رماة الأقواس الطويلة الإنجليزية في معركة باتاي التي وقعت بعد وقت قصير من دورها الملحمي في معركة أورليان، الصورة الأصلية بريشة تشارلز بومان، من صور ايدج فوتوستوك. 

مثال هؤلاء الأبرز في التاريخ الفرنسي، كانت جان دارك، التي اعدمت ذات يوم بتهمة الهرطقة، ثم صارت "قديسة". صارت سانت جان دارك، أو خادمة أورليان، أو لابو سيل دورليان.

حرب المائة عام:
كانت إنجلترا وفرنسا تخوضان حربا طويلة ومريرة، اندلعت بسبب تدخل إنجلترا في صراع الأسرة الحاكمة الفرنسية حينها، حول من سيتولي العرش، ستستمر تلك الحرب قرنا من الزمان، وستسمي بعد ذلك باسم حرب المائة عام.

وسط تلك المعارك التي بدا أنها لن تتوقف، وفي مقاطعة اللورين الفرنسية، كان هناك فلاحة بسيطة تسمي "جان دارك" وهي من مواليد عام ١٤١٢، لأب فلاح فقير يعمل أجيرا، وزوجته "إيزابيل" التي ستعلم ابنتها التدين والورع.

بين التخيلات والأوهام:
عاشت جان طفولتها وجزء، في الريف كسائر الفلاحين الكادحين من طبقتها.

لكن جان آمنت بأنها "مبعوثة" من ﷲ لتقود فرنسا إلي النصر النهائي والحاسم في الحرب الطويلة ضد إنجلترا. ففي سن الثانية عشر من عمرها، بدأت جان تحكي لمن حولها أنها تري وتسمع أصوات قديسين مثل القديسة كاترين الاسكندرانية -صاحبة كنيسة سانت كاترين التي تقع حاليا في المنشية بالإسكندرية-، والقديسة مارجريت الأنطاكية المعروفة بالقديسة التي غلبت الشيطان، كما تري وتسمع بعض الملائكة.

لوحة تجسد جان دارك وكأنها تتلقي رسالة من مبعوث من السماء. 

كانت الأصوات تأمرها بالقيام بعمل ذو أهمية قصوى، إنقاذ فرنسا بطرد أعدائها الإنجليز منها، وتنصيب تشارلز كملك شرعي عليها.

لكن قراء التاريخ من الأطباء النفسيين المتخصصين، وبناء علي ما لديهم من مصادر، شخصوا جان دارك بأنها كانت مصابة باضطرابات نفسية تتراوح بين الصرع إلي الفصام. 

حصار أورليان:
في تلك الاثناء، لم تكن ريح الحرب تأتي بما تشتهي سفن الفرنسيين، فالانجليز وصلوا إلي قلب بلادهم، والشمال بالكامل أصبح خاضع للانجليز، ومدينة أورليان محاصرة وبداخلها ولي عهد المملكة الفرنسية "تشارلز دي فالوا"، ومعه جيش بداخل المدينة التي صمم الإنجليز علي دخولها.

ولا أحد يدري ما هي الوسيلة التي استخدمتها جان دارك لاقناع ولي العهد الفرنسي بأنها وهي الفلاحة في سن المراهقة -كانت في الثامنة عشر-، والتي لا تملك أي خبرة قتالية أو معرفة بقيادة الجند وتكتيكات المعارك، تستطيع قيادة الجيش بل وتحقيق الانتصار به.

جان دارك في حفل تنصيب تشارلز ملكا علي فرنسا، حقوق الصورة الاصلية للرسام أوغست دومينيك إنجرس، رسمها عام ١٨٥٤، من معروضات متحف اللوفر، باريس. 

قد يكون اليأس هو من دفع الأمير تشارلز لتصديق تلك الفلاحة التي تدعي أنها مبعوثة من ﷲ لتحقيق النصر، فاليأس قد يدفع الإنسان لفعل أي شئ، وكل شئ. وقد يذهب البعض للقول بأن جان دارك ذاتها قد تكون صنيعة الأمير تشارلز، في وقت كانت أوروبا تودع فيه عصرا سمي بعصر الإيمان، تعم فيه الأمية والجهل، وتكثر فيه الأساطير وتترعرع قصص المعجزات، ولذا فإن فتاة بتلك المواصفات، ستكون حافزا لا مثيل له لجنوده للقتال والموت من أجله، وعلي اي حال فلقد كان لجان دارك حضورا أسطوريا في حفل تنصيب تشارلز ملكا علي فرنسا.

الانتصار:
لكن من المؤكد، أن حتى الإنجليز اصيبوا بالدهشة، حينما شاهدوا الفرنسيين يشنون هجوما لكسر حصارهم لأورليان، بقيادة فتاة تمتطي حصانا قويا وتقود جيشهم.

جان دارك ترفع العلم علي أبواب أورليان مع ظهور بشائر النصر علي الجيش الانجليزي، الصورة الأصلية بريشة جول يوجين لينبفيو ، رسمت بين عامي ١٨٨٦ : ١٨٩٠، لوحة متاحة للاستخدام العام. 

كان انتصار الجيش الفرنسي علي إنجلترا في "أورليان" خلال حرب المائة عام، انتصارا هائلا. لم يكن فقط إنهاء لحصار ولي العهد والجيش داخل أورليان، بل دحر كامل للمحاولة الانجليزية القوية والجادة والتي كادت تنجح في غزو فرنسا واحتلالها.

الأسر:
بالتأكيد، استشاط الإنجليز بداية من الملك إلي اصغر جندي في جيشهم من تلك الفتاة التي كسرتهم في أورليان.

لم ينسي الإنجليز الفلاحة التي أذلتهم في أورليان، فقرروا أن لا يرحموها، خططوا لذلك، ونجحوا في أسرها بعد عام واحد فقط من هزيمتهم، بمعاونة بعض المتعاونين معهم من الفرنسيين. في وقت كانت الروح الوطنية الفرنسية قد خفتت في نفوس الكثيرين.

فنجد علي سبيل المثال أنه وعندما نجح الإنجليز بالفعل في أسر جان دارك.. نجد أن أعضاء هيئة التدريس بجامعة باريس، وكانت باريس يومها تحت سيطرة ملك إنجلترا.. قد بعثوا برسالة للملك قالوا فيها:
((لقد سمعنا مؤخرا أن تلك المرأة، قد تم تسليمها إليكم، إنه يجب علينا أن نتوسل إليكم بتواضع، أيها السيد الاكثر اثارة لرعب الآخرين، والأكثر سيادة عليهم، لكي تأمر بتسليم هذه المرأة قريبا إلي يد عدالة الكنيسة)).

وبناء علي ما كانت جان تقوله عن نفسها من سماع ورؤية قديسين وملائكة، كانت التهمة الاكثر ملائكة لحالتها هي الهرطقة والسحر، وفي الثلاثين من مايو عام ١٤٣١، تم إعدامها حرقا علي العمود تنفيذا لحكم محكمة كنسية حاكمتها محاكمة صورية حركتها الدوافع السياسية.

حرق جان دارك بتهمة البدع والهرطقة، حقوق الصورة الاصلية ل© Photos.com/Jupiterimages

لكن ذلك الأعدام أتي بثمار عكسية وقفت في حلق الإنجليز، إذ تحولت جان دارك في عيون الفرنسيين إلي "بطلة قومية"، وايقظت الوعي القومي لهم فأشعلت نفوسهم غضبا ومقاومة ضد الإنجليز.

رد الاعتبار:
لكن رد الاعتبار الحقيقي لجان دارك، قد حدث بعد انكسار وطني جديد لفرنسا في الحرب الفرنسية ضد بروسيا "وهو اتحاد لبعض الولايات الالمانية"، والتي انتهت بهزيمة الفرنسيين، وتنازلهم عن جزء من اراضيهم.

فتش الفرنسيين وقتها في دفاترهم عن رموزهم التاريخية التي يستمدون منها العزم في لحظات المرارة واليأس، فوجدوا جان دارك.

تحولت جان دارك سريعا إلي رمز لاستقلال فرنسا وقوتها، حتى أن البحرية الفرنسية اسمت احد الطرادات المدرعة الحديثة لديها في ذلك الوقت باسم "جان دارك".

الفتاة التي قاتلت واعدمت منذ قرون تحولت لرمز بطولة علي مستوي دولي، حتى وصلت للولايات المتحدة الأمريكية، وطبع هناك ملصقات بواسطة وزارة المالية الأمريكية خلال الحرب العالمية الأولى كتب عليها: "أنقذت جان دارك فرنسا. يا نساء أمريكا، أنقذن بلادكن--اشترين طوابع المدخرات الحربية".

الملصق الذي طبعته وزارة المالية الأمريكية أبان الحرب العالمية الأولى، وهو رسم للفنان كوفين هاسكيل عام ١٩١٨، حقوق الصورة الأصلية لشركة الولايات المتحدة الأمريكية للطباعة والمطبوعات الحجرية، نيويورك، ونشرتها المكتبة الرقمية العالمية. 

وذلك تشجيعا لهن علي شراء تلك الطوابع التي كانت تخصص لتمويل المجهود الحربي الأمريكي، وبالفعل أقبل علي شراءه الأطفال الصغار، وصغار المدخرين من الرجال والسيدات.

بعد ما يقارب الخمسة قرون، وبالتحديد في ١٦ مايو ١٩٢٠، اعلنت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أن جان دارك "قديسة".

تعليقات
تعليقان (2)
إرسال تعليق
  • أبو بلال محمد
    أبو بلال محمد 2 يونيو 2021 في 3:52 م

    أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    إرسال ردحذف
    • أبو بلال محمد
      أبو بلال محمد 2 يونيو 2021 في 3:54 م

      أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

      إرسال ردحذف



      وضع القراءة :
      حجم الخط
      +
      16
      -
      تباعد السطور
      +
      2
      -