زدني معرفة

الصين وألمانيا، مركزي آسيا وأوروبا، تشابه السياسات وضرورة المزيد من التعاون.

 بين الصين وألمانيا الكثير من أوجه التشابه ، فالتاريخ يحكي علينا قصص المجد والفخر ، الفنون والإبداع ، الابتكارات والمنح التي قدمتها أيادي صينية وألمانية علي مر التاريخ للبشرية ، وتربطهما علاقات تمتد لقرون خلت ، وعلاقات دبلوماسية رسمية بدأت عام 1972 ، ويواصلان الآن رحلة العمل والتقدم ، الصين اليوم هي ثاني أكبر اقتصاد عالمي وتأتي ألمانيا في المركز الرابع ، في تنافس شريف بين حضارتين عريقتين ، ولا يزال العام 2009 عالقا في ذهن كل صيني بأنه العام الذي تخطت فيه الصين العملاق الألماني اقتصاديا.

الحديقة الصناعية الألمانية الصينية في بكين، N509FZ، (CC BY-SA 4.0), via wikimedia commons.


تحترم ألمانيا الصين وتلتزم دائما بالصين الواحدة ، وهي في نفس الوقت شريكتها الاقتصادية الأولي في آسيا والشريك الاقتصادي الثالث عالميا ، بالمقابل فأن ألمانيا هي أكبر شريك تجاري للصين في أوروبا ، وسادس أكبر شريك عالميا ، ولقد أتفق البلدين في العام 2004 علي إقامة " شراكة إستراتيجية في مجال المسؤولية العالمية " ، وفي عهد الرئيس شي جين بينغ تحولت الشراكة إلي " شراكة إستراتيجية شاملة " ليتحملا كل في نطاقه الجغرافي مسئولية أن يستمر كما كان دوما ضمانة للاستقرار.

ضمانة للاستقرار:

بشكل مؤثر تلعب كل من الصين وألمانيا دورا مؤثرا في ضمانة الاستقرار عالميا ، بالقطع الحجم الضخم للاستثمارات التي تضخها الدولتين في كل أنحاء المعمورة دافع لتقدم العديد من الدول وتوفير فرص العمل وتحسين الاقتصاد في تلك الدول ، لكن الدور الذي تلعبه بكين وبرلين أكبر من ذلك بكثير.

الصين في جنوب شرق آسيا عامل هام للغاية في ضمان ذلك الحيز الجغرافي الهام ، فعلي سبيل المثال هي الشريك التجاري الأكبر مع كوريا الشمالية ، إلا أن الحكومة الصينية لم تخفي انزعاجها أبدا من التجارب النووية التي أجرتها كوريا الشمالية ، كما كانت الصين عضوا منذ البداية في المحادثات السداسية التي بدأت عام 2003 لإنهاء برنامج كوريا الشمالية النووي لضمان أمن الجزيرة الكورية بالكامل.

جنود مدفعية يابانيين يرتدون الأقنعة المضادة للغاز فيما يبدو هجوما كيماويا على المدن الصينية، ثبت تاريخيا استخدام اليابان الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في هجومها على الصين خلال الحرب بين البلدين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، صورة التقطت في جبهة هونان بالقرب من تشانغشا، بتاريخ 8 أكتوبر 1941، Wikimedia Commons، public domain.

كما تعاملت الصين بشكل براجماتي وسلمي تماما في كل الأزمات الحدودية التي واجهتها مع دول الجوار ، بداية من روسيا التي استمرت عملية التسوية بينها وبين الصين ما يقارب نصف قرن ، نصف قرن بالتمام والكمال لتسوية الحدود بشكل شرعي بين البلدين ودون اللجوء للقوة أو حتى التلميح باستخدامها ، وبالإضافة لذلك سعت الصين لتطبيع علاقاتها مع اليابان علي الرغم من كل المآسي التي عاني منها الصينيين طيلة الحرب العالمية الثانية من جرائم أرتكبها الجيش الإمبراطوري الياباني وقتها وترفض اليابان الاعتراف بكثير منها إلي يومنا هذا ، لكن الصينيين كشعب محب للسلام سعوا لطي صفحة الماضي بكل ما حملته من ألم حتى طبعت العلاقات بين البلدين عام 1972.

كان ذلك التطبيع سابقا حتى لإنهاء مشكلة الحدود بين البلدين و لم يكن التطبيع عاديا أو صوريا ، بل أنطلق التعاون الاقتصادي وبكل قوة ليعبر بشكل كامل عن الرغبة الصينية في التعاون والكسب المشترك حقيقة علي أرض الواقع وليست مجرد كلمات أو شعارات سياسية جوفاء ، لقد تضاعف التبادل الاقتصادي بين البلدين بشكل لا يصدق بين البلدين ليصل إلي 340 مليار دولار تقريبا بعد أن بدأ بمليار دولار فقط في العام الأول لتطبيع العلاقات ، وفي نفس الوقت فأن البلدين يحتلان مراكز متقدمة في قائمة الاستثمارات الأجنبية كل منهما لدي الأخر.

لقد فعلت الصين كل ذلك ولا تزال مشكلة تحديد الحدود البحرية للدولتين في بحر الصين الجنوبي قائمة ، ولا تزال مشكلة السيادة علي جزر " دياويو " لم تحل ، لتؤكد الصين بشكل لا لبس فيه أنها ضمانة للاستقرار جنوب آسيا ، فعندما نتعاون ويكون هناك مصالح مشتركة فأن اللجوء للسلاح لن يكون ضمن الاختيارات المطروحة ، 

أما الهند العملاق ذو المليار نسمة ويزيدون ، فلم يختلف التعامل الصيني معه ، اليوم يتبادل قادة البلدين الزيارات – الرئيس شي جين بينغ زار نيودلهي في سبتمبر من العام الماضي - ووقعت اتفاقية ( مقاييس بناء الثقة ) عام 1996 ، بل أن البلدين شطبا المشكلات من سجلات بعضهما البعض ، باعتراف الهند بسيادة الصين علي التبت ، و اعتراف بكين بسيادة الهند علي مملكة  سيكيم سابقا ، كما تجدر الإشارة إلي التعاون العسكري بين البلدين ، فالهند دولة جوار ، والصين أعلنت مبدأها " حسن معاملة دول الجوار وإقامة علاقة صداقة معها " ، لقد كان ذلك مثالين لكن الصين نجحت أيضا في حل مشاكلها الحدودية مع فيتنام عام 2000.

ألمانيا في أوروبا كانت أحد أهم الأسباب في تسكين الأزمة الأوكرانية ، لقد لعبت برلين دورا حاسما بين الروس والناتو ، فمع كونها دولة عضو في حلف شمال الأطلسي ، ألا أن الموقف الألماني لم يكن منحازا بشكل صريح للناتو ، لقد كانت ألمانيا حريصة علي روسيا حتى لا يتطور الموقف لحرب لا تبقي و لا تذر ، بالإضافة للعلاقات الاقتصادية المتميزة بين الطرفين واعتماد ألمانيا علي الغاز الروسي كمصدر أساسي للطاقة ، كما تعتمد روسيا بشكل كبير علي التقنيات الألمانية المتطورة ، وبشكل حقيقي فأن التحليل المنطقي والهادئ للموقف يقودنا إلي حقيقة مفادها أن الموقف الألماني أمتص الكثير من الأخطاء والاندفاع والتلعثم الذي تحلت به ردود الأفعال الأمريكية في هذا السياق ، نعم لقد اشتركت ألمانيا في فرض عقوبات اقتصادية علي روسيا ، لكن الأمر لم يصل إلي حد المقاطعة الكاملة بفضل ألمانيا ، كما بذلت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل جهدا محمودا وضخما لمنع الانزلاق في فخ التصعيد العسكري المتبادل حتى في أصعب اللحظات عند سقوط الطائرة الماليزية بصاروخ لم يعرف صاحبه إلي يومنا هذا. 

قوة الاقتصاد:

تمتلك ألمانيا بعض أفضل العلامات التجارية في مجال صناعة السيارات في العالم، صورة للمبني الرئيسي لشركة بي ام دبيلو، في مدينة ميونخ الألمانية، Diego Delso, delso.photo, License CC-BY-SA, via wikimedia commons.

الصين هي ثاني أكبر اقتصاد عالميا ، وألمانيا في المركز الرابع ، وكلا الدولتين تحظي منتجاتها بالسيطرة جغرافيا علي الدول المجاورة، ومع التفوق الرقمي الصيني ، فالألمان لديهم التفوق التكنولوجي وسيكون من المتميز بدأ التعاون بين البلدين في هذا الصدد تحديدا ، الصين تواجه مشاكل مثل كثافة العمالة التي تحتاجها في عملية الإنتاج ، التلوث البيئي ، ارتفاع قدر الطاقة اللازم لإنتاج سلعة ما ، كل هذه المشكلات لدي ألمانيا حلول متميزة لها ويمكن للصين الاستفادة منها ، في سعيها الحالي للتحول من الإنتاج الكثيف إلي المنتجات العالية التقنية والعالية الجودة ، وخصوصا في مجالات كصناعات السيارات ، محركات الطائرات والتي لا تزال الصين تعتمد فيها بشكل شبة كلي علي روسيا.

علي الجانب الأخر فالصين سوق مفتوحة وبشكل هائل للصادرات الصينية ، نتحدث هنا عن مليار و 300 مليون نسمة هم عدد سكان الصين مما يشكل سوقا لا مثيل له ، وخصوصا أن السوق الألماني يكاد يكون قد تشبع بتلك السلع ، وسيكون أمام ألمانيا مهمة تغزو فيها السوق الآسيوية لتفريغ سلعها ، وخصوصا عندما نعلم اعتماد الاقتصاد الألماني وبشكل كبير علي الصادرات ، فوفقا للبنك الدولي وفرت الصادرات لألمانيا 1.7 تريليون دولار ، شكلت ما يعادل 51% من الناتج المحلي الإجمالي.

طريق الحرير الجديد هنا عامل هام للغاية ، فوفقا للإستراتيجية الصينية للربح والمنفعة المشتركة هو طريق الخير للجميع ، الطريق لن يكون للصادرات الصينية أو حتى الآسيوية وفقط بل الجميع مدعو للمشاركة فيه ، وستوفر البنية التحتية العملاقة التي ستبنيها الصين أو الدول الواقعة علي الطريق تسهيلات عملاقة توفر وصولا أسهل وأسرع للمنتجات الألمانية للسوق الآسيوي وخصوصا الشرقي والجنوبي منه.

ومن كل ما سبق نخلص في النهاية إلي أن الصين وألمانيا ، تتفقان سياسيا بل وتحتاجان إلي المزيد من التعاون اقتصاديا ، فالنظم السياسية محبة للسلام داعمة للاستقرار ، أما علي الصعيد الاقتصادي فلقد أنتهي معهد " ستراتفور " الأمريكي الشهير في تحليل له في أكتوبر عام 2014 أن ألمانيا والصين يتفقان معا في أسلوب تحقيق الرفاه لمواطنيهم ، فهم لا يقومون فقط بمهمة تحسين اقتصادهم وأسلوب أدارته بل ويهتمون بتقدم الدول التي تتعاون معهما ، فببساطة إن سقطت تلك الدول في أزمات اقتصادية فأنها لن تكون قادرة علي التعاون معها أو الاستيراد منها ، لقد كان ذلك شهادة أمريكية عن مبدأ " الربح المشترك " الذي تعتمده الدولتان.

هذه النقطة تحديدا تؤكد فكرة حاجة ألمانيا تحديدا للمزيد من الأسواق لتصريف سلعها ، الكثير من الدول الأوروبية الآن وهي الأسواق التقليدية للمنتجات الألمانية تعاني ، اليونان تطحنها أزمة الديون ، ايطاليا وأسبانيا والبرتغال ترقص علي أنغام التقشف الحكومي ، ودول الشرق الأوروبي تزيد من مخصصات الدفاع بعد الأزمة الأوكرانية ، كل هذا يعني أن الألمان يحتاجون للسوق الآسيوية وبشدة ودليلهم هناك ومفتاحهم لها هي الصين.

الصين نفسها ووفقا لمكتب الإحصاءات الألماني كانت رابع مستورد للمنتجات الألمانية عام 2014 بمبلغ 74.5 مليار يورو ، وهو ما يشكل 6.6 % من أجمالي الصادرات الألمانية ، وما نسبته 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا ، أيضا كانت ألمانيا قد استوردت في نفس العام منتجات صينية بقيمة 79.3 مليار يورو.

وفي الاقتصاد تتحدث الأرقام بالحقائق ، ووفقا للأرقام الرسمية لوزارة الخارجية الألمانية لدينا ما يلي : الصين هي رابع اكبر مشتري للصادرات الألمانية بعد فرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة ، وهي السوق الرئيسي لاستيراد الآلات الألمانية بمبلغ 19 مليار دولار ، وهي أكبر مشتر بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للسيارات الألمانية ( 21 مليار دولار ).

لا مبرر للقلق:

المثير للدهشة بعض التحليلات والمقالات وتصريحات من مسئولين يابانيين علي وجه الخصوص بخصوص التقارب الاقتصادي الصيني-الألماني ولقد أفردت جريدة " بلومبرج " الأمريكية تقريرا في نسختها الاقتصادية تحدث عن القلق الياباني من هذا التقارب ، وحقيقة الأمر أن المسألة لا دخل لبكين فيها ، من المنطقي أن تسعي كل الدول للتعاون الاقتصادي ، والأكثر أثارة للدهشة ما ذكرناه فعليا من وجود علاقات اقتصادية قوية تربط اليابان مع الصين.

من المشروع قانونا وعرفا دوليا أن من حق كل دولة السعي لتحقيق مصالحها طالما لا تضر بباقي الدول ، فما الضرر الذي قد يكون قد أصاب بكين جراء تضاعف قيمة الصادرات الألمانية إلي الصين من العام 2008 إلي العام 2014 ؟ ، الحقيقة أنه ومع أن صادرات اليابان للصين أعلي وتصل إلي 109 مليار دولار أمريكي ، فأن نفس الفترة لم تشهد سوي ارتفاع نسبته 3.3% في صادرات اليابان إلي الصين ، لذا فمن الواضح أن اليابانيين قلقين علي حصتهم في السوق الصينية ، لكن من المعروف أن أي دولة لها الحق في اختيار مع من تتعاون ومن من تستورد ؟.

بل لقد كان التقرير الأمريكي المذكور منصفا في ذكره لبعض الأمثلة التي أشارت إلي أن ضعف نمو الصادرات اليابانية إلي الصين في جزء منه كان نتيجة للسياسة اليابانية نفسها ، فاليابان هي من قررت أنشاء مصنع لشركة تويوتا لصناعة السيارات في الصين.

أن التعاون الصيني الألماني في تلك الفترة شديد الأهمية وتحتاجه مناطق الجنوب الشرقي لآسيا و اوراسيا لضمان استقرارها وعدم تفجر الأوضاع خصوصا بعد الأزمة الأوكرانية ، فلم نري يوما جنودا وقطع بحرية وطائرات ألمانية تأتي لجنوب شرق آسيا لتحمي الصين أو تقوم بما تسميه " مناورات معها " كما لم ولن تمنح بكين جزءا من أرضها لألمانيا لتدافع عنها ، كل ما في الأمر تشابه في السياسات وضرورة لمزيد من التعاون.

مسئولية ضخمة:

محطة Grohnde للطاقة النووية في ألمانيا، Heinz-Josef Lücking، Germany (CC BY-SA 3.0 DE), via wikimedia commons.

وعلي الرغم من كل هذا التعاون ، وكل هذه الأرقام الهامة والمبشرة ، إلا أن علي الصين وألمانيا مسئولية ضخمة تتمثل في الحفاظ علي هذا الكوكب ، لقد عانت الطبيعة كثيرا ، وتغيرت درجة الحرارة في كل أنحاء العالم لنصبح أمام ظاهرة الاحتباس الحراري ، القطب الشمالي انهارت أجزاء كبيرة منه نتيجة ارتفاع الحرارة ، كل هذا كان نتيجة لارتفاع نسب التلوث من المصانع من وسائل المواصلات وغيرها.

علي الصين وألمانيا كثاني ورابع أكبر اقتصادين في العالم العمل لمواجهة ذلك بكل قوة وحزم ، الصين لديها برامجها بل ونظريتها الفكرية لمواجهة تلك المشكلة " بالحضارة الايكولوجية " والتي يشرف الرئيس شي جين بينغ ذاته علي تنفيذها ، ومحور الحضارة الايكولوجية هو أن لا نترك البيئة فريسة للتطور التكنولوجي والصناعي ، بل أحداث توازن بين التنمية وبين متطلبات الحفاظ عليها ، ويتم التركيز علي تخفيض الانبعاثات و الاعتماد علي الطاقة الصديقة للبيئة ، لقد أوضحت دراسة بريطانية من " جامعة لندن للعلوم الاقتصادية " أن الصين ستخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري قبل 5 سنوات من الموعد الذي حددته.

ألمانيا لديها دور ريادي بدورها في ذلك المجال ، ويخطط الألمان للتخلص نهائيا من الطاقة النووية و استبدالها بمصادر الطاقة المتجددة وسيكون من المهم استفادة الصين من الخبرة الألمانية وهو ما حدث قبل ذلك فعليا في عدة مجالات منها وسائل النقل التي تصدر انبعاثات كربون أقل ، كما تم توقيع مذكرة للتفاهم بشأن التعاون في مكافحة التغير المناخي عام 2009.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-