زدني معرفة

الهجوم الدموي علي مديرية أمن أسيوط في الثامن من أكتوبر ١٩٨١

 لم تكن مصر قد افاقت من دهشتها، وكان المصريين لايزالون في حزن وغضب ومرارة، وأيام العزاء علي رئيسهم لم تنتهي بعد، البطل الذي اغتيل في يوم نصره "٦ أكتوبر" من عام ١٩٨١.

اغتيال السادات ، صورة من صور غيتي، أ ب ب. 

كان يوم عيد الأضحى، حاول المصريين أن يلتمسوا فيه بعض السلوان في عيدهم، لكن خفافيش الظلام أبت إلا أن تعيث في الأرض فسادا... كثيرا ما وصفهم الكتاب بالخفافيش، ولعلنا الآن ندرك مغزي الوصف أكثر في أيامنا التي نقل فيها خفاش فيروسا للعالم كله. فهم خفافيش تنقل فيروسات التطرف والعنف المسلح والإرهاب وسفك دم الآمنين.


مجلس شوري الوجه القبلي:


بالتأكيد، بدت لهؤلاء الخفافيش -أو صورت لهم عقولهم البائسة- أن الفرصة الآن سانحة للانقضاض علي الوطن، آملين أن ينجحوا في صنع شئ يؤدي لسيطرتهم علي مساحة من أرض مصر، فالرئيس قتلوه غدرا، ونائبه "حسني مبارك" لم يقسم اليمين بعد.


الدكتور بكلية الحقوق، ورئيس مجلس الشعب وقتها، صوفي أبو طالب تولي رئاسة الجمهورية لمدة ثمانية أيام عقب اغتيال الرئيس السادات. 


لذا عقد ما يسمي بمجلس شوري الوجه القبلي، وهو المسئول عن نشاط "الجماعة الإسلامية" التي كانت تنشط في العمل الإرهابي المسلح وقتها، عقد هذا المجلس اجتماعا قرروا فيه الهجوم على مراكز الشرطة في محافظة أسيوط، محددين لأنفسهم بنك أهداف ليشنوا ضدها هجومهم الغادر وهي: ((مديرية الأمن، قسم ثان أسيوط، الدورية اللاسلكية، مقر أمن الدولة، مقر مباحث أسيوط، نقطة شرطة إبراهيم)).


وتطاولت بهم أحلامهم السفيهة، للتسلل بعد الهجوم إلى محافظات الوجة البحرى واستهداف مقار الأمن هناك بنفس الطريقة.


بيجو زرقاء:


السادسة من صباح ٨ أكتوبر ١٩٨١.
المسلمون يذهبون لأداء صلاة عيد الأضحى المبارك.. والشرطة تتحرك لتأمين الصلاة، رجالها يؤدون الصلاة أيضا وقد خرجوا من أقسامهم والمديرية بلا سلاح، وخلت معظم مقرات الشرطة من أفرادها، كان الغدر يتهيأ لانتهاز تلك الفرصة.



وعند باب مديرية أمن أسيوط تتوقف سيارة بيجو موديل ٤٠٤، زرقاء اللون، لوحاتها المعدنية مكتوبة بخط اليد "١٢٦٠٠ ملاكي القاهرة".


ومن خلفها سيارة فيات ١٢٥ تحمل لوحات معدنية رقم ١١٧٢ ملاكي سوهاج.


وفجأة، يترجل من السيارتين ثمانية أفراد، وبلا مقدمات يفتحون النيران علي عناصر حراسة المديرية، في اللحظات الأولى للهجوم يرتقي الملازم أول أحمد وحيد شهيدا.



تواصل الهجوم، ويصل الإرهابيين لباب مكتب استراحة مساعد مدير أمن أسيوط "العميد شكري رياض"، يستشهد البطل مدافعا عن مقر عمله رغم أنه كان في وقت راحة، ولا يرتدي إلا بيجامة فحسب. ومعه الرائد حسين الكردي.


دماء:


في ذلك الوقت كان الهجوم قد تصاعد بحدة دموية شديدة، بخلاف الشهداء من الضباط المذكورين، كان عدد من استشهد من باقي أفراد المديرية، ١٦ سائق و٣٢ جندي خدمة.



وفي نفس التوقيت الذي اعتلي فيه مهاجمين مبني المديرية، سطح المبني. في نفس الوقت كانت سيارة أخرى تسير في شوارع أسيوط تطلق النيران علي النقاط الأمنية وأفراد الشرطة.


معركة أخرى دارت عند مبني شرطة قسم ثاني أسيوط، ودخل الإرهابيين مبني القسم.


عاصم عبد الماجد من فوق منصة رابعة العدوية


عاصم عبد الماجد، الإرهابي الفار حاليا كان ضمن مهاجمي مديرية الأمن، واصابته طلقات بطل من ابطال الشرطة بعدد ٣ رصاصات في ركبته اليسري فعجز عن الحركة، فانتقلت القيادة للإرهابي علي الشريف الذي بدوه اصيب بطلقات ثلاث، اثنين منها دخلتا في جانبه الأيسر، فقاد الإرهابيين "فؤاد حنفي" الذي رأي أن الشرطة قد استوعبت صدمة الهجوم المفاجئ، وبدأ رجالهم في اصطياد الإرهابيين، فقرر الانسحاب سارقا لوري شرطة وضع بها المصابين من الإرهابيين.

كلمة النهاية:


في ذلك الوقت، كان رجال الشرطة المصريين يديرون دفة المعركة لصالحهم.



وعند مباحث التموين، وحيث كان "ناجح إبراهيم" يقود هجوم آخر، ثم انتقل من هناك تجاه قسم أول أسيوط، حيث تمكن رجال الشرطة فيه من اصابته هو ومن معه، احضر إرهابي يدعي "أحمد السيد رجب" دراجة بخارية، هرب ناجح بواسطتها.


أما "كرم زهدي" و "عصام دربالة" فقد استقلا السيارة فيات ١٢٥، التي قادها "خالد حنفى" متوجهين إلى الجمعية الشرعية، حيث عدد من الإرهابيين.


وهناك طاردتهم قوات الشرطة، فحاول دربالة إلقاء قنبلة فانفجرت به، وتناثرت شظاياها في جسده، فنقل إلى السيارة وتوجهوا إلى طريق الغنايم قاصدين الجبل، لكن النقيب أحمد جابر مكارم تتبعهم والقي القبض على كرم زهدي وعصام دربالة، وتم ترحيلهما إلى القاهرة.


حينما انقشع غبار المعركة، كان عدد عدد ضحايا هذه المذبحة الدموية ١١٨ شخصا من جنود وضباط الشرطة ومواطنين في أسيوط. لتسجل صفحة سوداء في تاريخ جماعات العنف المسلح الإرهابية في مصر لن تنسي من ذاكرة هذا الشعب الطيب الذي لا يريد إلا العيش في سلام، لكنه لا ينسي من يحاول الاضرار به، وينتقم منه ولو بعد حين.


كرم زهدي في قفص المحكمة

تم القبض كذلك يومها علي كل من "عاصم عبد الماجد، وفؤاد الدواليبى، واسامة حافظ، وتمت محاكمتهم في قضية تنظيم الجهاد، وصدر الحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة لمدة ٢٥ عاما.


في الاختيار٢:


ذكرت أسماء بعض الشهداء من رجال الشرطة المصرية علي لسان الفنان ماجد الكدواني في حلقة الأمس "الحادية والعشرين" من مسلسل الاختيار ٢، وذلك خلال تحقيقه مع ضابط شرطة خائن تم القبض عليه بمعرفة جهاز الأمن الوطني.


فتسائل قائلا: ((أنت تعرف الرائد حسن الكردي؟.. العميد شكري رياض.. ملازم أول أحمد وحيد)).



وحينها نفي الضابط السابق كريم معرفته بهم، أو أن تكون بينه وبينهم أي علاقة، فأكد اللواء المحقق الذي يؤدي دوره ماجد الكدواني أنه يعرف ان كريم لا يعرف من هؤلاء.. مضيفا: ((متأكد أنك ليس لك علاقة بهم، الثلاث ضباط دول كانوا من ضمن ١١٨ شهيد ومصاب في أحداث أسيوط يوم ٨ أكتوبر ١٩٨١، استشهدوا وهما بيدافعوا عن مكان خدمتهم وعن بلدهم وعن شرف البدلة الي هما لابسينها.. كتير منهم كانوا أصحابي ودفعتي.. أنا حافظ أساميهم ظابط ظابط ومجند مجند، كان وقت صعب، كنا بنروح شغلنا وأحنا متأكدين إن احنا ممكن ما نرجعش بيوتنا تاني، بس عمرنا ما خفنا ولا خنا القسم ولا البدلة، عشان كده انا عارف انك ما تعرفهمش، لكن تعرف الي موتوهم، الدكتور بتاعك كان واحد منهم)).


بعض المعلومات الواردة بالموضوع، تم الاعتماد فيها علي المصادر التالية:


*سعيد الشحات، اليوم السابع، ذات يوم ٨ أكتوبر ١٩٨١.. الإرهابيان عاصم عبد الماجد وعلى الشريف يقودان «مذبحة مديرية أمن أسيوط» صباح عيد الأضحى.. والضحايا ١١٨ من الشرطة والمواطنين، ٨ أكتوبر ٢٠١٩.

*ماهر فرغلي، كتاب ((الخروج من بوابات الجحيم – الجماعة الإسلامية فى مصر من العنف إلى المراجعات – مشاهدات من الداخل)).

*حسام عبد ﷲ، بعد عرضها فى الاختيار ٢ ..تفاصيل أحداث أسيوط ١٩٨١، مبتدأ، ٣ مايو ٢٠٢١.

*الهلال اليوم، الجماعة الإسلامية.. ننشر الحلقة الـ١٧ من كتاب «خطاب العنف والدم»، ١٩ نوفمبر ٢٠٢٠.

*يوتيوب، قناة أون، مشهد التحقيق من مسلسل الاختيار ٢.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -