زدني معرفة

الإمام الطيب في الحلقة ٢٨.. الأزهر يجدد منذ زمن الإمام محمد عبده.. والفقهاء الأربعة حثوا علي التجديد

 للعام الخامس، يتمتع المسلمون وينتفعون في شهر رمضان المبارك ببرنامج "الإمام الطيب" الخاص بفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف ورئيس مجلس حكماء المسلمين.

وهذا الموضوع يتناول الحلقة الثامنة والعشرين من رمضان ١٤٤٢ه‍‍ / ٢٠٢١ م.

تمهيد:

بدأ فضيلة الإمام الأكبر حلقة اليوم، بأنه قد أشار في الحلقات السابقة إلي أن الدعوة لتقديس التراث الفقهي، ومساواته في ذلك بالشريعة الإسلامية، تؤدي إلي جمود الفقه الإسلامي المعاصر.

جمود في عصرنا:

الإمام الطيب أضاف أنه سيقول اليوم، إنها ادت إليه بالفعل في عصرنا الحديث، نتيجة تمسك البعض بالتقيد الحرفي بما ورد من فتاوي أو أحكام فقهية قديمة، كانت تمثل تجديدا ومواكبة لقضاياها في عصرها الذي قيلت فيه.

لكنها لم تعد تفيد كثيرا ولا قليلا في مشكلات اليوم، تلكم المشكلات التي لا تشابه نظيرتها الماضية، اللهم إلا في مجرد الأسم والعنوان.

التجديد مطلب قديم:

الدكتور أحمد الطيب وجه حديثه للمشاهدين بأنهم قد يدهشون حضراتهم لو قال لهم إن قضية التجديد الفقهي، وبخاصة في مجال الأسرة والمرأة، والأحوال الشخصية والاقتصاد والبنوك والربا، بل والقضايا السياسية وغيرها.

أقول أن قضية التجديد هذه، ليست بنت اليوم، ولا بنت هذا القرن، والحديث في بيان ذلك حديث طويل، اقتصر فيه علي لفت الانظار، إلي أن الكلام فيه حوارا، ومناقشات، وتأليف، ومحاضرات، عرفه الناس في مصر هنا منذ ١٢٥ عاما علي الأقل.

فمثلا، تاريخ وفاة الإمام محمد عبده هو ١٩٠٥، وهو رحمه ﷲ لم يرحل إلا بعد أن ملء أسماع المسلمين شرقا وغربا ، بأن شريعة الإسلام أوسع وأرحم بالناس من الأحكام الفقهية المأخوذة حصرا من المذهب الحنفي، مذهب دولة الخلافة آنذاك، دون سائر المذاهب الأخرى.

محاولات أخرى:

شيخ الأزهر الشريف قال أن الإمام محمد عبده، كغيره من أئمة الاصلاح، شغلته قضايا المرأة، بأكثر مما شغلته القضايا الأخرى، ورغم ذلك ظل الوضع علي ما كان عليه، قبل الإمام وبعده، جمودا وخوفا من تحمل مسئولية التغيير، في أوضاع ارتبطت بالشريعة قرونا متطاولة.

ثم جاء أحد الأساتذة في الأزهر الشريف وكلية الحقوق وهو الدكتور محمد يوسف موسي -رحمه ﷲ-، مقالا ضافيا في الفقه بعنوان "كفانا تقليدا في الفقه"، ينحي فيه باللائمة علي علماء الأزهر وعلي زملائه من أساتذة كلية الحقوق، وهم يرددون المقولة الشهيرة "صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان"... ويكتفون بمجرد الترديد، ومداعبة الاحلام والأماني، دون أن يخطوا خطوة واحدة علي طريق تحقيق هذه المقولة، وإنزالها إلي الأرض، وتطبيقها علي واقع الناس وحياتهم.

وكان -رحمه ﷲ- يري أن السبب الأكبر في هذا الجمود، والعقبة الكبري التي تقف سدا منيعا في طريق التجديد هي "عقبة التقليد"، الذي ران علي القلوب والعقول منذ قرون طويلة، وإن كان يضيف علة أخرى لا تقل خطرا عن علة التقليد يسميها "الطفرة في الرغبة في الاجتهاد والتجديد"، بفتح الأبواب لكل من هب ودب، ممن ليسوا أهلا للاجتهاد، وممن يرون أنه آن الأوان لهذا الباب أن ينفتح علي مصراعيه بعد طول اغلاق، وأن نجتهد ونستحدث ما يناسب العصر الذي نعيش فيه.

وخطر هؤلاء هو أنهم يظنون أن الأمر سهل يسير، وأنهم ما عليهم إلا أن يخالفوا فتاوي الاقدمين من رجال الفقه، فإذا هم مجتهدون مجددون، حتى ولو لم يكونوا علي شئ من الدراسة، والعلم الذي لابد منه، لكل من يقتحم هذا الميدان.

تحذير ونهي:

رئيس مجلس حكماء المسلمين أضاف أنه لا يخفي الأستاذ، استغرابه من ركون الأمة إلي التقليد في عصرنا هذا، وأن تتخذ منه ما يشبه المنهج الثابت في علاج قضايا العصر، وهي تقرأ فيما تقرأ من كلام أئمة الفقه أنفسهم، تحذيرا واضحا ونهيا صريحا عن التقليد، باعتباره طريقا يفضي لا محالة إلي الجمود وقتل ملكة التفكير والإبداع.

تقرأ كل ذلك في عبارات لا تقبل التأويل مثل قولهم: ((لا تقلدني))، وقولهم: ((خذ من حيث أخذوا))، وقولهم: ((يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى ﷲ عليه وسلم وعن أصحابه، ثم هو من بعد في التابعين مخير)).

وهذه المأثورات تمثل مرويات صحيحة للإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد، والإمام الشافعي، والإمام مالك -رضي ﷲ عنهم-.

وقد قال له المنصور: ((اجعل العلم يا أبا عبد ﷲ واحدا)).
فقال الإمام مالك: ((إن أصحاب رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم تفرقوا في البلاد، فأفتي كل في مصره ما رأي، وإن لأهل البلد "مكة" قولا، ولأهل المدينة قولا، تعدوا فيه طورهم)).
ولما قال له المنصور: ((إنما العلم عند أهل المدينة، فضع للناس علما)).

رد عليه الإمام: ((إن أهل العراق، لا يرضون علمنا، ولا يرون في علمهم رأينا)).

وهذا مجرد مثال واحد من أمثلة عديدة لدعاوى الاجتهاد من أجل تجديد الفكر الإسلامي، ما إن تظهر حتى تختفي، وتبقي الأمور علي ما هي عليه.

علة مركبة:
مولانا صاحب الفضيلة شيخ الأزهر الشريف قال أنه لا يبالغ إن قال أن الأمر لا يزال باقيا علي حاله حتى هذه اللحظة.

السادة المشاهدون، في اعتقادي أن الأستاذ الدكتور "محمد يوسف موسي" -رحمه ﷲ-، أصاب كبد الحقيقة حين لفت الأنظار إلي أن علة الجمود والعجز عن التجديد، علة مركبة من عنصر "كسول" وعنصر "متهور".

وأن كلا من هذين العنصرين المتنافرين، يغري الآخر بالصمود في معركة خاسرة، ويمده بأسباب التعويق والفشل الدائم، وهذه مشكلة شديدة التعقيد، لا تزال تعمل عملها المشئوم حتى يوم الناس هذا.

ولا أزال أنا شخصيا، أشعر بشيء غير قليل من الأحباط، كلما فكرت في حل مناسب لها، وأنا لا أريد أن أوهمك أيها المشاهد الكريم، بأنني أعد نفسي واحدا من علماء التجديد أو فرسان الاجتهاد.

فأنا ويعلم ﷲ، دون ذلك بكثير جدا، ولكني لا أنكر أنني واحد من هؤلاء الذين أرقهم هذا الجمود، منذ زمن طويل جدا، بدأ مع التنقلات بين القري، ومدن الصعيد، ومدينة القاهرة، وبعض المدن الأوروبية والأمريكية والعربية والآسيوية، ومشاهدة المفارقات التي تذهب من أقصى النقيض إلي أقصاه الآخر.

وبرغم أن الأزهر الشريف قد وجهت إليه في الآونة الأخيرة تهمة الجمود، ورفض التجديد، فإنني اؤكد لله ثم للتاريخ أن الأمر لم يكن أبدا كذلك، بل إن الأمر كله كان بعكس ما قيل، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولذلك حديث آخر نتناوله في الحلقة القادمة إن شاء ﷲ.

شكرا لحسن استماعكم، والسلام عليكم ورحمة ﷲ وبركاته...

-المصادر التي اعتمد عليها الموضوع:
موقع يوتيوب، القناة الرسمية للأزهر الشريف، برنامج الإمام الطيب، الحلقة الثامنة والعشرين.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -