زدني معرفة

كيف تكون صلاة المسافر .. كامل أحكام تقصير الصلاة

الصلاة، هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وفريضة على جميع المسلمين، غنيهم وفقيرهم، الحكام والمحكومين، خمس مرات في اليوم والليلة.

((إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)) {من الآية ١٠٣: سورة النساء}، CC0 Public Domain، via pxhere. 

وقد جاء الإسلام ليخفف عن العباد وييسر لهم أمور دينهم، ومن أهم صور التخفيف، أن خفف الصلاة على المسافرين لمسافات طويلة، لما يصاحب السفر من عناء وإرهاق.

وقد اختلف العلماء -واختلاف الأمة رحمة- على تفاصيل صلاة المسافر، من حيث متى تكون؟.. ومدة السفر.. ومثل هذه الأشياء، لذا فإننا سنحاول أن نقدم لكم تقريرا مجملا تستطيعون الإعتماد عليه بإذن اللّه.

حكم صلاة المسافر:

صلاة المسافر وقصر الصلاة، سنة عن الرسول ﷺ، وهي ثابتة بالكتاب والسنة النبوية.

فمن الكتاب، قول الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا} {النساء: ١٠١}.

فالآية الكريمة ترفع الحرج عن من يريد أن يقصر ويصلي صلاة المسافر.

فبرغم أن المسلم بوسعه أن لا يقصر صلاته حتى ولو كان مسافرا، فإن القصر في صلاة المسافر أفضل اقتداءا بفعل حبيبنا ونبينا وسيدنا رسول اللّه ﷺ، وهو رأي المذهب الشافعي، في حين أن قصر صلاة المسافر يصعد ليكون (واجب) في المذهب الحنفي.

كما أن الله عز وجل يحب أن يخفف عباده عن أنفسهم، وأن يستخدموا رخص التخفيف عن أنفسهم بالضبط كما يحبهم أن يكونوا ذوي قوة وعزم في أمور أخرى، كما قال ﷺ في الحديث الثابت عنه: "إنَّ اللهَ يحبُّ أنْ تؤتَى رُخصُهُ كما يحبُّ أنْ تُجتنبَ عزائمُهُ أو تؤتَى عزائمُهُ".

كما جاء في السنة عن صلاة المسافر ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما أن السيدة عائشة بنت الصديق -رضي الله عنهما- قالت: "ما خُيِّرَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلَّا أخَذَ أيْسَرَهُمَا، ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا، فإنْ كانَ إثْمًا كانَ أبْعَدَ النَّاسِ منه".

صلاة المسافر، صدقة من اللّه على عباده المسلمين، CC0 Public Domain، via pxhere.

بل إنه يمكننا القول أن (صلاة المسافر) لها وضع خاص بجانب كل ما فات من تخفيف عام، وذلك في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، أن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: "فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا" فقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "صدقةٌ تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".

ففي هذا الحديث سأل يعلي بن أمية عن ما يدور في بال الكثيرين عندما يقرأون الآية الكريمة التي تبيح قصر صلاة المسافر، بأن الطرق الآن غالبها آمنة ووسائل النقل تحظي بحماية الدول والناس، فقد سأل أصحاب رسول اللّه ﷺ ذات السؤال، فأجابهم أنها صدقة من اللّه على عباده المسلمين، وحثهم على أن يقبلوها.

وفي حديث آخر، قال عبد الله بن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-: ((صحبت رسول اللّه ﷺ فكان لا يزيد في السفر عن ركعتين .. وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك)) رواه البخاري ومسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر))، ومعني قولها -رضي الله عنها- أن الصلاوات الرباعية ((الظهر، العصر، العشاء)) كانت ركعتين في بداية فرض الصلاة، سواء في السفر أو في الإقامة، فزادت إلى أربعة حين يقيم المسلم، وبقيت ركعتين في وقت السفر.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن قصر صلاة المسافر ليست الرخصة الوحيدة للمسافر في دين الإسلام، بل يشمل مع ذلك رخصة الإفطار في رمضان وقضاء تلك الأيام بعد العودة من السفر، والمسح على الخفين لثلاثة أيام بلياليها، ومن السنة أيضا، ترك الرواتب في السفر، إلا سنة صلاة الفجر، وصلاة الوتر وركعتي الضحى.

كيف تكون صلاة المسافر:

تكون صلاة المسافر (قصرا)، وكلمة قصرا، تأتي من التقصير وتعني التقليل في اللغة العربية.

فيقصر المسافر من الصلاوات التي تصلى أربع ركعات وهي (الظهر، العصر، العشاء)، فيصليها ركعتين فقط بدلا من أربع ركعات، في حين تبقي صلاتي الفجر والمغرب كما هما، ركعتين في الفجر، وثلاثة في المغرب.

وهنا سؤال مهم يتردد كثيرا ... وهو ماذا لو صلي المسافر خلف مقيم في جماعة ... هل يقصر صلاته ويسلم بعد الركعة الثانية ... ام يكمل الصلاة جماعة كاملة خلف المقيم؟.

إذا صلى المسافر في جماعة، فعليه إتباع الإمام وإكمال الصلاة كاملة، Azim Khan Ronnie، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

والإجابة عن هذا السؤال جاءت بإجماع أراء المذاهب الأربعة (الحنفية، الشافعية، المالكية، الحنابلة)، بأن المسافر يلزمه إكمال الصلاة وإتمامها خلف المقيم.

مسافة صلاة السفر:

وفقا لأراء معظم العلماء المعتبرين، فإن المسافة التي يشرع معها للمسافر أن يقصر صلاته، تتراوح بين من قالوا أنها (٨٣كم ومن قالوا أنها ٨٥كم، ومن قال ٨٩ كم).

والواقع العملي يقول أنه ومع تطور وسائل النقل، وظهور السيارات والقطارات والطائرات المكيفة والمريحة، أصبحت هذه المسافة لا تشغل بال الكثيرين، بل إن الإنسان لو خرج وقد أدى الصلاة في موعدها، ثم استقل وسيلة نقل من وسائلنا الحديثة لوصل لوجهته قبل أن يحل موعد الصلاة التالية.

فمعظم الأسئلة التي ترد عن ((مسافة صلاة السفر)) يكون صاحبها مسافرا من بلد إلى آخر، أو حتى داخل نفس البلد لكن تكون وجهته على بعد مئات الكيلومترات.

وهنا ننتقل لرأي نراه مهما قال به بعض العلماء، وهو عدم تحديد مسافة معينة لصلاة المسافر، بل قالوا أن صلاة المسافر تصح عند كل سفر اتفق الناس وتعارفوا على تسميته سفرا، بغض النظر عن المسافة.

فعلى سبيل المثال إذا تعارف الناس في السعودية على القول بأنهم يسافرون من الرياض إلى مكة المكرمة فهذا سفر، وإذا تعارف أهل الإمارات على القول بأنهم يسافرون مثلا من رأس الخيمة إلى بني ياس فهذا سفر، وكذلك أهل قطر لو قالوا أنهم يسافرون من بلدهم إلى الكويت، فهذا سفر.

كل هذه أمثلة على السفر الذي يبيح لصاحبه أداء صلاة المسافر، في أي بلد كان فيه المسلم، طالما تعارف الناس على وصف هذا الانتقال من مكان إلى مكان بأنه سفر.

وفلسفة هذا الرأي أن الناس لا يصفون ولا يعتبرون الانتقال بين المدن القريبة أو داخلها والمسافات القصيرة بأنه سفر، ومع ذلك فإن الحكم الشرعي لا يتغير باختلاف وسيلة المواصلات ومدى راحة المسافر في السفر، وله أن يصلي صلاة المسافر ولو كان السفر بطائرة خاصة.

محطة القطارات الأكبر في العاصمة المصرية القاهرة في ميدان رمسيسMona Hassan Abo-Abda، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

هذا، ويبدأ حكم (صلاة المسافر) منذ لحظة السفر الأولى، فإذا دخل عليه وقت الصلاة يجوز له أن يصليها قصرا، حتى ولو لم يكن قد تجاوز بعد مسافة صلاة المسافر (٨٩ كم).

شروط صلاة المسافر:

لابد من تحقق هذه الشروط، حتى تصح صلاة المسافر ويستطيع المسلم أن يقصر الصلاة، وهي:

  1. أن تكون مدة الإقامة في المكان الذي سافر إليه أقل من أربعة أيام، فإذا كانت مدة إقامته أربعة أيام فما أكثر، ففي هذه الحالة، يلزمه أداء الصلاة كما هي وذلك بالرأي الأكثر حيطة حتى لا تقع في إثم، وذلك إعمالا لقول الحق -سبحانه وتعالى-: (( ۚ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)) {الآية ١٠٣ : سورة النساء}... وإن كانت الأمانة العلمية توجب هنا نقل قول ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقصر صلاته إذا كان سفره ١٩ يوما.
  2. أن لا تقل مسافة السفر عن ٨٩ كم وفقا لأكثر الأراء تحوطا.
  3. تحتسب مسافة السفر من حدود المدينة أو القرية التي يخرج منها المسافر، فمثلا من يعيش في مدينة طرابلس في ليبيا ويريد السفر لبنغازي أو العكس، فيبدأ حساب المسافة من نهاية مساكن وبنايات طرابلس والعكس صحيح لمن يسافر من بنغازي، وكذلك يمكن قياس المسافة مثلا من مطار إلى مطار أو من محطة قطار أو حافلات إلى أخرى وهكذا.
  4. أن يكون السفر مشروعا، سواء للعمل أو لطلب العلم أو العلاج أو زيارة الأقارب وصلة الرحم أو حتى السفر للترويح عن النفس بما لا يخالف ما شرعه الله عز وجل، فمن كان سفره في غاية غير مشروعة، فإن السفر نفسه غير مشروع، وبالتالي فلا تنطبق عليه أحكام التخفيف في صلاة المسافر.

الجمع والقصر:

كما يجوز للمسافر أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم وتأخير، وكذلك الحال مع صلاتي المغرب والعشاء، على أن يكون لكل صلاة إقامة، بأذان واحد فقط.

وفي هذه الحالة يجوز أن يجمع المسافر ويقصر تقديما أو تأخيرا بحسب الأيسر والأسهل له، فمثلا إذا كان الأسهل له أن يصلي الظهر والعصر جمعا وقصرا في وقت صلاة الظهر فليفعل، كذلك إذا كان الأسهل له أن يجمع بين المغرب والعشاء في وقت صلاة المغرب فليفعل، فالأمر واسع وليختار المسلم ما هو أسهل له، وتسمي هاتين الحالتين (جمع تقديم).

صلاة المسافر يمكن أيضا فيها الجمع مع القصر، irumge، (CC BY 2.0)، via Flickr.

أما جمع التأخير، فيمكنك فيه أن تؤخر صلاة الظهر لتصليه آخر الوقت قبل أذان صلاة العصر، ثم تصلي العصر، وأن تؤخر صلاة المغرب آخر الوقت قبل صلاة العشاء، ثم تصلي العشاء بعدها.

والشرط الوحيد هنا أن يكون الجمع مرتبا، بمعني أن يبدأ بصلاة الظهر في جمع الظهر والعصر، ويبدأ بصلاة المغرب في جمع المغرب والعشاء.

ونذكر هنا مجددا أن صلاة المغرب لا تقصير فيها، فإذا جمعها الشخص مع صلاة العشاء، يصليها ثلاث ركعات ثم يصلي العشاء ركعتين قصرا.

ويمكن أن يفعل المسافر كما فعل سيدنا رسول اللّه ﷺ، في حديث حسن صحيح، رواه معاذ بن جبل: ((أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان في غَزْوَةِ تَبُوكَ ، إذا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمسِ ، أخَّرَ الظُّهرِ إلى أنْ يَجمَعَها إلى العصرِ، فيُصلِّيهُما جمِيعًا ، وإذا ارْتَحَلَ بعدَ زَيغِ الشَّمسِ، عَجَّلَ العصرَ إلى الظُّهرِ، وصلَّى الظُّهرِ والعصْرَ جميعًا ، ثُم سارَ . وكانَ إذا ارْتَحَلَ قَبلَ المغرِبِ ، أخَّرَ المغرِبَ حتى يُصلِّيها مع العِشاءِ ، وإذا ارْتَحَلَ بعدَ المغرِبِ عَجَّلَ العِشاءَ فصلَّاها مع المغرِبِ)).

وزيغ الشمس تعني أنها فترة ما قبل زوال الشمس، أي الفترة التي تسبق ميلان الشمس نحو الغروب، والحديث خاص بمن بدأ السفر بالفعل، لأنه يقول (إذا ارتحل) بمعني أنه يكون ﷺ قد ركب راحلته وبدأ التحرك فعلا.

ومع ذلك، ومن سبيل طرح كل الآراء، فهناك رأي يقول أن الأفضل أن يكتفي المسلم بتقصير الصلاة عند السفر، وأن لا يجمع بين الصلاوات، إلا إذا كان هناك عليه مشقة في ذلك، ولكننا لا نأخذ به عملا بسنة النبي ﷺ.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -