زدني معرفة

مع تدهور العلاقات بين روسيا والغرب، مالذي يكسبه بوتين؟

 كان الحشد العسكري الروسي على حدودها مع أوكرانيا، مجرد واحد في سلسلة من الأحداث الأخيرة التي أضرت بعلاقات موسكو مع دول الغرب، ووحده الرئيس الروسي "بوتين" هو من يعلم ما في نواياه، لكن السؤال.. هل هذا التوتر الحاصل كان ضمن ما توقعه السيد بوتين؟.

صور غيتي 

لقد كان الشهر الماضي محموما ومضطربا علي صعيد العلاقات بين روسيا والدول الغربية، فرغم أن حدة التوترات المباشرة بين الطرفين، فلقد قدمت هذه التطورات الأخيرة دروسها للجميع وعكست تدهور العلاقات بين الطرفين.

فلقد تم عرض مجموعة واسعة من القضايا الخلافية، كالتالي:
*أولاً: سلط أكبر حشد عسكري لروسيا منذ عام ٢٠١٤، الضوء على قدرتها على حشد قوة كبيرة على حدود أوروبا. أثار هذا الحشد شعور بقلق عميق وموجة دبلوماسية في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

دبابات ومركبات روسية تتقدم عبر حقل منبسط لا يبعد سوي ستة كيلو مترات عن الحدود مع أوكرانيا، صورة بعدسة بافل جولوفكين / أسوشيتد برس. 

*ثانيا: لفت الكشف عن مسؤولية ضباط المخابرات الروسية عن انفجار قاتل في مستودع أسلحة تشيكي في عام ٢٠١٤ الانتباه مجددًا إلى قدرات عمليات التجسس الروسية.

خبير مفرقعات يفحص الموقع بعد الانفجار في مستودع للذخيرة بالقرب من فربتيس، جمهورية التشيك، في ٢٠ أكتوبر ٢٠١٤، صورة نشرها البوليس التشيكي. 

ولقد تضاعفت مخاوف الدول الغربية بسبب عملية أخرى للمخابرات الروسية عام ٢٠١٨، قام فيها اثنين من عملائها، بتنفيذ هجوم بغاز الاعصاب القاتل ضد "سيرغي سكريبال"، وهو عقيد انشق عن المخابرات الروسية. هجوم حدث في سالزبوري ببريطانيا، وطال ابنة العقيد المنشق كذلك.

*ثالثا: أن وضع حقوق الإنسان في روسيا أصبح أكثر كآبة. وزعيم المعارضة الروسية "أليكسي نافالني"مسجون حاليا وأضرب طويلا عن الطعام، والزعماء الغربيون أثاروا قضيته مع مع الرئيس فلاديمير بوتين.

نافالني في مظاهرة سابقة في موسكو قبل القبض عليه، الصورة بعدسة شامل زوماتوف - رويترز. 

 لقد انهي اضرابه عن الطعام بعد ٢٤ يوما، في اللحظة التي كاد يموت فيها. وفي نفس الوقت فككت السلطات الروسية مؤسسته المسماه "مكافحة الفساد" علي خلفية اتهامات بالعمالة للخارج والتطرف.

*رابعا: اعلن جهاز الأمن الداخلي الروسي، المشار إليه اختصارا بFSB، بأنه أحبط محاولة مدعومة من الغرب لاغتيال الرئيس البيلاروسي "ألكسندر لوكاشينكو"، والمعروف بحبه لروسيا ولبوتين.

الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو في لقاء له مع الرئيس بوتين، صورة من الموقع الإلكتروني للكرملين الروسي. 

العلاقات الآن في أقصى درجات التوتر وعدم الثقة منذ أربعة عقود بين الروس والغرب، ولقد استدعت روسيا سفيرها من الولايات المتحدة، ورد الأمريكيين بفعل نفس الشيء، يحدث ذلك في نفس الوقت الذي يدعو فيه الرئيس الأمريكي جو بايدن نظيره الروسي لقمة، ويشارك الرئيس بوتين في مؤتمر المناخ في ٢٢ أبريل في وقت ذروة المخاوف بشأن الحشد العسكري الروسي.

عرض غير مرحب به لوحدة الغرب:

هذه الفترة الشديدة يمكن استخلاص ثلاثة دروس منها:
أولا: لقد خسر بوتين أكثر مما ربح من الحشود العسكرية علي حدود أوكرانيا، فعلى الرغم من أن قوات الجيش الروسي اكتسبت خبرة في التعبئة والحشد علي حدود أوكرانيا، ويمكنها كذلك تعزيز موقفها من خلال الإبقاء على معداتها في مكانها، فقد عاني الروس من نكسة علي الصعيد الدبلوماسي.

مدرعات روسية قتالية متطورة من فئة "بي ام بي" تشهر مدافعها بالقرب من الحدود مع أوكرانيا. صور غيتي. 

بشكل عام، كانت استجابة ورد فعل دول الغرب لهذا الاختبار، يتسم بالعزم.. لقد أظهر الغرب القوة بدلاً من الضعف والانقسام، ومثلت هذه الأزمة أول تجربة هائلة تتعرض لها إدارة الرئيس جو بايدن في أمريكا، التي توقع قليلون فقط أن تكون لها علاقات أفضل من علاقات ترامب مع روسيا، لقد اثبتت الأحداث أن فرصة حدوث ذلك، أصبحت أضعف من أي وقت مضى. وعلى الرغم من أن البعض يجادل بأن الحشد الروسي كشف ضعف أوكرانيا (وأن موقف الرئيس فولوديمير زيلينسكي الذي اتسم بالتحدي للروس لم يمثل فرقا)، علي الرغم من ذلك فإنه يجب الأنتباة إلي أنه وعلي الجانب الغربي من العملة، فقد أدركت الولايات المتحدة هذا التهديد، وستخطط وفقا لذلك.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يزور مواقع القوات المسلحة الأوكرانية بالقرب من خط المواجهة مع الانفصاليين المدعومين من روسيا في منطقة دونباس، أوكرانيا، في ٩ أبريل ٢٠٢١. الصورة من الخدمة الصحفية الرئاسية الأوكرانية /رويترز

الأوروبيون أيضًا زادو من تصميمهم، على الرغم من حملة الضغط الروسي عليهم، علي سبيل المثال صدر بيان مشترك أولي من أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية وإيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي يدعو كل من أوكرانيا وروسيا إلى وقف التصعيد. وفي ذات الوقت تم إرسال رسائل خاصة أكثر حزما لروسيا، على وجه الخصوص، ما تم في ٨ أبريل حينما تحدثت ميركل إلى بوتين ودعته إلى سحب القوات الروسية، بينما وفي ٢٨ أبريل، كنا علي موعد مع أقوى خطاب بشأن روسيا علي الإطلاق ألقاه الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، "جوزيب بوريل" والذي أدان فيه مجموعة من الإجراءات الروسية ، بما في ذلك ما وصفه ب"استفزازها" لأوكرانيا. قائلا كانت روسيا "تختار تعمد تعميق المواجهة" و "يبدو أنها قررت التصرف كخصم". وتحدث المسئول الأوروبي الرفيع أنه يجب أن يكون الاتحاد الأوروبي مستعدًا لفترة طويلة صعبة في علاقاته مع روسيا، وبغض النظر عن إشارة مقتضبة عن ملف التغير المناخي، لم يكن هناك أي حديث عن التعاون مع روسيا، ناهيك عن تسوية الخلافات معها.

كما أضرت تصرفات روسيا بعلاقتها التي تتسم بالتقلب أصلا مع تركيا. ففي ١٠ أبريل، أعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التأكيد على دعم بلاده لوحدة أراضي أوكرانيا خلال زيارة قام بها الرئيس الأوكراني زيلينسكي لتركيا. لترد روسيا علي الفور بتعليق معظم الرحلات الجوية إلى تركيا، مما أضر باقتصاد تركيا بشكل متوقع بقطع إيرادات السياحة.

ثانيا: تمثل في منافسة بين القدرات "المحلية" للجيش الروسي، والقدرات والتفوق "العالمي" للاقتصاد الأمريكي.

المطرقة والمنجل، علامتا الاتحاد السوفيتي المميزتان له، يبدوان كخلفية في عصر البيانات والحوسبة، في اشارة للهجمات الإلكترونية الروسية، صور غيتي. 

ففي ١٥ أبريل مثلا، فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على الأفراد والكيانات الروسية ردًا على ما تدعيه واشنطن من هجمات القرصنة الإلكترونية لشركة SolarWinds الروسية والتدخل في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام ٢٠٢٠.

لكن الأكثر أهمية من هذا، كانت الرسائل الأوسع نطاقا التي أشارت إلى اتباع نهج أكثر انضباطًا واستراتيجية لإدارة الشؤون المالية، إن هذا الصعيد "المالي"، هي المنطقة التي تتفوق فيها أمريكا علي روسيا بشكل ضخم.

كما تم إعلان حالة الطوارئ الوطنية الاقتصادية ردًا على "التهديد غير العادي والاستثنائي" الذي تشكله روسيا.


صور غيتي

بهذه السياسة، قدمت إدارة بايدن للروس إشعارا بأنها لن تكتفي بمعاقبتهم علي أفعالهم السابقة فحسب، بل إنها تهدف لردع موسكو عن القيام بأعمال مستقبلية، بتهديدها بتدابير مالية أكثر صرامة، وهي وسيلة موثوقة التأثيرات.

ثالثا: بينما تسهل صور الأقمار الصناعية والتقنيات الأخرى تتبع تحركات القوات علي الأرض أكثر من أي وقت مضى (على الرغم من أن روسيا لم تبذل أي جهد لإخفاء حشودها)، فإن وضع تقييم دقيق لنوايا الروس لا يزال صعبا، وتنقسم الآراء حول ما إذا كان الروس يقومون فقط بمجرد قعقعة سلاح أم أنهم فعلا يخططون لتصعيد يتدخلون به في أوكرانيا.

جندي أوكراني يستخدم المنظار على خط المواجهة مع الانفصاليين المدعومين من روسيا بالقرب من مدينة مارينكا الصغيرة بمنطقة دونيتسك ، في ٢٠ أبريل ٢٠٢١ | أليكسي .فيليبوف / وكالة فرانس برس عبر جيتي 

لكن قد يكون هذا التمييز خاطئ، فكما يمكن للدول أن تستخدم "رموزا" لإظهار قواتها، فإنها كذلك يمكنه "استعراض" قواتها بحشد كبير، قعندما تلوح الدولة بالسيف، يمكن أن يخدم انتشار القوة بشكل واسع العديد من الأغراض الممكنة لها في وقت واحد، مع تحول الخيارات بينها حسب الفرصة السياسية والظروف السانحة.

هناك تلميحات تقول أن روسيا ربما أبقت علي إمكانية التصعيد في قدر قوتها حتى مرحلة متأخرة من حشدها العسكري علي الحدود مع أوكرانيا. كما اعتبر خطاب بوتين السنوي أمام البرلمان في ٢١ أبريل/نيسان بالغ الأهمية.

قبل يومين من القاءه، عقد بوتين اجتماعا لمناقشة محتوياته، لم يعقد بوتين اجتماعات في توقيت يسبق خطاباته بهذه المدة القصيرة إلا عام ٢٠٢٠ فقط، وأعقب ذلك تغييرات كبيرة في حكومته، وتعديل دستوري يسمح له بالبقاء أكثر في حكم روسيا. 

ولنعد للوراء أكثر، ثلاثة أيام أخرى، بالتحديد في ١٦ أبريل، يومها ناقش اجتماع لمجلس الأمن الروسي القضايا العسكرية، حيث قدم رئيس الأركان العامة فاليري جيراسيموف التقرير الرئيسي- وهي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا منذ ديسمبر ٢٠٢٠. 

كما سبق خطاب بوتين، دعوة رئيسة مجلس الاتحاد الروسي "فالنتينا ماتفينكو" إلى جلسة استثنائية للغرفة لمناقشة "تنفيذ سريع" لبعض المسائل، ونظرا لأن الصلاحيات الخاصة لمجلس الاتحاد تشمل الموافقة على التغييرات الحدودية، واستخدام القوة العسكرية وحالة الطوارئ، فقد أثار هذا التكهنات بأن بوتين كان يمهد الطريق لخطوة دراماتيكية في أوكرانيا. 

في النهاية وبعد كل هذا، تحدث بوتين إلى حد كبير عن السياسة الداخلية، وليس الخارجية. لكنه أصدر تحذيرا متحديا من أن رد روسيا على أي تجاوز لخطوطها الحمراء سيكون "غير متماثل وسريع وقاس". 

بعض المعلومات الواردة بالموضوع، تم الاعتماد فيها علي المصادر التالية:
-المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS، معهد بريطاني يصنف كأحد أفضل مراكز الأبحاث الاستراتيجية في العالم. ترجمة مقال بقلم الدكتور "نايجل جولد ديفيز"، الزميل في المعهد ومتخصص بقسم أوراسيا وروسيا، وله العديد من الأبحاث حول السياسة والاقتصاد والأمن في دول الاتحاد السوفيتي السابق.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -