زدني معرفة

سيارات "ماء الظربان" العادم.. سلاح إسرائيلي جديد ضد الفلسطينيين

 علي ما يبدو، فإن الشعب الفلسطيني عليه مواجهة الأسلحة الحربية الإسرائيلية التقليدية من طيران حديث وقصف من البحر ومن المدفعية كذلك، بخلاف طبعا أسلحة الشرطة من رصاص حي ومطاطي وغاز مسيل للدموع وحتى فرق الخيالة أحيانا.

تبدو كل تلك الأسلحة، كأشياء سمعنا عنها في نشرات الأخبار وقرأناها في ورق الصحف أو حتى شاشات هواتفنا الذكية في نقل تلك الأخبار.


صورة من AFP. 

لكن، وعلي ما يبدو أيضا، فإن هناك سلاح جديد في جعبة الإسرائيليين ابتكروه لجعل مهمة الفلسطينيين في المقاومة أو حتى الاحتجاج، أكثر صعوبة، إنها سيارات الماء العادم أو "ماء الظربان"، التي تستخدمها الشرطة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين خصوصا في القدس والضفة الغربية، التي تشبه كثيرا عملية رش الحشرات بالمبيد.

سلاح:
والحقيقة أن ماء الظربان أو skunk water باللغة الإنجليزية، صنف أساسا باعتباره "سلاح"، فهذه ليست مبالغات نكتبها... ويسمي باللغة العبرية "بوآش" وهو الحيوان الامريكي الاصل المسمي "الظربان"، والذي يستطيع بعث روائح كريهة تصل حتى ٦٠ قدما، كسلاحه الوحيد الذي وهبه له ﷲ للدفاع به عن نفسه ضد المفترسات، فيبعدهم عنه اتقاءا رائحته.

لكن هذا السلاح يندرج تحت فئة "الأسلحة غير الفتاكة"، أي الأسلحة التي لا تقتل ولا تسبب جروحا أو كسورا بالجسد... وهو بالتبعية -حسبما أعلنت الشرطة الإسرائيلية لا يحتاج لالتزام الجنود المشغلين له بتعليمات استخدام باقي أنواع الأسلحة-، وهو ما فتح الباب لانتقادات عنيفة، خصوصا أنها مؤيدة بحالات مسجلة لاساءة الاستخدام من طرف أطقم تلك الشاحنات ضد الفلسطينيين حتى القابعين في منازلهم، وصلت أحيانا إلي حد التسلية.

سيارة ماء الظربان ترش مركبها العفن المنتن، صورة من مركز معلومات وادي حلوة. 

ولفهم هذا المركب بدقة، فهو خليط يقول الإسرائيليين أنه غير كيمائي، سري التكوين، يجهز في المختبر من مواد عضوية يعرف منهما مادتين هما "البروتين والخميرة" بينما بقية المكونات طي الكتمان، وتتم اضافته للماء، ثم يرش من شاحنات مصفحة من صنع شركة "مان" الألمانية، خصصها الإسرائيليين  لذلك الغرض، بخزاناتها التي اضافوا إليها هذا السائل.

وماء الظربان حين يرش ويطير في الهواء وكأنه ضباب أصفر اللون، يلتصق بالجسد لفترة ويجعل منه مبعثا لرائحة نتنة وكريهة تشبه تماما رائحة الصرف الصحي، وبهذه الوسيلة، تنفض المظاهرات، فلن يطيق أحد رائحته، ومن باب أولى لن يطيق أحد السير في مظاهرة بتلك الكيفية.

استخدام واسع:
هذا الماء تبقي رائحته التي تشبه الصرف الصحي ورائحة جيفة حيوان ميت معا، في موقع إطلاقه، فهو أيضا يتفاعل مع الهواء. ويعود من يصاب به ادراجه فورا للاغتسال، لا بالماء والصابون كباقي البشر، بل عليه استخدام مواد مطهرة أكثر قوة تصل للسبرتو أحيانا.

البعض شبهه برائحة لحم متعفن مع جوارب قديمة لم تغسل لأسابيع مع رائحة الصرف الصحي اللاذعة، كل ذلك معا.

شباب فلسطينين في مواجهة سيارة الماء العادم، صورة من AFP. 

الإسرائيليين استخدموا هذا السلاح لأول مرة منذ ما يقارب عشرة سنوات من اليوم، وبالتحديد في مارس عام ٢٠٠٨ في وجه مظاهرات فلسطينية ضد الأستيطان... ومنذ ذلك الحين تم التوسع في استخدامه، لا ضد التظاهرات فحسب، بل تمر السيارات لرش منازل الفلسطينيين في حالة قد تصنف باعتبارها عقابا جماعيا، أو حتى علي أمل دفع أهالي البيوت التي ترش بهذا السائل للغضب من المتظاهرين وطلب منهم فض المظاهرة التي تجلب عليهم هذا الوبال الذي يعشش في منازلهم لأيام متواصلة مهما غسلوها بكل أنواع المنظفات، خصوصا في الأوقات التي تندلع فيها مواجهات بين الطرفين.

وإن كانت سيارات المياه العادمة المزودة بمدافع نفث المياه، هي أبرز وسيلة لرشه، وخصوصا مع إمتلاكها مدافع رش قوية تصل لمسافات بعيدة، ويمكنها حتى ان ترش طوابق مرتفعة في بنايات مسكونة كما ظهر في فيديوهات متعددة لها... كما أن القوة تشمل كذلك "ضغط" اندفاع المياه الذي يستطيع تحطيم نوافذ المنازل، ويالتعاسة حظ من تدخل بيته، ففي هذه الحالة سيضطر علي الأرجح لتغيير جميع مفروشات منزله.

رغم ذلك، فإن الإسرائيليين كانوا أصلا قد بدأو استخدامه عبر أوعية خاصة يحملها الجنود علي ظهورهم، ويخرج منها انابيب ويرشون من خلالها، بل وحتى بعض أنواع طائراتهم دون طيار المحلية الصنع يمكنها رش المظاهرات به...

سيارات المياة العادمة، كانت من ضمن الوسائل الإسرائيلية مؤخرا في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية حيث تحاول الحكومة الإسرائيلية بشتي الطرق طرد ثماني عائلات فلسطينية من منازلهم بالحي لاتمام عملية تهويده. كما أعلنت المنسقة الطبية لدى منظّمة "أطباء بلا حدود" في فلسطين، الدكتورة ناتالي ثورتل أن الناس في القدس تم رشهم بهذا السائل.

مشكلات لسيارات الأسعاف:
يتفاقم تأثير تلك المياه عندما يصاب أحد الفلسطينيين اصابة تستدعي جلب الإسعاف له، ويكون في نفس الوقت قد تم رشه بماء الظربان العادم.

سجلت سيارات الإسعاف الفلسطينية حالات بقاء هذه الرائحة النتنة لأسابيع، ولازالتها يحتاج أفراد طواقم الاسعاف لاشعال الفحم بداخل السيارة وغسلها يوميا لمدة تقارب الاسبوع.

أضرار اقتصادية:
هذا الماء، بهذا التوصيف، لا يقف عند حده كونه سلاحا لتفريق المظاهرات.. فعندما يبقي في المنطقة التي رش فيها لأيام متتالية، فسيكون عائقا أمام الحركة الطبيعية بها.

سيزداد الضرر علي من يملك نشاطا أو محلا تجاريا في هذه المنطقة، وخصوصا إذا ما تعلق الامر بنشاط المطاعم أو خدمات الغذاء، بطبيعة الحال لن يشتري أحد طعاما وهو يشم رائحة الصرف الصحي في الاجواء.

كذلك فإن محلات الأقمشة أو الملابس تصاب بخسائر أكثر فداحة، اذ يضطر اصحابها للتخلي عن أي بضاعة تمسها تلك المياه. ما يمثل لهم وكأنه حريق أتي عليها.

بشكل عام، ولمدة ستزيد عن أسبوع، فإن من سيمر بالمنطقة التي تم رشها بهذا السائل، سيحتاج لتغطية أنفه بالمناديل، فما بالنا بسكان هذه المناطق، أو أصحاب المحلات التجارية والمصالح الموجودة بها.

بعض الفلسطينيين يعتقدون أن فرك الأسطح المرشوشة بماء الظربان بالكاتشب ثم غسله، يفلح في تقليل الرائحة العفنة.

الصحة كذلك:
الاضرار كذلك لا تتوقف عند الرائحة وارتدادها السلبي علي التجارة، فهناك أضرار صحية أيضا، فعند ملامسة هذا السائل للجلد يصاب بتهيجات، واذا ما أصاب العين فإن الشخص يعاني من إحمرار وآلام بها، كما قد يكون بعض الأشخاص من سيئي الحظ بالقرب من السيارة عند اطلاقها الماء العادم ويبتلعون بعضا منه رغما عنهم، ما يصيبهم بآلام في المعدة تستدعي العلاج الطبي.

لكن الحالات الاكثر تضررا جراء شم هذه الرائحة، تكون للمرضى المصابين أصلا بحساسية في الجهاز التنفسي، هؤلاء يعانون حالات تقيؤ وسعال شديدة، ويجب عليهم ترك المنطقة فورا، فتخيل هؤلاء المضطرين لترك بيوتهم. وكذلك السيدات الحوامل، وغالبا يتم اللجوء للولادة القيصرية اذا ما كانت السيدة في فترة الحمل الاخيرة حتى لا يتأثر الجنين.

اصابة خطأ:
السؤال الذي قد يدور في بال كثيرين، إذن ماذا سيكون الحال لو تم رش بعض الجنود الإسرائيليين بهذا السائل عن طريق الخطأ.

يرتدي العاملين علي تشغيل تلك السيارات بدلة خاصة تمنع تسرب السائل لاجسادهم، كما يزودون بأقنعة تنفس خاصة تقيهم من رائحته، صورة نشرها الجيش الإسرائيلي. 

بل ماذا عن العاملين في تصنيعه، وكذلك عمال تغذية الشاحنات بهذا السائل، ناهيك عن أطقم الشاحنات الذين يقومون بتشغيلها.

والحقيقة أن الشركة المصنعة لماء الظربان العادم، صنعت كذلك صابون خاص يزيل الرائحة فورا، لكنه لا يباع بشكل عام في المحلات أو المتاجر، بل يتم بيعه فقط للشرطة الإسرائيلية لاعطاءه لأي عنصر من عناصر منظومتها لرش هذا الماء قد يتسرب إليه السائل بأي طريقة.

تسويق:
هذه الماء العادم، يحظي بحالة من الترويج الإسرائيلي لشركة Odortec التي تقوم بتصنيعه.

فبخلاف ما يقال عن أنه سلاح غير قاتل، فهناك حديث عن أن الشركة الإسرائيلية تستطيع تصديره لأي دولة تطلبه لاحتياجات قوات الشرطة بها، بهدف فض أي مظاهرة بلا دماء.

وقد أفاد تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أعده "يولاند كنيل" في سبتمبر ٢٠١٥ أن الشرطة الأمريكية قد اشترت هذا السائل المركب من إسرائيل.

رغم ذلك، فإن بعض جمعيات حقوق الإنسان داخل إسرائيل ذاتها ادانت تلك السيارات وما ترشه من ماء الظربان العادم باعتباره مؤثرا علي حياة عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -