زدني معرفة

أعظم مصائب المسلمين.. مرض رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم الأخير.. وفاته.. ودفنه

))وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(( "سورة البقرة: 155 : 157.


الكعبة المشرفة، صورة من وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودية.

هذا، ولم يصاب المسلمين علي مدار ما يقارب الألف وخمس مائة عام، هم عمر هذا الدين الحنيف الخاتم، بمصيبة أعظم من مصيبة موت رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم، إذ افتقدوا رسولهم ونبيهم وهاديهم ومعلمهم، وإن بقيت رسالته وتعاليمها السمحة.

بداية المرض:

جاء بداية مرض رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم، عندما كان جيش أسامة بن زيد يتهيأ بقيادة الشاب ذو العشرين عاما للخروج من المدينة المنورة، فأقعد ذلك المرض الجيش علي الحركة، خصوصا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معتادا منه شكوى أنه مريض، فخاف المسلمين عليه ذلك المرض، خصوصا أنه قد بذل طوال سنواته الماضية جهدا لا يطيقه من البشر إلا هو صلى الله عليه وسلم، في سبيل نشر الدعوة وإعلاء كلمة لا إله إلا الله.

وقد زاد من خوف المسلمين علي نبيهم أنه وفي أول ليالي مرضه، خرج في الليل وذهب إلي بقيع الغرقد حيث مقابر المسلمين والذي يقع بالقرب من المدينة، فوقف بين المقابر وخاطب أهلها وهو يقول: ((السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنئ ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه. أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى)).

ولم يكن معه في تلك الزيارة إلا موالاه أبا مويهبة ... وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلود فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة)).

قال ابو مويهبة: بأبي أنت وأمي ! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا والله يا أبا مويهبة، لقد أخترت لقاء ربي والجنة.

الصلاة فقط:

ثم مر النبي صلى الله عليه وسلم بعدة أيام هي الأولى في مرضه، اصيب فيها بحمى شديدة، حتى وكأنه كان يشعر بها لهبا، لكن ذلك لم يمنعه صلى الله عليه وسلم أن يمشي إلي المسجد ليصل بالناس، لكنه انقطع بعدها عن محادثة أصحابه أو مخاطبتهم، فلم يكن يقوى عليه، وكان يكتفي بالصلاة ثم العودة لمنزله.

وقد وصل للنبي صلى الله عليه وسلم في تلك الأيام أحاديث الناس التي تدور بين الخوف عليه، ولم تخلو كذلك عن الإشارة لجيش أسامة بن زيد وهو ابن العشرين، يقود الجيش وفيه من فيه من الصحابة الأوائل من المهاجرين والأنصار .. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيئوا له بسبع قرب ماء من سبع آبار مختلفة، وصبوا الماء عليه صلى الله عليه وسلم حتى تنخفض حرارته ويستطيع أن يخرج للناس فيحدثهم ويخطب فيهم.

الخطبة:

وبالفعل خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن هدأت حرارته، وعصب رأسه ثم اتجه للمسجد وجلس علي المنبر فحمد الله، ثم صلى علي أصحاب أحد، واستغفر لهم وأكثر من الصلاة عليهم، ثم قال: ((أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمرى لئن قلتم في إمارته، لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليق لها)).

وسكت هنيهة ساد فيها الصمت.. ثم عاد للحديث مجددا وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن عبدا من عباد الله ، خيره الله بين الدنيا والآخرة، وبين ما عنده، فاختار ما عند الله)).

وحينها بكي أبو بكر الصديق وقال: "بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا".

فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يمتد البكاء لغيره فقال: علي رسلك يا أبا بكر.

وقام فأمر بقفل جميع الأبواب المؤدية إلي المسجد، إلا باب أبي بكر.... كما أوصي علي الأنصار خيرا .

أبو بكر يصلي بالناس:

ولما اشتد مرض رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم ولم يعد قادرا علي أن يخرج ليصلي بالناس، خصوصا بعد خروجه لهم وخطبته فيهم التي زادت من مرضه، أمر بأن يصلي بهم أبو بكر الصديق -رضي ﷲ عنه-... وذلك كما ورد في حديث رواه أبو دارد بإسناد جيد.

وخرج عبد ﷲ بن زمعة -رضي ﷲ عنه- ليخبر أبو بكر الصديق بأمر رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم، فلم يجده، ووجد الفاروق عمر بن الخطاب -رضي ﷲ عنه-، فقال له أن يصلي بالناس.


ولما قام عمر فصلي بالناس، وكان رجلا صيتا، وصل صوته لرسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم.. فقال: ((أين أبو بكر؟ يأبي ﷲ ذلك والمسلمون)). قالها ثلاث مرات: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس))... وفي رواية قالها مرتين.

وفي رواية أنه صلى ﷲ عليه وسلم قال مغاضبا: ((لا ، لا ليصل بالناس ابن أبي قحافة)).

فقالت السيدة عائشة -رضي ﷲ عنها-: ((يا رسول ﷲ إن أبا بكر رجل رقيق القلب، إذا قام في مقامك غلبه البكاء)).

فقال: ((إنكن صويحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس)).

وبالفعل، صلى أبو بكر بعد تلك الصلاة بالناس، وكان عمر بن الخطاب يقول لعبد ﷲ بن زمعة الذي طلب منه أن يصل بالناس: ويحك ماذا صنعت بي.. و ﷲ لولا أني ظننت أن رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم أمرك ما فعلت.

واجابه عبد ﷲ : إني لم أر أحدا أولى بذلك منك -كان يقصد أنه لم يجد أبا بكر الصديق متواجد أصلا فاختار من الموجودين.-

وقالت عائشة رضي ﷲ عنها: ما قلت ذلك، ولا صرفته عن أبي بكر، إلا رغبة به عن الدنيا، ولما في الولاية من المخاطرة والهلكة، إلا من سلم ﷲ، وخشيت أيضا أن لا يكون الناس يحبون رجلا صلى في مقام النبي صلى ﷲ عليه وسلم، وهو حي أبدا إلا أن يشاء ﷲ ، فيحسدونه ويبغون عليه، ويتشاءمون به، فإذن الأمر أمر ﷲ، والقضاء قضاؤه، وعصمه ﷲ من كل ما تخوفت عليه من أمر الدنيا والدين.

هذا وقد دخل عليه في مرضه، سيدنا أسامة بن زيد بعد أن توقف الجيش وعاد إلي المدينة لأخبار مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن سيدنا أسامة سكت لسانه عن كل حديث فلم يتكلم، فلما شاهده النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يرفع يده إلي السماء ثم يضعها علي أسامة، علامة علي أنه يدعو له.

مع السيدة فاطمة:

وكانت السيدة فاطمة -رضي الله عنها- بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تعوده كل يوم، وكانت حينها الوحيدة ممن بقي علي قيد الحياة من أبناء الرسول صلى الله عليه وسلم وبناته.


فدخلت عليه ذات يوم، فقال صلى الله عليه وسلم: مرحبا بابنتي.

ثم أجلسها إلي جانبه، وأسر إليها حديثا فبكت، ثم أسر إليها حديثا آخر فضحكت.

فسألتها السيدة عائشة لاندهاشها من هذا ولما تعلمه من عقل السيدة فاطمة الراجح، فقالت لها: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما مات رسول الله، ذكرت أنه أسر إليها أنه سيقبض في مرضه هذا، فبكت، ثم أسر أنها أول أهله لحاق به فضحكت.

ومما يروي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الأيام، أنه لم يكن في بيته إلا سبعة دنانير فحسب، أمر أهله فتصدقوا بها يوم الاحد السابق لموته صلى الله عليه وسلم بيوم واحد فقط.

ما قبل الموت:

وقد دب في جسد النبي صلى الله عليه وسلم قبل قبضه بعض من الحركة والنشاط، وزالت عنه الحمى بعض الوقت، بل خرج للمسجد في الصبح معتمدا علي الفضل بن العباس وعلي بن ابي طالب، وصلى قاعدا علي يمين أبو بكر الصديق الذي صل بالناس، بعدما أمره النبي بذلك، فلما انتهت الصلاة، قال بصوت قوي سمعه من كان خارج المسجد: ""أيها الناس، سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإني والله ما تمسكون علي بشيء، إني والله لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولا أحرم إلا ما حرم القرآن، لعن الله قوما اتخذوا قبورهم مساجد"".

وقد فرح المسلمون فرحا شديدا بما حدث، وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه إلي الشفاء والعافية. حتى أنه أذن لأبو بكر الصديق بأن يخرج إلي السنح بأطراف المدينة حيث تقيم زوجته، ما يعني أن الناس أحسوا بتحسن كبير للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه كان الصحو الذي يسبق الموت.

القبض:

وقد رويت السيدة عائشة -رضي ﷲ عنها- كيف قبضت روحه الكريمة، فقالت في حديث متفق عليه: ((قبض صلى ﷲ عليه وسلم في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وجمع ﷲ بين ريقي وريقه عند الموت)).

فدخل علي أخي عبد الرحمن وبيده سواك، فجعل ينظر إليه، فعرفت أنه يعجبه ذلك، فقلت له آخذه لك.

فأوما برأسه أن نعم.. فناولته اياه فأدخله في فيه فأشتد عليه، فقلت: ألينه لك؟.

فأوما برأسه أن نعم، فلينته.

وكان بين يديه ركوة ماء فجعل يدخل فيها يده ويقول: ((لا إله إلا ﷲ .. إن للموت لسكرات)).

ثم نصب يده يقول: ((الرفيق الأعلى، الرفيق الأعلى)).. فقلت: إذن و ﷲ لا يختارنا.

أما من حيث الوقت، فقالت السيدة عائشة -رضي ﷲ عنها-: مات رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم بين ارتفاع الضحى، وانتصاف النهار يوم الاثنين.

الصدمة:

وقد بلغت الصدمة بالمسلمين مبلغها، عندما خرج نبأ وفاة رسولهم صلى ﷲ عليه وسلم، وسادت الفوضى قليلا في ردود الأفعال، حتى أن بعضهم قال أنه سترد له روحه.

واستمر الوضع هكذا بعض الوقت، حتى ألهم ﷲ لهم سيدنا أبو بكر الصديق وكان قد وصله الخبر وهو عند بني الخزرج، فعاد لفوره إلي بيت رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم، ودخل عليه، ثم أكب عليه فقبله، ثم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول ﷲ، ما كان ليذيقك الموت مرتين، فقد و ﷲ توفي رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم.

ثم خرج إلي الناس فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد رب محمد، فإنه حي لا يموت، قال تعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) (آية ١٤٤ من سورة آل عمران).

فصار الناس وكأنهم لم يسمعوا هذه الآية، إلا يومئذ.

الدفن:

وبينما كان المسلمون يختلفون علي مكان دفن النبي صلى الله عليه وسلم، بين أن يدفن في مكة حيث ولد، وبين من قال أن يدفن في بيت المقدس حيث دفن الأنبياء من قبله –لا نعلم كيف يقال هذا والروم كانوا لا يزالون يسيطرون علي القدس ولم تفتح إلا بعد غزوات كبيرة في عهد أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب من بعده والذي تم الفتح في عهده-، كما قال بعض المسلمين أن يدفن بمسجده النبوي ومنهم من قال أن يدفن حيث المنبر.

وبينما القوم كذلك، إذ بأبو بكر الصديق يقضي بينهم بقوله: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض.

فتقرر أن يحفر له حفرة في مكان الفراش الذي قبض فوقه.

وقد تولى غسل نبي الله صلى الله عليه وسلم، كل من علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وولداه الفضل وقثم ومعهم أسامة بن زيد، وشقران مولى النبي.

ولم ينزعوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ملابسه بل غسلوه فيها، وكانوا يجدون اثناء تغسيله صلى الله عليه وسلم ريحا طيبا، حتى كان علي ابن ابي طالب يقول: "بأبي أنت وأمي ! ما أطيبك حيا وميتا".

وقد كفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب "ثوبين صحاريين من صحار من اليمن، وبرد أدخلوه فيه صلى الله عليه وسلم".

وصلى عليه أولا أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، ثم دعا أبو بكر الصديق له وأمن الناس من خلفه، ثم صلى عليه الرجال، ثم النساء ثم دخل الصبيان وكل الناس في ألم وفؤاد عليل لموت المصطفي عليه الصلاة والسلام.

وقد فرش قبره صلى الله عليه وسلم برداء أحمر كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسه، ثم أنزله من قاموا بتغسيله، وبنوا فوقه باللبن وأهالوا التراب فوق القبر، وكان دفنه صلى الله عليه وسلم ليلة الأربعاء الرابع عشر من شهر ربيع الأول، أي بعد يومين من اختياره الرفيق الأعلى.

اللهم اجمعنا برسولك صلى الله عليه وسلم...

بعض المعلومات الواردة بالموضوع، تم الاعتماد فيها علي المصادر التالية:

-حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، المجلد الثاني، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الخامسة، ١٤٣١ه‍‍ - ٢٠١٠ م، صفحة ١٨٤٢ : ١٨٥٣، مصر.

-المستشار الدكتور محمد حسين هيكل، حياة محمد صلي الله عليه وسلم، دار المعارف، مصر، الطبعة الثالثة والعشرون، 2002، الصفحات من 392 : 403.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -