زدني معرفة

قراءة في حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: (الاساءة لنبي الإسلام ليست حرية تعبير)

 بجلستها المنعقدة يوم الخميس، الخامس والعشرين من أكتوبر عام 2018، أعلنت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمها القاضي بأن الإساءة  للنبي -صلى الله عليه وسلم-، لا تدخل ضمن إطار (حرية التعبير)، بعد أن كانت مداولات القضاة السبعة للدائرة التي نظرت القضية قد انتهت إليه في الثاني من نفس الشهر.

صورة لقاعة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، الصورة مسموح باستخدامها وفقا للقانون البولندي بدون أي تعديلات عليها، صورة للمصور البولندي ادريان جريكوك.


وكي لا يقع البعض في خلط خاطئ في بداية الأمر، لزم التوضيح أن محكمة العدل الأوروبية ليست هي من صدر عنها الحكم، وإنما (المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان)، والتي تأسست وفقا للميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان الموقع عليه في العاصمة الإيطالية روما عام 1959. قضاتها مجتمعين يبلغ عددهم 47 قاضيا، بمعدل قاض واحد عن كل دولة من أعضاء المحكمة، وتختص بالنظر في القضايا التي تمس أحكام الميثاق المشار إليه، ويحق لأي دولة أو فرد أو مؤسسة في أي دولة من الدول الأعضاء في المحكمة رفع قضية أمامها إذا ما رأي أنه قد تم المساس بحقوقه المقررة وفقا للميثاق، وهو ما فعلته امرأة نمساوية لم يتم التصريح باسمها، وأشير إليها بالحروف الأولي منه E.S ضد بلدها الجمهورية النمساوية.


موقف المحاكم النمساوية:


حركت E.S دعواها بناء علي حكمين صادرين ضدها من محاكم بلادها، أولهما صدر في فبراير عام 2011 عن (المحكمة الجنائية الإقليمية) في العاصمة فيينا، أدانها بتهمة اهانة المعتقدات الدينية، والثاني صدر عن (محكمة الاستئناف) في ديسمبر من نفس العام بتأييد حكم المحكمة الجنائية، بعدما كانت قد استأنفت ضده، وبذلك خسرت هذه المرأة كل معاركها القضائية في بلادها، فأصرت أن تستمر في غيها، ورفعت هذه القضية ضد أحكام المحاكم النمساوية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.


أصل هذه القضية وجذورها أنها تري ما قامت به من عقد ندوات متكررة بين عامي 2008 و 2009 في مقرات تابعة لحزب الحرية اليميني النمساوي، هاجمت فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-، متعرضة تحديدا لمسألة زواجه من السيدة عائشة -رضى الله عنها-، باستخدام ألفاظ وصفات يعف قلمي عن تكرارها، رأت تلك المرأة أن هذا كله يندرج تحت (حرية التعبير)، ذلك المصطلح المطاط الذي يستخدمه كل من يهاجم معتقدات الآخرين.


في أروقة محكمة ستراسبورغ:


عندما تقدمت المدعية التي ولدت عام 1971 بأوراق قضيتها إلي المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، استندت محاميتها إلي أن إدانة E.S الجنائية تعد انتهاكا لحقها في التعبير بموجب المادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي تنص علي: (1- لكل إنسان الحق في حرية التعبير، هذا الحق يشمل حرية اعتناق الآراء، وتلقي وتقديم المعلومات والأفكار، دون تدخل من السلطة العامة، وبصرف النظر عن الحدود الدولية....).


ولقد كان استناد مكتب المحاماة الذي اسندت إليه هذه المرأة قضيتها للمادة العاشرة هو السبيل لرفع دعواها أمام المحكمة باعتبار أنه قد وقع انتهاك لحريتها في التعبير والرأي، لكنه في نفس الوقت كان أساسا لهدم الدعوى كما كان نواتها، إذ أن الفقرة الثانية من نفس المادة لا تجعل الحق في حرية التعبير مطلقة دون ضابط، فوضعت لهذا الحق محددات منها: (أن هذه الحريات تتضمن واجبات ومسئوليات ....)، (أنه يجوز اخضاعها لشكليات إجرائية وشروط وقيود، وعقوبات محددة في القانون حسبما تقتضي الضرورة في مجتمع ديمقراطي لصالح الأمن القومي، وسلامة الأراضي، وأمن الجماهير،...). وهذا بالضبط كان أحد أسباب أحكام المحاكم النمساوية التي رأت في أحكامها أن ما تقوله E.S ليس حرية رأي وإنما (إهانة لمعتقدات دينية).


دمغ الباطل:


جاء حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لا ليعتبر ما قامت به تلك المرأة مجرد اعتداء فكري يهين معتقدات الآخرين ومشاعرهم فحسب، بل فندت إدعاءاتها بشكل يستحق الإطراء، وسنوضح ذلك بعرض لبعض الفقرات الموضوعية في الحكم والذي يتعذر تناوله كله إذ جاء مستندا وشارحا أسبابه في حوالى ستين بندا، وذلك علي النحو التالي:


أ‌-        في البند الرابع عشر يشير الحكم إلي حكم المحكمة الجنائية الإقليمية في فيينا، الذي ضبط مفهوم (الاعتداء الجنسي علي الأطفال) الذي استخدمته تلك المرأة في ندواتها ضمن مجموعة أوصاف عند حديثها عن زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ، من السيدة عائشة -رضى الله عنها- بأنه: (السلوك الذي نبذه المجتمع وحظر ممارسته). ويفهم من هذا أن المحكمة تقول أن الزواج يخضع لظروف العصر ولا حرج فيه طالما أقره المجتمع. وعادت المحكمة تلفت الانتباه إلي أن الزواج ظل قائما إلي يوم وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وهو ما تجاهلته تلك المرأة المدعية، مما يعني أن السيدة عائشة -رضى الله عنها- كانت قد تخطت الثمانية عشر عاما، مع هذا فقد ظل الزواج قائما، مما يجعل من إدعائها إدعاء ساقط أو كما وصفته (المحكمة الجنائية في فيينا) بأنه (اتهام ظالم)، تم في ندوات عامة لم يقتصر الحضور فيها علي أعضاء حزب الحرية، لذا فمن الممكن التصور أن بعض المشاركين علي الأقل قد أزعجتهم تلك التصريحات.


ب‌-    في البند الخامس عشر إشارة إلي ما قامت به المدعية ونعته بـ (القيم الزائفة التي تجاوزت الحدود المسموح بها، دون أن تؤسس علي بيانات صحيحة)، وقد رأت المحكمة أن المدعية لم تكن تقصد تناول الموضوع بصورة موضوعية ولكنها كانت تهدف مباشرة إلي تحطيم محمد، وأن زواجه من هذا العمر لم يكن كما أسمته، ولم يكن ظاهرة تتعلق بالإسلام، بل كان أيضا منتشرا علي نطاق واسع بين السلالات الملكية الحاكمة في أوروبا.


ج‌-     البند الثامن عشر، أشارت فيه المحكمة إلي أحد أهم أسباب حكمها حين قالت: (إن المدعية لم تقدم أي دليل أو مصدر موثوق يشير إلي أن زوجاته الأخريات كن بنفس السن علي نحو مماثل، علي العكس كانت زوجته الأولي أكبر منه بخمسة عشر عاما، كما يمكن رؤيته من الوثائق المقدمة من المدعية نفسها. وأنها قد أظهرت بياناتها عزمها علي الاستهانة بلا داع بالمسلمين وإهانتهم. وجاء في ذات الفقرة ولكن في بدايتها: (إن إدانة المدعية لم تكن لأن الأحداث قد وقعت منذ أكثر من ألف سنة، وأنها لم تعد مقبولة في المفاهيم المعنوية والقيمة المعاصرة اليوم، بل لأنها اتهمت نبي المسلمين باتهامات مسيئة).


وتابع حكم المحكمة أسبابه ووقائع الدعوى وتداولها مسببا قراره بأسانيد قانونية متعددة المنابع فمنها من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ومن اتفاقيات الأمم المتحدة وغيرها من المصادر القانونية، ويعود مجددا ليدحض حجج المرأة المدعية كالتالي:

أ‌-       

في البند الثالث والخمسين تقول المحكمة: (ومن ثم، فإن المحكمة تتفق مع المحاكم المحلية علي أن المدعية يجب أن تكون علي علم بأن تصريحاتها تعتمد جزئيا علي حقائق "غير صحيحة" ، لذلك فمن المناسب أنها ستثير استنكارا "مبررا" لدي الآخرين.

ب‌-    كما حوت الفقرة الرابعة والخمسين علي نقد موضوعي هام حينما قالت المحكمة: (إن المحاكم المحلية في النمسا قد استندت إلي تحليل مفصل لصياغة العبارات التي تم الإدلاء بها، ووجدت أن المدعية قد وصفت نبي المسلمين وصفا اعتبرته صفة فيه، ولقد أخفقت في حياديتها حينما امتنعت عن توضيح الخلفية التاريخية لهذا الحدث لجمهور مستمعيها، وبالتالي لم تسمح بإجراء مناقشة جادة حول هذه المسألة)، وتابعت : (تتفق المحكمة كذلك مع المحاكم المحلية في تصنيفها لتصريحات المدعية أنها بدون أساس كاف من الوقائع، وأنها لم تقدم أي دليل عليها، سواء خلال الإجراءات أو أمام المحكمة).


في النهاية وبغضب وبمزيد من التقريع من قبل المحكمة نجد ضمن محتوي الفقرة السادسة والخمسين : (علي الرغم من أن المدعية ليس لها سجل جنائي سابق، مما يؤخذ في الاعتبار كعامل مخفف للعقوبة، فلقد كان واجبا اعتبار انتهاكها المتكرر عامل تشديد للعقوبة). وكانت المحكمة قد اشارت إلي قصدها في نفس الفقرة إلي أن المدعية حكم عليها بدفع غرامة تبلغ 480 يورو فقط !!!!، علي الرغم من أن القانون الجنائي النمساوي ينص علي امكانية سجنها لمدة تصل إلي ستة أشهر، وانتقدت أن المحاكم المحلية لم تطبق سوي الحد الأدنى من الغرامة.


الطعون من النوع الثاني:


نعقيبا علي كل ما تقدم، فأن هذه النوعية من الطعون التي كثرت هذه الأيام، ووجدت للأسف في وسائل التواصل الاجتماعي علي وجه الخصوص مكانا ترتع فيه، تستهدف العقلية المسلمة وخصوصا الشابة والناشئة منها، فأنها من النوع الثاني من الطعون، ذلك الذي لم يستطع النيل من الدين، فلجئوا إلي الطعن في رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، وهو طعن عاجز عن مواجهة الرسالة فأستهدف صاحبها.


لقد تذكرت عندما طالعت حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وصف صاحب كتاب (حياة محمد -صلى الله عليه وسلم-) لهؤلاء فوجدته منطبقا تماما علي تلك المرأة، فنجد القاضي والوزير المصري الراحل الدكتور محمد حسين هيكل يقول: (فإذا تلمسوا المطاعن التي لا سند لها من الحق، لم يبلغوا من ذلك غايتهم، وإن كشفوا عن سوء رأي وحقد يسقط حجتهم، ويحول دون الاستماع لهم، ولن يغير من ذلك أن يفرغ هذا الحقد في قالب العلم، فالحقد لا يعرف الحقيقة، وكبرت الحقيقة أن يكون الحقد لها مصدرا، وهذا شأن مطاعن أولئك المستشرقين علي النبي العربي خاتم المرسلين، ولذلك هوت مطاعنهم إلي الحضيض).


الإمام الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الصورة من موقع بوابة الأزهر الشريف الإلكترونية


والطاعنين يتفرقون بين حاقد كما أسلفنا، أو جاهل يأخذ الأمور علي عواهنها، دون النظر فيها للوصول بالحق إلي الحق من أجل الحق، فالحقيقة تقول أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في زواجه كله كان ككل أمره نورا يمشي علي الأرض، بداية من أنه وحتى بلغ الخمسين لمن يكن قد تزوج إلا من السيدة خديجة -رضى الله عنها- فقط. وأنه صلي الله عليه وسلم قد ذهب البعض -ومنهم الكاتب الكبير عباس العقاد- إلي أن سن السيدة عائشة عند زواجها منه كان بين الثالثة عشر والسادسة عشر، ومع هذا فأنه يكفي لدينا ولدي كل منصف أن هذا الزواج كان متماشيا مع عادات المجتمع وأعرافه، وأن حتى الكافرين والمشركين واليهود وكل أعداء النبي علي كثرتهم لم يتخذوه سببا للهجوم عليه، وقد أشار شيخ الأزهر الشريف الإمام (أحمد الطيب) إلي نقاط غاية في الأهمية في هذه القضية عندما أشار لخطبة السيدة عائشة الأولي من (مطعم بن جبير) التي سبقت زواجها من النبي صلي الله عليه وسلم، فإذا كان هؤلاء يتحدثون من منطلق عدل أو عدالة فكان عليهم الالتفات لهذه الحقيقة الدامغة أن هذا الأمر ما كان إلا طبيعة الزواج في تلك الأيام وهذه المجتمعات. وأن الشخصيات الكبرى في تاريخنا هناك صعوبة بالغة في تحديد عام ميلادهم بدقة، خالصا في النهاية إلي أن المؤكد والثابت تاريخياً أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل بالسيدة عائشة رضى الله عنها بعد بلوغها سن الحُلم، وليس فى هذا شك.


وبصورة عامة نجد سيدنا صلي الله عليه وسلم يتزوج من السيدة خديجة وهي أكبر منه وقد أشارت المحكمة لهذا في حكمها، ومن السيدة زينب بنت خزيمة "أم المساكين" -رضى الله عنها- ، التي عرفت بالإحسان، وكانت وقت الزواج النبوي قد كبرت فما هو إلا عام أو عامين حتى لاقت وجه الله، فلما لا يتحدث هؤلاء عن أحسان النبي بزواجه من سيدة مسلمة أحسنت.


وأم سلمة، التي كانت زوجة لأبي سلمة الذي استشهد نتيجة جرح أصيب به يوم أحد، تزوجها النبي صلي الله عليه وسلم، علي كثرة عيالها وكبر سنها.


وكذلك نجد السيدة سودة بنت زمعة -رضى الله عنها- التي كانت وزوجها الأول من السابقين إلي الإسلام، وهاجرت إلي الحبشة، فما كان من النبي صلي الله عليه وسلم إلا أنه قد رفعها إلي منزلة أمهات المسلمين بزواجه الشريف منها.


وزواجه صلي الله عليه وسلم من السيدة زينب بنت جحش -رضى الله عنها- ، زواجا كان هدفه الأول التنفيذ العملي لحكم الله في إباحة زواج الرجل من مطلقة دعيه، وهو أمر كان كبيرا عند العرب الذين كانوا ينزلون الدعي منزله الولد، يعطي في الميراث، ويحرم في الزواج ما يحرم بسبب الابن من الصلب والنسب، فكان عليه صلي الله عليه وسلم أن يكسر بنفسه تلك القاعدة المتأصلة في نفوس الناس وأرواحهم.


هكذا نجد زيجاته صلي الله عليه وسلم لا ينطبق عليها أوصاف هؤلاء الطاعنين، فلقد تزوج النبي من الأرملة والمطلقة اللواتي وللأسف نجد الكثيرين في عصرنا هذا يأنفون الزواج منهن، وهو الذي كان يستطيع أن يتزوج من يشاء من المسلمات الجميلات الأبكار، لكنه كان خاتم النبيين صلي الله عليه وسلم، القدوة والمثل للمسلمين في زواجه، وفي معاملته لزوجاته، أنه النبي الذي كانت تراجعه زوجاته حتى يظل يومه غضبان، وهو صلي الله عليه وسلم الذي سمت دعوته بالمرأة سموا إلي مكانتها العليا المستحقة.


وفي النهاية فأننا حينما ننقل وندرس هذه الأحكام الصادرة عن محاكم أوروبية تعني أساسا بحقوق الإنسان والحق في التعبير واحد من أهمها، نشير إلي دحض حجة (الحرية المطلقة) في التعبير عن الافكار، وأن هناك دوما حدودا يلزم مراعاتها، والحق أننا أولي بذلك عند التعرض للسيرة النبوية الشريفة، التي وللأسف أصبحنا نري الكثيرين يتجرءون عليها هذه الأيام.


-بعض المعلومات الواردة في هذا الموضوع، تم الاعتماد فيها علي المصادر التالية:

-موقع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

-الموقع الإلكتروني للأزهر الشريف.

-لمستشار الدكتور محمد حسين هيكل، حياة محمد صلي الله عليه وسلم، دار المعارف، مصر، الطبعة الثالثة والعشرون، 2002.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -